السبت. ديسمبر 5th, 2020

الدّكتور ايمن البُوغانمي

شبكة المدار الإعلامية الأوربية …_ تلعب أربع قوى نووية، كوريا الشمالية  و الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين ، دورا مباشرا في تطوّر الأحداث في العالم  سلما واستقرارا. ومنذ سنة 2006، تاريخ إطلاق “بيونغ يانغ ”  تجربتها  النووية مطوّرة قدراتها الباليستية، مهددة الولايات المتحدة، مؤذنة بتغير  توازن المنطقة  الرعب في  المنطقة، سعت  أمريكا طرائق قِدَدا  بمنع كوريا الشمالية من إتمام مشروعها النووي ولكنها فشلت. وسبق السّيف العذل ، لتجد إدارة” اوباما”  نفسها، حين وصلت إلى السلطة ، أمام حقيقة  اكتمال المشروع  الذي انتهى بامتلاك كوريا  لقنبلتها النووية. لينبَري “ترامب” في تطبيق وصيّة خلفِه  بمقارعة الخطر الكوري ولكن بطريقته. فقد شكّل نجاح كوريا الشمالية بتجربة لإطلاق صاروخ طويل المدى في شهر /يوليو- تموز -جويلية 2017 مرحلة حاسمة على طريق تامين هذه القدرة الباليستية،  وتحدي النادي النووي والعُزلة الأمريكية.

 

مقدمة

إن فهم المسالة الكورية الشمالية موضوعيا محفوف بصعوبات جمة. فهي حالة جيوسياسية تفرض التخلي عن النماذج التحليلية العادية في  العلاقات الدولية وفي تقدير توازنات القوة.  فنحن إزاء نظام سياسي شاذّ موروث عن العهد الستاليني وممتزج بالمسارات التوارثية للحكم . كما أن النظام الكوري الشمالي قائم على السرية المطلقة التي تقربه من الطوائف الروحية المغلقة وتجعله عصيّا على أي نمذجة كلاسيكية.  ثم أن قادته لا يهدفون إلى إدماج النظام في المنظومة الدولية بأي شكل من الأشكال. بل أن بقاء النظام قد يكون رهين العزلة التي يعيش فيها. وعليه ، فان الحديث عن حقيقة النظام يقوم أساسا على التخمين. أما تناول التحديات الإقليمية التي تفرضها سياساته ، فانه رهين بحسابات متضاربة تفسر استمرار الأزمة وتجعل من كوريا الشمالية القادح الأرجح لأي صدام نووي محتمل في المستقبل.

1-  النوَوي وغريزة البقاء لدى “بيونغ يانغ”

إن مجهودات نظام “بيونغ يانغ” منصبّة منذ 2006، تاريخ أول تجاربه النووية الناجحة على تطوير قدراته الباليستية من اجل توفير وسائل ناجعة لحمل رؤوس نووية عابرة القارات، وجعلها قادرة على تهديد العدو الأمريكي في عقر داره. وهو الهدف المعلن لنظام أقام كل شرعية وجوده على محاربة الامبريالية الأمريكية باسم المُثل الشيوعية.ولذا فقد شكّل نجاح كوريا الشمالية بتجربة لإطلاق صاروخ طويل المدى في شهر جويلية 2017 مرحلة حاسمة على طريق تامين هذه القدرة الباليستية.  يؤكد المختصون على أن نشاط البحث النووي  الكوري الشمالي قد شهد حركية ملحوظة خلال الفترة الأخيرة لما يشير لاحتمال قيام “بيونغ يانغ” بتجربة نووية جديدة ستكون السائدة منذ 2006. ويندرج ذلك بلا شك في إطار سعيها إلى تقليص حجم قنبلتها النووية ووزنها بما يضمن فعالية التكامل بين قوتها النووية وإشعاعها الباليستي. وهو ما يعني أن الأزمة   الكورية المزمنة قد وصلت بالفعل مرحلة حرجة  في ظل تصميم الإدارة  الأمريكية الحالية على منع “بوينغ يانغ”  في المضي  قدما في تهديدها الأمن القومي الأمريكي. وقد ذهب نائب الرئيس الأمريكي إلى حد غير مسبوق حين لوّح بإمكانية استخدام القوة النووية ضد كوريا الشمالية. ويعود ذلك إلى انتشار الوعي في أن الوسائل الكلاسيكية في التعامل مع هذا الملف قد أثبتت عدم جدواها.

وقد استخدمت الحكومات الأمريكية المتعاقبة جميع الوسائل الديبلوماسية الاقتصادية للضغط على النظام المتمرد ولكن الفشل كان مآلها دائما. ففي خلال فترة التسعينات حاولت ادارة “كلينتون” استخدام المجاعات التي ضربت كوريا الشمالية من اجل إغراء النظام بالعودة إلى صفوف المنظومة الدولية خاصة في ظل نهاية الحرب الباردة. ومن ثمة اعتماد ما يسمى بسياسة الالتزام القائمة على التنازلات المتبادلة. وعلى هذا الاساس قام النظام الكوري الشمالي، مظطرّا، بتعليق نشاطه النووي و الباليستي في مقابل الغذاء والنفط. وذلك في سياق كارثة إنسانية راح ضحيتها أكثر من مليون من مواطنيها. ولكن سرعان ما تراجع النظام بمجرد تحسن الأوضاع الاقتصادية، وتجاوز حالة المجاعة. فقد أعلن انسحابه من اتفاق التعاون مع الغرب ثم أمر مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مغادرة البلاد .وهو ما اجبر واشنطن على رد الفعل لفرض عقوبات عمقت عزلة “بيونغ يانغ”، ولكنها لم تؤثر في جوهر نظام الحكم فيها .

وحين وصلت إدارة “أوباما” وجدت كوريا الشمالية  قد نجحت بالفعل في امتلاك القنبلة النووية. وهو ما اجبرها على اعتماد شكل من اشكال الترقب السلبي من اجل معرفة نوايا النظام، على أمل أن يكتفي باستخدام سلاحه الجديد كورقة للتفاوض الاقتصادي و الديبلوماسي وذلك خاصة بعد موت “كِيم جُون اِيلْ” ووصول ابنهّ” كيم جون اوم” إلى سدة الحكم . ولكن الزعيم الجديد ذا الثلاثين ربيعا آنذاك، لم يكن اقل حدّة من أبيه وجده. بل أن عهده قد شهد مزيدا من الانغلاق خاصة بعد إعدامه لعدد كبير من الشخصيات الأقل تشددا داخل العائلة الحاكمة. ومن أبرزهم عمه الذي قتل عام 2013 على الملإ بالأسلحة المضادة للطائرات. وهو ما يعني أن “كيم جون اون” قد واصل سياسية أبيه الذي لم يكن ينوي مطلقا استخدام القنبلة النووية من اجل المقايضة الاقتصادية كما كان يأمل العقل الاستراتيجي الأمريكي.  والحقيقة أن النظام الكوري الشمالي لا يرغب أصلا في تحسين الظروف الاقتصادية للمواطنين. فسياساته الداخلية قائمة عل اعتماد الفقر وتهديد المجاعة من اجل فرض الانضباط على شعبه. أما على الصعيد الخارجي ،فقد صرح “كيم جون اُون” بنواياه حين سخِر من كل من صدام حسين و القذافي بأنهما قبلا بالتخلي عن أسلحة الدمار الشامل التي كانت بحوزتهما. واعتبر أنهما بإقدامهما على طرح ورقة الردع التي كانت بحوزتهما قد وقعا بمحض إرادتهما على صك موت نظاميهما. وقد تعهدا بعدم ارتكاب نفس  الخطأ، وهو ما يوصلنا إلى الخلاصة الأولى ومفادها تهافت الرأي السائد بجنون “كيم جون اون”  و  عدم انضباط سياساته إلى منطق كلي. ذلك أن هذا القول المنتشر في الإعلام الغربي مرده اعتماد المحللين على الأطر الكلاسيكية التي تعودوا عليها في تحليل السياقات الإستراتيجية. وهو خطا منهجي كبير. النظام الشمالي جاد في عدم اكتراثه بالعزلة المفروضة عليه مادامت لا تؤثر في وجوده كنظام. واعتماد إدارة اوباما على النموذج الإيراني كان خطا فادحا. فعلى عكس طهران ليس ل”بيونغيانغ” أي سياسية إستراتيجية إقليمية يمكن التفاوض عليها. وهو ما يعني انه لن يقبل في أي حال من الأحوال التنازل عن وسائل لردع لديه ، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار ما وصلت إليه هذه الوسائل من تطور نوعي على الصعيدين النووي والباليستي مما يجعل إسقاط النظام أمرا عسيرا وذا تكاليف لا يمكن توقع حدودها.

2-خطر الحرب بالخطأ

لقد كانت وصية “اوباما” لخلفه عند مغادرة البيت الأبيض  أن المسالة الكورية الشمالية ينبغي أن تكون على رأس أولويات سياساته الخارجية. ولا شك أن ترامب قد سمع النصيحة ، ولكن بطريقته. فأراد أن يستخدم أسلوبه الخاص أملا في  حسم هذا الملف. وكعادته لجا إلى اعتماد ما يتقنه من “سياسة المجنون “. وهي تقوم على ضرورة إيهام العدو بإمكانية الإقدام على عمل جنوني لا تحمد عقباه ، وذلك من اجل إرغام هذا العدو على توخي الحذر وتقديم التنازلات. ومثال ذلك تواتر التلميحات باقتراب العدول عن الوسائل التقليدية في التعاون على الملف النووي الكوري الشمالي والتلويح باستخدام القنبلة النووية بشكل استباقي. وفي ذلك انقلاب جوهري في سياسات واشنطن في المنطقة ترجمته الدبلوماسية الأمريكية عمليا من خلال عدم اكتفائها بحضورها العسكري في قاعدتها في الجنوب وبإرسال حاملة طائرات نووية للتمركز  قبالة الشواطئ الكورية. ولكن إدارة “ترامب” سرعان ما أحاطت بحقيقة الموقف الذي تتسم طبيعته بتركيب لم تكن قد استوعبته. فقد  أثارت سياسة التصعيد التي  اعتمدتها  حفيظة الحليفين الياباني والكوري الجنوبي. ف”طوكيو” و”سِيُول” تعلمان أنهما أول من سيدفع الثمن أن خرجت الأزمة عن السيطرة. أما الصين، فإنها قد وعدت بمساعدة واشنطن لأنها تخشى أن تؤدي مبالغة “بيانغ يانغ” في الاستفزاز إلى تعزيز التدخل الأمريكي لما تعتبره مجال تأثيرها الإقليمي. ولكن بيكين سرعان ما أثبتت حدود تأثيرها في القرار الكوري الشمالي فلئن كانت حدودها المشتركة مع  هذا البلد تمثل المتنفس الرئيس لاقتصاد “بيونغ  يانغ”، فان هذه الأخيرة تعلم حاجة بيكين لاستمرار نظام الذي قد يتسبب سقوطه في فوضى عارمة على الحدود الصينية. أما الحل الأمثل والقائم على توحيد شبه الجزيرة الكورية، فانه قد يؤدي إلى اختلال توازنات القوى في المنطقة لغير صالح بيكين. فالصين ترفض  توحيد الكوريتين لأنها لا ترى بعين الرضا أن تجتمع على حدودها الحيوية الاقتصادية لكوريا الجنوبية مع القوة النووية الشمالية.

وليست بيكين وحدها الخاضعة لمنطق التناقض في التعامل مع هذا الملف. فاستمرار الأزمة في  شبه الجزيرة الكورية منذ 1953 ،تاريخ إنهاء الحرب الكورية باتفاق لوقف إطلاق  النار من دون معاهدة سلام حقيقية، لا يعبر عن حسن استخدام “بيونغ يانغ ” بمنطق الردع فحسب ،بل انه يعكس أيضا مصلحة كل القوى الفاعلة في تواصل هذا المسلسل. فكوريا الجنوبية واليابان تعلمان أن حل هذا الملف يعني آليا تراجع الدعم العسكري والاقتصادي الأمريكي. أما واشنطن فإنها تستفيد من الاستفزازات الكورية الشمالية لدعم وجودها العسكري في المنطقة ،ولفرض اختيارتها الجيوسياسية على الصين. ومثال ذلك أن النشاط النووي والبالستي لـ”بيونغ  يانغ”  مكّن واشنطن من كوريا تبرير نشرها لدفاعات مضادة للصواريخ في كوريا الجنوبية. وهو خط دفاعي يقلل بالتأكيد من خطر السلاح النووي الكوري الشمالي، ولكنه يصلح أيضا لتضييق الخناق على بيكين ولتحجيم قوة الردع لديها. ولا شك أن كثرة هذه التناقضات تمثل عامل جمود للقضية. فليس من مصلحة أي طرف السعي إلى فرض تغيير جذري على باقي القوى. ولئن كان هذا يعني استبعاد اندلاع مواجهة منظّمة من خلال منطق استراتيجي عقلاني ،فان لا يقصي نشوب حرب بالخطأ. أي أن تصعد التوتر في المنطقة. قد يؤدي إلى  الأسوأ بمجرد وجود قادح هامشي لا يمكن توقعه أو السّيطرة عليه. ومثال ذلك تاريخا ما حدث في جوان 1914 بعد اغتيال وليّ العهد النمساوي “فرانز فرديناند “. وهو حدث هامشي بالمنطق الاستراتيجي. إذ انه لم يصدر عن أي قوة فاعلة ذات بال آنذاك، ولكنه فرض على كل القوى الإمبراطورية أفعال وردّات أفعال كانت نتيجتها حربا عالمية حصدت أرواح الملايين .وما يزيد الأمر خطورة تزامن   إدراك النشاط النووي الباليستي في كوريا الشمالية مرحلة النضج مع وصول “دونالد ترامب” إلى الحكم في واشنطن. فتقلُّب خطابه السياسي وتذبذب قراراته الإستراتيجية قد ادخل الارتباك على سياسات باقي الفاعلين. وعلى سبيل المثال،  تطرح كلّ من كوريا الجنوبية واليابان احتمال الدخول في سباق على التسلح مع “بوينغ يانغ” ، وذلك بعد تلميح واشنطن لإمكانية تقليص حمايتها لحلفائها أن هم لم يتحملوا مسؤوليتهم في تقاسم الأعباء المالية  بشكل عادل مع الولايات المتحدة. ثم أن خطاب “ترامب” حول كوريا الشمالية مشحون برغبة متشنجة في حسم الملف مهما كان الثمن . وهو ما قد يفهم في لحظة  ما في أوساط نظام الحكم في كوريا الشمالية على انه إعلان حرب. أي أن “سياسة  المجنون” التي صنعت نجاحات “ترامب” السياسية إلى حد الآن قد تتعرض لاختبار حقيقي أن هي تسببت في زيادة توتير الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية.

خاتمة

لا نبالغ أن نقول أن الأزمة الكورية تحيل على وضع جيوسياسي شبيه بما قبل الحرب العالمية الأولى . إذ تتركز فيها مجموعة من التناقضات المتفجرة التي لا تنتظر إلا شرارة من اجل أن تطلق سلسلة من الأفعال وردات الأفعال التي تؤدي من خلال منطق تراجيدي إلى الكارثة. وإذا أضفنا أن أربع قوى نووية، على أقلّ تقدير  تلعب دورا مباشرا ومؤثرا في تطور الأحداث ،هي كوريا الشمالية والولايات المتحدة  والصين وروسيا فانا نفهم أن إزاء قضية عالمية بامتياز.

مركز الدّراسات الإستراتيجية والدبلوماسية csds