نافالني رمزا لادانة الاستبداد والدولة البوليسية

Read Time:7 Minute, 24 Second

د.لبيب سلطان

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_هناك الكثير مايجمع بين روسيا والعالم العربي، وخصوصا الدول العربية الثلاثة، العراق ومصر وسوريا ،التي تبناها السوفيت وقتها دولا تقدمية ذات تحولات اشتراكية، وهي نظما مارست الاستبداد والقمع والديكتاتوريةونظام القائد الواحد الخالد والحزب القائد ( ومن عارضهم طبعا عملاء للامبريالية).
في روسيا ما ان انهار الاتحاد السوفياتي حتى صعدت موجة الاوليغارخيات التي كانت متنفذة حزبيا واستولت على ممتلكات الدولة ومؤسساتها ومصانعها ومناجمها وثرواتها ( التي كانت تدعى ملك للشعب فاصبحت لقادة حزبه ومتنفذيه) . خلال فترة التسعينات عاشت روسيا فوضى كاملة تحت سطوة المافيات وغياب الدولة وادارة اجهزتها المخابراتية التي كانت تفرض الامن ،تماما كما حدث في العراق وليبيا مثلا من فوضى ، ولكن في روسيا عاد جهاز مخابراتها من جديد ونجح في اقامة نظام يعيد الامن بواسطة جهازها المخابراتي العتيد واصبح رئيسها بوتين رئيس الدولة، وبعد عقد الفوضى ، عاد الامن والنظام من جديد. ان تركة الانظمة الشمولية للمرحلة التي بعدها هي خياران كلاهما مُر. الاول سيطرة الفوضى والعصابات والمافيات الاولغارخية للقيام بالنهب والفساد الحكومي وسيطرة العصابات والمافيات الاولغارخية ( وهو ماحصل في العراق وروسيا مثلا بعد انهيار النظم الشمولية) ، وهو نتيجة لغياب دولة القمع واجهزتها،والثاني هو الرجوع لدولة المخابرات والديكتاتورية البوليسية لضبط الوضع ( وهو ماحصل في روسيا بعودة جهاز المخابرات بعد عقد من الفوضى واصبح بوتين رئيس جهازها رئيسا للدولة ) ، أي الرجوع لنظام القمع والديكتاتورية من جديد، ولكن هذه المرة يكون برضا الناس وترحيبهم لاجل التخلص من الفوضى والانفلات واعادة اركان الدولة ، حتى ولو كانت قمعية ، وفي العراق مثلا ترى امنية كهذه تتعاظم عند الناس وصاروا يطالبون حتى بعودة للحكم الديكتاتوري مقابل الامن والاستقرار وانهاء الاستفلاك الميليشياوي والنهب لموارد الدولة ، انهم طبعا لايحبون الديكتاتورية والقمع ولكنهم يريدون اقامة اركان دولة قوية ، توفر لهم الامن ، حتى لو كانت ديكتاتورية ، للتخلص من المافيات والميليشيات وتفشي الفساد والفوضى والانفلات الامني.
نعم ان نموذج بوتين تمناه الناس في روسيا بعد عقد من الفوضى ،لا حبا بالديكتاتورية ولكن كسبا للامن وارجاع دور الدولة الحامية لهم. وفعلا نجح جهاز بوتين وجهاز المخابرات، الذي لم يمس منذ زمن السوفيت باعادة الامن، وربما نموذج السيسي والاسد في مصر وسوريا مثيلا لبوتين في روسيا ، ويتميز انه اعاد الامن وقوة الدولة الديكتاتورية لبسط الامن، متحالفا مع زمرة الاوليغارخيات النهابة ان لاتتدخل في السياسة ولاتمارس الفوضى وتخضع لارادة القائد. انه خليطا ووصفة لانهاء الفوضى ، ان يكون الحكم للقائد وللمخابرات والعسكر ، لارجاع الامان وسطوة الدولة الديكتاتورية وتطبيع وقنونة عمل الاوليغارخية بما يغني الحكام وحاشيتهم ، وضمان ولائهم بجماية فسادهم ، كل ذلك يجرى برضا الناس للفوز على الاقل بالامان.
هذه خلاصة لاحدى اهم افات النظم الشمولية وما تتركه من ارث سقيم للمرحلة التي تليها، اما انعدام الامن والفوضى ، او القبول بنظم الديكتاتوريات والقمع والحكم بالدولة البوليسية لأعادة الامن ، أي واقعا حلقة مفرغة بين وضعين سيئين. انهما في الواقع ليسا خيارين، كلاهما مر وسيئ، وربما الخيار للناس هنا ايهم اقل سوءا من الاخر، وتفضل كما يبدو الثاني ، القمعي الديكتاتوري مقابل العيش بامان، مضحين بما يسمى الحريات بعد الديكتاتوريات ، حيث تحل الفوضى والانفلات وتحكم المافيات. يمكن التضحية بحريات الرأي والاعلام وتكوين الاحزاب والعيش كمواطنين في دولة تحترم حقوقهم وحرياتهم ومساواتهم، اذا غاب الامن والنظام وتسود مافيات وعصابات.
انها تركة ثقيلة تلك التي تتركها النظم الشمولية على شعوبها بعد انهيارها، فالناس غير مدربة ولا مهيئة اساسا لاقامة نظم حكم ديمقراطية ودولة مؤسسات وطنية (غير متحزبة ) قوية، كونهم حرموا منها لعقود طويلة اولا وثانيا لاتوجد قاعدة تقول ان اطلاق الحريات وحدها ، بعد هذه النظم الشمولية ، تؤدي بالضرورة لاقامة دولا وديمقراطية ، بل عكسه ادت لفوضى اللادولة وبروز مافيات وفساد وعصابات كما رأيناه في روسيا وفي دولنا العربية وهي كثيرة. اني ادعوها كارثتي النظم الشمولية، واحدة اثناء حكمها والاخرى للمرحلة التي تليها.
كانت هذه المقدمة ضرورية لفهم قيام دولة بوتين في روسيا بعد الاتحاد السوفياتي، حيث تم ارجاع دور المخابرات فيها والديكتاتورية وزعامة رئيس دائم ونظام الحزب القائد الواحد( حزب بوتين هو روسيا الموحدة اليوم وكان الحزب الشيوعي السوفياتي ولم يتغير في الدولة غير شكل الايديولوجيا لاقامة صرح القمع والديكتاتورية ، مجرد انها تحولت من ماركسية سوفياتية الى قومية روسية، ولكن شكل وادارة الدولة والمجتمع تقريبا واحدا، كلاهما تديره المخابرات ونظام المركزية والحزب الواحد والخطاب الشعبوي الامبراطوري للتعبئة والقمع ، كان يبرر بأسم مصالح الشغيلة بالأمس عند السوفيت ، واليوم في زمن بوتين يقمع باسم مصالح الامة الروسية العظيمة ، فتحت غطائهما اقيمت الديكتاتوريات وحكم المخابرات ، وهل هناك فرقا باي مقولة تقمع الشعوب وتصادر حرياتها بواسطة الديكتاتوريات ويتم السيطرة على حياتها ، سواء تكون قومية او ماركسية او دينية ، فهي دولا من نمط واحد ، قمعية ديكتاتوري. ، فمن والا الحكم ( من الولاء ) فاز، ومن امتنع نجا ، ومن عارض فله خيارات السجن او التشريد او الاغتيال والتصفية . ان هذه سيرة ثابتة لكل النظم الديكتاتورية مهما كانت عقائدها ماركسية أو دينية او قومية .
استطاع بوتين خلال اقل من أول عقد من حكمه ( واليوم هو في العقد الثالث) اعادة انشاء دولة ديكتاتورية مخابراتية بوليسية بامتياز وصفى الحيز الصغير الذي طالما تمناه الناس في الاتحاد السوفياتي سابقا ان يكون لهم حكما ديمقراطيا واحزاب تتنافس وحرية للصحافة وقنوات تلفزيونية تبث اخبارها بحرية ، حالهم كحال بقية الدول والشعوب الاوربية. وكما اسلفنا، ونتيجة للفوضى في التسعينات بعد انهيار نظامه الشمولي، قبل الشعب وفرح ببوتين، املا باستتباب الامن ، وليس الا قلة منهم وعوا انه ليس الا رجوعا لحكم المخابرات والديكتاتورية ، وهذا ماحصل لاحقا ، حيث تمت تصفية كافة الصحف والقنوات ، وبدأت ملاحقة وتهديد واغتيال الصحفيين والمفكرين الروس ممن طالب بالحرية للرأي والتعددية ( اغلق بوتين جميع القنوات او استحوذ عليها ، ولليوم سجله يشير الى اغتيال 358 صحفيا وناشرا وناشطا مدنيا، عدا الالاف منهم بالسجون ممن تجرأ وطالب بارجاع الحريات والديمقراطية وانهاء التسلط المخابراتي على حياتهم وارجاع روسيا الى نظام الحزب الواحد والديكتاتورية بزعامة حديدية للقائد الاعظم ، بوتين.
كان اليكسي نافالني اخرهم ولكنه كان ابرزهم من حيث مواجهته المباشرة التي ارعبت بوتين ورجاله ومخابراته واجهزة قمعه، كانت المواجهة في الشارع وعلنية بدعوته ” أن قتلوني لاتستسلموا للديكتاتورية” . انه تحداهم علنا، وحاولوا معه كافة الوسائل الكيدية والمفبركة لحكمه وسجنه، بعدما فاز بنسبة 27% من الاصوات عمدة لموسكو عام 2014 وتعاظم شأنه ، فتمت قضية فبركة لحكمه بالسجن وابعاده من الترشيح عام 2018 لمنافسة بوتين ، ثم تم تسميمه بمادة مخابراتية “نوفي شاك ” للقضاء عليه ، وتم انقاذه في اخر لحظات ، ثم سمح بوتين لنقله للعلاج الى برلين ، متصورا ان تشريده واخراجه من روسيا للعلاج من ” نوفي شاك” سيتخلص منه ، “دعه في الخارج يقول مايشاء،فتهمة العمالة للغرب والامبريالية جاهزة لديه” ، المهم ان لايكون بين الناس في روسيا وبين انصاره الناشطين من الشباب ( وصل عددهم 175 الفا وفق مركزه ) ، ولكن نافالني فاجئهم بركوب الطائرة عائدا من برلين بعد علاجه فيها ، مصرحا ” روسيا لي كأمي لن اتركها رغم بوتين واجهزته ” وتم اعتقاله من المطار في فبراير عام 2021 بتهمة انه لم يحضر ليسجل اسمه بالحضور لمركز الشرطة خلال غيابه للعلاج في المانيا لحكم سابق لخمس سنوات مع وقف التنفيذ ( كان خوفا من هبوب الشارع وهي تهمة ملفقة بسرقة احدى الشركات ولكنها في الواقع كانت لنشره وثائق بسرقة احد اتباع بوتين لاربعة مليارات دولار من شركة روسنفت ، ونشره لاربعة قصور ويخت لميدفيديف قيمتها تفوق مليار دولار) . برجوعه تم اصدار ثلاثة احكام وهو في السجن كان اخرها 19 عاما لترؤسه منظمة متطرفة ( مؤسسته لمكافحة وشهر الفساد) ، هكذا سمت سلطات بوتين التهمة الموجهة اليه،ففضحه لفساد الطبقة الاوليغارخية المحيطة به يعتبر تطرفا وارهابا .
لقد تم اغتيال وتصفية نافالني النهائي هذه المرة بشكل بطيئ ، استمر على مدى ثلاثة سنوات وباسلوب مخابراتي سوفياتي معروف قرأناه في الكتب ، حيث وضع خلالها 29 مرة بكامير انفرادية “قفص صغير” لايستطيع النوم او الوقوف فيه، ثم يطلق ليوم او يومين لزنزانة عادية ، ليتم ارجاعه للقفص من جديد ، وهكذا ، لتدميره سايكولوجيا ونفسيا خلال هذه السنوات الثلاث، ولكنه بقي ثابتا ومقداما معروفا بثبات جأشه وابتسامته من خلال الفيديوات التي كانت زوجته تصورها عند زيارته ثم تم منعها . ثم غابت اخباره عن محاميه وعائلته لثلاثة الاشهر الاخيرة العام الماضي، بعدها وجدوه في محجر سوفياتي قديم قرب القطب الشمالي هيكلا عظميا ونقل عن محاميه مقطع فيديو يصرح مبتسما ” سيقتلوني ولكن ارجوكم لا تستسلموا ولا تخضعوا لبوتين والديكتاتورية “.
جاءت سلطات روسيا الديكتاتورية بثلاثة روايات احدها يقول الموت المفاجئ ، واخر من سلطات صحية في مدينة سجنه “لأسباب غير معروفة ” ولم تسلم جثته لأهله لليوم وتقول لامه تم نقلها لموسكو حيث شكلت لجنة طبية تحقيقية ، ولكن هذه السلطات لم تشكل لجنة عندما تم استخدام ” نوفي شاك ” لانهاء احد مواطنيها عام 2020 ، ولو شكلها بوتين لضحك عليه الناس ، فهي مادة لاتباع ولا تتواجد خارج المختبرات للمخابرات السوفياتية والبوتينية، وتأكدت مادة التسميم “نوفي شاك” من شهادة ثلاثة مختبرات سويدية وفرنسية وجيكية ..وتحقيقات اجرتها الحكومة الالمانية ..واكتفت وقتها السلطات اللروسية بالقول ان لاعلم لها من قام بتسميمه. بوتين يعلم جيدا ذلك.
نافالني دخل تاريخ الانسانية كوطني لروسيا وداعية لمجابهة الديكتاتوريات والتسلط والدولة البوليسية. انه ارعب الديكتاتور ومحيطيه واجهزته بصموده ورفضه العيش خارج بلده ، وخاض معركة مشرفة كرواد معارك الحريات لشعوبهم ،وواجه التلسط والقمع والدولة البوليسية ، ورفع لشعبه شعار “لا للاستسلام ولا للخضوع للديكتاتورية”.
اهتز العالم قبل يومين لخبر تصفيته بهذه الطريقة البوتينية المخابراتية البشعة ، وكونه شخصية معروفة للعالم ، فقد اهتز ضمير العالم، ولكن كم هم من امثاله ممن لايعرفهم العالم ، وقعوا ضحايا لنظم الاستبداد والديكتاتورية واجهزتهم المخابراتية..انهم الاف مؤلفة ..ونافالني رمزا لهم جميعا ، وسيبقى شعاره ” لا تستسلموا ولا تخضعوا لهم ” شعارا خالدا، وستخلد ذكراه على مدى التاريخ لدى شعبه ، ولدى كافة الشعوب مناضلا ضد الديكتاتوريات والقمع والتسلط والدولة البوليسية وقائدها العظيم ، قائد الامة ، بوتين و صدام واية الله وامثالهم ، على هذه الارض اللعينة.
المجد لذكرى كل من واجه الديكتاتوريات بشجاعة اينما كانوا، والنصر لقيمهم، قيم الانسانية للعيش بحرية وكرامة انسانية ، من اجلها ضحوا وقدموا حياتهم قرابينا.

الحوار المتمدن

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

Previous post اليمين المتطرف في ألمانيا ـ تدابير وسياسات للحد من المخاطر
Next post انتهاكات إسرائيل في محكمة العدل