الأحد. نوفمبر 29th, 2020

حمدي رزق

توقفت ملياً أمام المادة الرابعة من الفصل الأول من مشروع قانون «مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين» الذى أعده المستشار محمد عبدالسلام، المستشار التشريعى والقانونى لشيخ الأزهر، وأعلنه الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب فى احتفال ليلة القدر وقدمه إلى رئاسة الجمهورية.

 

المادة الرابعة تنص: «لا يجوز الاحتجاج بحرية الرأى والتعبير أو النقد أو حرية الإعلام أو النشر أو الإبداع للإتيان بأى قول أو عمل ينطوى على ما يخالف أحكام هذا القانون».

عجباً.. المادة تصادر حق المتضرر أن يلجأ إلى القضاء ضد من يتهمونه بالحض على الكراهية، والتهمة كما هو وارد فى مواد القانون مطاطة، وتسمح بالمزايدات باسم الدين، عجباً حتى الاحتجاج بحرية الرأى والتعبير والإبداع يصادرها القانون فى مادة تضع السكين على الرقاب ولا تحسن الذبح.

جميعاً ضد الحض على الكراهية قولاً وفعلاً، والكراهية تفشت كالوباء، وتبادلها المرجفون، وتناولوا العقائد بالفساد على قارعة الفضائيات، وفتنوا الشارع، ولولا لطف الله لكانت فتنة وقودها الناس والحجارة، وعانينا طويلاً ولانزال من ألسنة طالت واستطالت ترمى الأديان بسخام ما ينفثون، وبات محتماً صدور قانون يحمى المجتمعات من الكراهية ما ظهر منها وما بطن.

ولكن كيف سوغ مستشار الإمام الأكبر لشيخه هضم الحريات الفكرية والإبداعية فى قانون ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، ويصادر حتى الاحتجاج بحرية الرأى، وكأنها منكرة، ولا تجوز، ولا تصح، وليست مستقرة فى الأدبيات القانونية التى توفر عليها المستشار درساً وعملاً.

القانون حساس فاحذروه، قانون لا يعتد بالحريات ولا يحتج بها، ويهدر نضال القرون تماماً فى مادة واحدة، ولا سبيل أمام الكاتب أو المبدع أن يحتج بحريته أمام بلاغ يتهمه بما لم يستبطنه سوى الخرس تماماً وليقض القانون أمرا، متهم بالكراهية ولا يحتج كراهة.

الحض على الكراهية جريمة لا تسقط بالتقادم، ولكن قد يسقط فى غيابات جبها مفكر استهدفه مُبلّغ فاشى، وهم كثر، فرأى فى مقال أو كتاب أو برنامج أو فيلم أو لوحة ما يرتأيه الكاره للإبداع، المنغلق على سلفيته الفكرية، أو كراهة لكل ما هو خارج عن الفكر السائد، أو مناهض للفكر كونه فكراً أو للاجتهاد كعبادة إسلامية.

من حق المُبلّغ أن يبلغ، أليس عدلاً أن يحتج المتهم بحريته فكراً وإبداعاً فى مواجهة بلاغ عقور، تعريفات جريمة «الحض على الكراهية» مطاطة وتتسع لنهش الفكرة ولوأد الفكر، مثلا جرح وتعديل الحديث الشريف علم، وهل بعد الحديث الشريف ما يمكن تحصينه من حديث؟

هذه المادة تحتاج إلى مراجعة ضرورية على فقهاء القانون، فالحاجة الماسة لخفض منسوب الكراهية لا تسوغ أبداً مصادرة الحق فى إبداء الرأى وإتيان الإبداع، أعتقدها مادة شريرة فيها ابتداع وتعدٍ على الحريات، وتنزع من المفكرين حقاً أصيلاً، وهو الاحتجاج بحريتهم، حتى الاحتجاج بالحرية أصبح من المحظورات.

دعوا الإبداع حراً، ونحوا جانباً المصادرات المبكرة، ولا تعبروا فوق أعناق المفكرين إلى ما تبغونه، مكافحة الكراهية طريقها «قانون التمييز»، وعبر «مفوضية التمييز» المدنية ليست الدينية وبقانون من المشيخة الأزهرية.

المفكرون يقتاتون الحرية، فلا تصادروها تحت زعم الكراهية الدينية، بالسوابق لا يحض على كراهية الأديان إلا رجال الدين، مكافحة الكراهية ليست مسوغاً لكراهية الحرية، وسنحتج بها دوماً فى مواجهة الكراهية التى يثبتها القانون فى حق المبدعين.

مصدر المصري اليوم