منمنمات ليبية ((الأبواب في ليبيا))

كوثر الفرجاني
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_لماذا يعشق الناس القديم؟
لطالما تساءلت لماذا هذا الحنين الشبق للقديم؟ هل لأنه مخزون من ذاكرة مليئة بالتجارب؟أم لأنه مرتبط بالذاكرة ومنها الحبل السري يرتبط بالقلب؟ تلك التجارب ليس المدون والمحفوظات منها في الثقافة الشفافية فقط؛ بل وحتى كل ذلك التاريخ  الذي يسكن الصخور والجبال؛ يسكن السلوك والأفعال  والماثر التي تركتها التجربة الإنسانية في جوانب الحياة المختلفة؛ يسكن الأيام والليالي؛ ويسكن ما تتركه اناملنا على ما نلمسه؛ ويسكن ابريقا اثريا يعود إلى الدهور البائدة التي تتلقفك بنقوشها ومنمنماتها الصغيرة، فيرحل بك البصر في تلك التفاصيل الدقيقة حتى يصور لك خيالك ملامح وجه ذلك الحرفي المبدع الذي جلس في خلوته يصنعها بدقة؛ تعكس الشغف والخيال الذي ينساب كشلال لا يتوقف، إلا بعد أن يظهر الابداع للوجود؛ ويصبح كائنا نلمسه بأطراف أصابعنا؛ منتج مصنوع يدويا بعيدا عن ضجيج الآلة وجمودها.
ترحل بنا النقوش إلى عوالم أخرى؛ إلى تلك اللحظة التي صنعت فيها اليد هذه الأشياء؛  والزمن الذي تعود إليه؛ لتبقى شاهدا ومشهدا في أن واحد؛ شاهدة على حياة وتاريخ وحضارة.
العودة للقديم
اغلبنا يعشق القطع الأثرية حتى وان كانت لا تنتمي لإرثنا وهويتنا وحضارتنا؛ لأننا بشر ننتمي للحضارة البشرية عامة.
واليوم؛ في القرن الحادي والعشرين؛ حيث باتت التقنية سيدة الساحة التي تختصر الوقت والجهد عبر التقنيات الرقمية عبر جهاز صغير يستطيع المرء من خلاله إدارة مصنع كامل بكل الآته المعقدة.
وذلك الابريق الذي جلس ذلك الحرفي ينفق الوقت من أجل احداث نقوش صغيرة على حوافه؛ وسط الغبار ودخان النار وضجيج طرق المعادن؛ وتستطيع التقنية صناعته بأسرع من لمحة عين؛ وكذلك الرسام والخطاط وكل من جلس لايام طويلة من أجل  خط مخطوطة؛ أو  رسم لوحة؛ تستطيع آلة النسخ الحديثة عبر برنامج رقمي خطها في ثوان؛ والطباعة التي تتكيء على عمود التكنولوجيا لن يتوانى عن تقديم خيارات لا نهائية من الشكل والخط واللون او رسم لوحة.
ورغم كل ذلك…لن تستطيع أن تقدم لنا لوحة كتلك  التي تناثرت فيها الحروف بتوتر أصابع الخطاط وحركة يده؛ واهتزاز ريشته نتيجة نبض الدم في شرايينه.
استلهام الماضي
لقد عاد الناس لماضيهم؛ ليستلهموا منه روحه وانسانيته؛ وخير دليل على ذلك تهافتهم على تلك المنمنمات العتيقة الغارقة في نعيم العراقة فيه؛ هل هو هروب من جفاف الآلة وجمودها؟ أم هو اشتياق للماضي؟ام هي محاولة من انسان الألفية الثالثة الإبقاء على الخيط الذي يصله بتاريخ ملايين البشر الذين خلفوا لنا ثقافة على صورة ايقونات لازالت شاهدة على حياة سابقة عشنا تفاصيلها معهم عبر خيالهم الجامح حيث لم يضيء لياليهم إلاالقمر والنجوم؛ ويوم السفح والجبل حاليا إلا من بشر ودواب وشجر؛ حيث الطبيعة الملهمة والمحفزة الرؤى الخلاقة.
بالخشب حفظ للانسان سيرة ابداع حافلة؛ وجد فيها مادة خام ذات طواعية يستطيع أن يشكلها على هواه؛  كجذع الشجرة التي اعطته جسدها كانت من نتاج بيئته ومحيطه؛ يشكل أغصانها وجذورها بمبارده؛ وينقش عليها كلماته لحفظ أسراره؛ وبرسم عليها وروده وازاهيره المحفزة على الخيال والإبداع.
الفن الاسلامي
يذكر التاريخ أن الفنون الاسلامية كعنوان عريض في صفحاته الخالدة ، كونها تمثل الفنون التي انتجها الفنان المسلم ، بعد أن استطاع الإسلام صهر الثقافات المتباينة والمتعددة وتوحيدها؛ فيحسب فن الارابيسك مثلا النحات العربي؛ ليبقى فنا خاصا به يميزه عن باقي الفنون
ومن هنا انطلق هذا العنوان ليشمل الزخرفة والمنحوتات وأساليب التخشيب،
وفي مقدمة ابتكارات النجار العربي نجد ما يعرف بالمنحوتات ذات الحشوات المجمعة  والتي تستخدم في صناعة الأدوات الخشبية؛ بواسطة الجمع بين  هذه القطع الموصولة تتيح المجال للتعامل مع حرارة الطقس؛ حيث تعمل الفراغات بين القطع على منح الخشب مساحة كافية للتقلص والتمدد؛ وقد اشتهر فن الحشوات المجمعة في عصر الدولة الفاطمية بمصر؛ بينما شهد عصر المماليك فيها بفنون الخرط على الخشب؛ والذي يعرف حاليا ب(المشربيات)؛ يتم فيه تحويل الخشب إلى قطع اسطوانة مشكلة بطرق عديدة؛ تعرض إلى جانب بعضها بشكل لا يخلو من الذكاء والإبداع.
ووفقا لما تشير إليه البحوث والمراجع التي تتبعث منجزات النجارين العرب والمسلمين؛ بانه يوجد بمتحف أثينا بابا خشبيا سرق من إحدى ضواحي بغداد؛ ويعد من أقدم التحف الخشبية التي تعود إلى العصر الأموي؛ والباب مزخرف ونقوش على شكل شجرة كبيرة مزهرة؛ ذات أغصان وفروع وأوراق وازاهير؛ وهو تحفة وقطعة فريدة لا يمكن وصف روعتها وتفاصيلها، ويعد باب الأزهر الشريف الذي أمر المالك بأمر  الله الفاطمي بصناعته واحدا من الأبواب الأثرية التي تعد اليوم شاهدة على الفن العربي الأصيل؛ وهو محفوظ اليوم في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة؛ كما ادخل المسلمون على الصناعات  الخشبية مواد أخرى كالنحاس والبرونز  المصبوب؛ ولا زالت أبواب المدن بالفتوحات الإسلامية حاضرة شاهدة على الفن العربي الإسلامي؛  والتي يراعي فيها الصانع العربي المسلم عوامل الطقس والحرارة؛ والعادات الاجتماعية؛ صنعوا بالخشب الأبواب و الشبابيك والمنابر بالمساجد والقصور والمباني التي بقيت كشواهد وادلة على حضارة إسلامية لا تندثر ولا تفنى.
الأبواب القديمة في ليبيا
وتوجد في ليبيا الكثير من الأحياء والبيوت القديمة الاثرية؛ ولعل أبرزها المدينة القديمة التي ظلت شاهدة عبر تاريخها العريق كونها تعكس مرحلة هامة؛ فهي ذاكرة لا تنضب وخزانة لحياة المجتمع بأكمله وعلاقاته ونشاطاته؛ بكل مكوناته الاجتماعية والثقافية؛ وكل حي فيها يستنطق فصوله واحداثه؛ وأغلب بيوت المدينة القديمة بطرابلس لا تخلو أبوابها وشبابيكها من الخشب؛ التي تعكس الروح الإبداعية للنجارين؛ الذين حفروا  فيها بالتطعيم  نقشا وخطوطا تعكس الطابع العربي الإسلامي الذي تشربه المبدع الليبي من تمازج  وتلاقح ثقافات مرت على المدينة البيضاء عبر تاريخها الطويل.
كما أن مدينة طرابلس بكل ما فيها من أزقة وشوارع وبيوتات ومباني خير شاهد على ذلك؛ حيث حظيت القلعة المعروفة بالسرايا الحمراء بتحصينات جعلتها تحفة من تحف التاريخ التي تتميز بروح ورائحة شرقية تعبق بها ممراتها وساحاتها وغرفها وابوابها وهاليزها وكل بقعة فيها من معالمها كقلعة صامدة على ضفاف المتوسط؛ كما أن البيت الطرابلسي سواء كان موجودا بوسط البلاد أو ضواحيها؛ لا يختلف في أنماطه وطرازه المعماري؛ فهو غالبا ما يتكون من دور واحد ذو أقبية مفتوحة؛ تطل عليها نوافذ الحجرات والغرف التي لا تفتح بدورها إلا داخل صحن البيت؛ حفاظا على خصوصيته؛ ويبدو هذا النمط المحلي من الأبنية قد تأثر غير مراحل التاريخ بانماط وطرز أخرى؛ ظهرت منذ الفتح الإسلامي واستمرت حتى العهد العثماني؛ مكونا لنفسه نسيجا معماريا متميزا ما جعل هذا الأبنية تتطور مع الزمن حتى أصبحت تتكون من طابقين بدلا من واحد؛ واتخذ شكل واجهتها الامامية شكلا مختلفا بوجود نوافذ وأعمدة وبروزا في حوافها.
وتعد الأبواب في المدينة القديمة من أبرز الأشكال الفنية التي تشد الداخل إليها؛ حيث إن النقش والحفر والنحت فيها تشكل فنا بحد ذاته؛ مما يعطي هذه البقعة من العالم خصوصية للمكان؛ وتعطي وصفا دقيقا لهويتها وهوية البشر الذين تعاقبوا عليها.
كذلك هو الحال في (حياش الحفر) بمدينة غريان الجبلية؛ والمعروف جبلها جغرافيا وتضاريسيا بجبل طرابلس؛ والتي تبعد عن العاصمة بحوالي (80)كم؛ والتي لا تخلو بيوتها من الابواب؛ التي صنعت من جذع شجرة الزيتون؛ وحفرت عليها أروع النقوش؛ سواء تلك الأبواب التي تتصدر السرداب الذي يقود إلى حوش الحفر مباشرة؛ ويشكل المدخل الرئيسي له؛ أو تلك الأبواب للغرف التي تحفر وتأخذ شكل دائري؛ أما في مدينة الجفرة؛ فمن أشهر أبوابها هو باب مدينة سوكنة القديمة والقلعة فيها والتي تم تحويلها حاليا إلى متحف؛  وهي آخر شواهدها؛  التاريخية؛ وفي داخل القلعة باب منزل الشيخ عبد الوهاب الأشهب والذي تغطيه زخارف تميزت بقوة ألوانها ووضوح تكويناتها.
أما غدامس جوهرة الصحراء؛ فهي حكاية أخرى؛ بمعمارها وابوابها؛ التي نعجز عن فك الغازها وطلاسمها؛ لتبقى سرا دفينا في صندوق حكايات لا ينضب معينه ولا يضمحل؛ نرويها لاحقا؛ حين تزورها ونعيش في عوالم سحرها وبهاء الزخرف والألوان فيها.
ولا زال القديم يشدنا؛ لأنه محمل ومكتنز بإبداع حضارات تمازجت وتلاقحت؛ بالأساليب حياة للشعوب اجتمعت؛ حتى أن قطعة من الخشب من الممكن أن تعيد برائحتها وخطوطها المنحوتة إلى أرشيف ذاكرة ذاك الزمان؛ لنستحضر أولئك المبدعين الاوائل من أجدادنا الخالدين؛ لتؤكد أن قطعة الخشب هذه رغم مرور السنين والقرآن تقرأه آلة هذا الزمان؛ بهذه الروح  التي تمثل قوى الإنسان الطبيعية دون أي تدخل الآلة وحدتها وجمودها.

Previous post جذب
Next post صفات الزوج او الزوجة التي تجعلنا نفكر في الطلاق
%d مدونون معجبون بهذه: