”رُب” خالتي عافية

الكاتبة والشاعرة الليبية نعيمة الطاهر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الليلة ليلة ميلود، قالت أمي التي جاءني صوتها في الهاتف محملا بعبق الذكريات وحديث “السبر”، فأمي كانت تحرص كثيرا على ان يكون “رب” الميلود طازة، وكانت لا تحب الرب الصناعي…

سألتني خوخة: شريتي رب للميلود؟ أجبتها ليس بعد يا أمي.. تبادلت انا وست الحبايب التهاني وانتهى الاتصال الهاتفي معها بتشديدها على ضرورة صنع عصيدة الميلود وهي تردد الله لا تقطع لنا عادة.. وضعت سماعة التلفون الأرضي في مكانها وفي نفس اللحظة وجدت نفسي أستحضر تلك الذكريات التي نقشت على جدران ذاكرني.

ليلة الميلود كنا نشعل فيها القناديل التي ياتي بها والدي مع بعض الشموع الملونة.. كانت القناديل لاخوتي الذكور فيما كان يخصنا نحن البنات بـ “خميسة” لكل واحدة فينا.

قناديل إخوتي كانت مصنوعة من قطعة خيش تلتف على قطعة خشب، اما الخميسات فمصنوعة من نوع من الورق عرفناه باسم “الكريشة” ويبدو أنا هذه التسمية جاءت من شكل الورق المكرمش فيبدو له ملمس ذو حبيبات، الوان ورق الكريشة الزاهية كانت تعطي للخميسات منظرا جميلا يزيده جمالا رسم حنة “الخطيفة” التي تطبع على كف الاصابع الخمسة المصنوعة من الخشب فيما توضع في نهاية تجويف كل أصبع منها شمعة ملونة.

ها انا ذي أقفز فرحا وأنا استقبل والدي الذي أحضر بضاعة الميلود، يناولني خميستي التي اوصيته أن تكون ذات لون “بودري” ويلحقها بدربوكة صغيرة الحجم لونها أخضر زاهي وهو يقول مبتسما: ما تنسيش زي العادة إنك تتزعمي الجوقة !.. ينادي إخوتي كل بإسمه ليعطيه قنديله وأختاي الصغيرتان ليناول كل منهما خميسة، فتسارع أختي الكبرى متساءلة: وأنا؟ يجيبها والدي: خلاص إنت كبرتي، إنت طيبي العصيدة غدوة !.. تدخل أمي متفحصة البضاعة وهي تتساءل متعجبة: وين الرب، نسيته؟!.. يجيبها أبي: لا.. لكن ولد عافية قال أمه ما زالت ماكملتش تحضير الرب.. قبل المغرب يكون عندنا إن شاء الله.

تبدأ احتفالاتنا بإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف يإشعال الشموع والقناديل والخميسات، وقتها لم نكن نعرف الألعاب النارية.. تأتي بنات الجيران وقد أحضرت كل واحدة خميستها ودربوكتها فنجلس كلنا في دائرة كبيرة أمام “الحياش” ونبدا في ترديد الأهازيج:

النبي صلوا عليه
صلوات الله عليه
وينال البركات
كل من صلى عليه

وترتفع عقيرتنا عاليا وينضم إلينا الأولاد وهم يحملون قنادلهم المشتعلة ونحن نردد:

اللية ليلة ميلود
حرفة سودة عاليهود
لباسين طواقي سود
حرابين بلا بارود

وتهتز قلوبنا فرحا ونحن نغني:

هذا قنديل وقنديل
يشعل في ظلامات الليل
هذا قنديلك ياحواء
يشعل م المفرب لتوا
هذا قنديلك يا مناني
يشعل بالزيت الغرياني

تنتهي طقوس الاحتفال ويدخل الجميع إلى البيوت ليتناولوا طعام العشاء الذي يكون فاخرا على غير العادة، فالليلة هي ليلة “موسم” يكون فيها العشاء “مقفول” بمعنى ان يكون “رشدة كسكاس” أو رز او كسكسي بالبصلة. بعد تناول وجبة العشاء نتحلق حول كبار العائلة لنستمع إلى قصة المولد النبوي.

قبل ذهابي إلى النوم طلبت مني امي أن أتأكد من وجود “شيشة” الرب التي ارسلتها خالتي عافية، وأن أطمئنها على ان برميل الزيت مازال فيه ما يكفي لوجبة عصيدة صباح الميلود، وإلا فإنه علي ان أستيقظ باكرا للذهاب إلى دار الخزين واستخراج الزيت الغرياني من الخابية الكبيرة، فنحن كتا نخزن منتوجنا السنوي من زيت الزيتون في خوابي كبيرة.

رجعت إلى أمي وأكدت لها وجود ما يكفي من الزيت وأحضرت لها في كوب، قليل من الرب فهي تريد أن تتذوق رب خالتي عافية. اثنت امي على طعم الرب وتمتمت: عطيك الصحة ياخالتي عافية رب زي العادة وفي القدو، هنا برزت شخصيتي المشاكسة وطلبت منها ان تخبرني عن الكيفية التي تصنع بها خالتي عافية الرب، ضحكت وهي تقول: عاد إنتي، مستحيل تنسي طبعك!.

خالتك عافية هذه متخصصة في صناعة الرب، وتحرص كل إمرأة تستعد لأنجاب مولود ان تأي بها إلى بيتها لتصنغ لها الرب الذي سيكون حاضرا لاعداد العصيدة بالرب، فهي الوجبة الأهم في مأدبة ”النفاس“.

تجهز ربة البيت الكمية المطلوبة من التمر الذي تقوم خالتي عافية بتنظيفه وغسله ثم تضعه في قدر كبير على الحطب وتغمره بالماء، تتركه يغلي حتى يصبح قوام السائل غليظا، فتقوم بتصفيته في طنجرة أخرى بواسطة “تستمال” تربطه على فم الطنجرة، وتكرر عمليه طبخ التمر وتصفيته عدة مرات حتى تتاكد من أنه لم يتبق في القدر الا حبات النوى، عندها تقوم خالتي عافية بوضع الطنجرة وبها الرب على بقايا نار الحطب وتتركه لساعات “يلس لسان”، وعند تجربة قوام السائل بوضع قطرات منه في كف يدها وهي الخبيرة في الصنعة، وتوقن انه صار في قوامه المطلوب، تنزله من فوق النار وتتركه حتى يبرد.

ماما ماما.. وينك؟.. كانت إبنتي تهزني من كتفي وهي تضع بين يدي “فازو” الرب وهي تقول: هذا رب معمل ست الحبايب بعتتهولك أبلة عفاف.. تغرنية حرة. اخذت قطرة من الرب ووضعته في كف يدي وتضوقته فانتشر في المكان عطر “صخاب” خالتي عافية !

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_

Previous post أنا وأنت
Next post <strong>سوء المباني وأزمة اللاجئين  ببلجيكا</strong>
%d مدونون معجبون بهذه: