في الحاجة إلى الثقافة العلميّة

شكري مبخوت

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ للناظر في مشهد النشر العربيّ أن يلاحظ بيسر الفقر المدقع في الثقافة العلميّة تأليفاً وقراءة ومجلاّت وصحفاً ومواقع إلكترونيّة وكتباً وغيرها من وسائط التبليغ. فكأنّ الثقافة عندنا لم تستوعب الحاجة إلى إطلاع العموم على نتائج الثورات العلميّة الجزئيّة والكبرى التي تسارع إيقاعها فغيّرت من المفاهيم والتصوّرات الراسخة ما يبني صورة جديدة للإنسان الحديث ومصيره.مازال أكثرنا إذا رأى رسوماً وخرائط وجداول وأرقاماً ورموزاً وما إلى ذلك ممّا يجرّد الوقائع ويقدّمها في أشكال وخطاطات رمزيّة أو إحصائيّة هي من صميم التجريد العلميّ ينفر منها ويهملها كأنّها من نافل القول الذي لا يحمل فائدة أو كأنّها من الأقوال الخاصّة الموجّهة لصفوة تدرك ما لا يدركه أغلب الناس.والمفارقة أنّ المدارس العربيّة جميعاً تقدّم مفردات هذه اللغة العلميّة وقد عمّمتها على قطاعات واسعة جدّاً من الشباب عبر العقود من خلال الموادّ العلميّة في مناهجها. لكنّ ظهور هذه اللّغة خارج السياق المدرسيّ يبدو نابياً موجّهاً إلى المختصّين وحدهم.فإذا تركنا جانباً القليل ممّا يكتب للأطفال واليافعين في موسوعات مبسّطة أو بعض الأركان في المجلاّت الموجّهة إليهم فإنّ الكتابات التي تؤلّف مباشرة في العربيّة حول تحوّلات العلوم وقضاياها الكبرى تكاد تكون منعدمة. وهو وضع مفهوم نسبيّاً بحكم أنّ شبكات إنتاج العلم من مخابر بحث ومجلاّت محكّمة وجامعات ومؤتمرات وغيرها لا حضور فيها للغة العربيّة.وللمسألة علاوة على الوجه الحضاريّ المتّصل بمكانة العربيّة في العلم الحديث الذي يُنتج اليوم صلة بخصائص اللغة العلميّة نفسها. فهي لغة رمزيّة اصطناعيّة أحاديّة الدلالة وضعت لنفسها قواعد في كتابتها وقوانين لنحوها وبناء خطابها. وهو ما يجعل اللغة الطبيعيّة التي نستعملها في مخاطباتنا العاديّة أمراً ثانويّاً.بيد أنّ ما نتحدّث عنه لا يتّصل مباشرة بترجمة البحوث في العلوم الصلبة الدقيقة. فلا معنى لترجمة نصّ هو استدلال رياضيّ أو استنباط فيزيائيّ من افتراض ما أو تحليل لنتائج اختبار كيميائيّ وما إلى ذلك من نصوص العلماء. فقراءتها للمختصّين من أهل هذا المجال أو ذاك يسيرة بسبب من لغتها الرمزيّة الكونيّة ذاتها وانتظام المدوّنة التي تنطلق منها بمسلّماتها وفرضيّاتها وإجراءاتها.لكنّنا نتحدّث عن الأعمال التأليفيّة التبسيطيّة التي لا تتوجّه إلى المختصّين في هذا الفرع العلميّ أو ذاك. فترجمة النصوص العلميّة التي تقدّم صورة عمّا بلغته الإنسانيّة من معرفة بأسرار المادّة والحياة والكون والإنسان هي بديل ممكن عن غياب التأليف مباشرة.وبقطع النظر عن الصعوبات الخصوصيّة في هذا الضرب من الترجمات فإنّ ما يعنينا أكثر هو مدى التوفيق في إيجاد هذه المعارف الأساسيّة باللغة العربيّة والعمل على توفيرها لعموم القرّاء العرب ومدى الإقبال عليها والتشجيع على قراءتها.وإذا كنّا لا ننفي وجود محاولات رائدة في هذا الباب من قبيل ترجمة بعض المؤسّسات العلميّة لمجلاّت عالميّة قامت على متابعة الجديد في مجالات العلم المختلفة وترجمة بعض المؤسّسات (مشروع كلمة ومركز الترجمة في مصر وسلسلة عالم المعرفة…إلخ) لهذه النوعيّة من الكتب ترجماتٍ موفّقةً في الأغلب الأعمّ، فإنّ مقروئيتها تبدو لنا محدودة ضعيفة. ولسنا نريد أن نعرض المشاكل التي تعتور هذه الترجمات وما يبدو فيها أحياناً من عجمة تنفّر القارئ المتوسّط منها فهذا أمر متوقّع إذ لا تنهض بنشر الثقافة العلميّة بالعربيّة مثل هذه الأعمال وحدها. فللمسألة وجوه أخرى يضيق عنها هذا المقام. بيد أنّ اللاّفت هو أنّ نشر الثقافة العلميّة لم يصبح بعد هدفاً واضحاً مستقلاً للسياسات الثقافيّة في البلاد العربيّة فلم تهيّأ له بيئة مناسبة ليؤدّي دوره في تنوير العقول والخروج من ثقافة الشعوذة والعقليّة السحريّة والمنقولات التراثيّة ما قبل العلميّة التي أثبت العلم أنّها لا تناسب فهمنا المطلوب للكون حولنا وللحياة بتنوّعها وتعقّدها.فالثابت أنّ معايشة العصر والحداثة لا تكون إلاّ بهذا المكوّن الأساسيّ للثقافة الإنسانيّة الحديثة. إذ الحداثة التي نتغنّى بها أو ننتقدها ونسفّهها لا تخضع لمنطق المدح والذمّ فلا هي ليلى نتغزّل بها ولا هي قبيلة معادية نهجوها. إنّها أوّلا وقبل كلّ شيء موقف فكريّ واستفهام دائم وشكّ مطّرد يرتبط بالعلم وتحوّلاته. ولا معنى لحداثتنا الشعريّة والأدبيّة ووجودنا في بيئة تكنولوجيّة فُرضت علينا فرضاً إذا لم تسايرهما معرفة علميّة تغيّر العقول وأسلوب إدراك الواقع. وعدا هذا سنظلّ مصبّاً لنفايات التكنولوجيا الجديدة التي تباع في أسواقنا دون معرفة السرّ الحقيقيّ الذي جعل سلطانها يبسط علينا ويحاصرنا حتّى لا فكاك لنا منه.  ضفة ثالثة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post المفوضية الأوروبية تصدر تقرير عن علاقات الاتحاد وتونس
Next post ميدفيديف رئيسا للوزراء الروسي من جديد
%d مدونون معجبون بهذه: