هكذا انهارت “دولة” داعش

الباحث شبل الهاشمي، متخصص في مكافحة الارهاب والتنظيمات المتطرفة5
المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

دراسة ميدانية

شبكة المدار الإعلامية الأوربية …_ أجلاً أو في القريب منه، ستنتهي فصول قصة دموية أطلق عليها في يوم ما (دولة الخلافة) بدأت بعد أن أطلقها تنظيم “داعش” وأعلن عاصمتها الرقة السورية في العام 2014، وأمر كهذا ليس في باب التنبوء، بل هو مبني على معطيات أخذة بالتراكم في الواقع الممتد مابين العراق وسوريا، حيث يواجه تنظيم (داعش) ودولته هجمات، تجاوزت ما درج التحالف الدولي على القيام به من هجمات جوية إلى حرب برية عاصفة بدأت في الموصل:

وهاهي تتواصل نحو الرقة حيث سقط مقاتلو الأخير بين قتيل ومعتقل، فيما فر من تمكن منهم نحو مكان ما في دولة الخلافة الداعشية أو إلى خارجها.

ليس حصار مواقع (داعش) والقتال البري إضافة إلى القصف الجوي الأسباب الوحيدة التي أدت إلى انهيار هذا التنظيم الإرهابي فهنالك أسباب أخرى لم يكن كل من تابع هذا الكيان الدخيل ينظر إليها :

فما حصل عليه التنظيم من موارد مادية وبشرية فاق من حيث الإمكانات دول ومنظمات فلم يكن احد ممن تابع تلك التنظيمات يتوقع ان يحصد التنظيم خسائر كتلك التي حصدها داعش رغم ما حصل عليه من موارد بشرية ومادية إضافة إلى المساحة الكبيرة التي سيطر عليها والتي قاربت في مجملها مساحة دول عظمى فهل يعقل أن تذهب كل تلك الإمكانات مهب الريح في فترة زمنية قصيرة كتلك التي أنهت التنظيم :

وهل أن ما قام به التحالف الدولي من حملة فاقت تلك التي واجه بها تنظيم القاعدة نفس تلك القوات في أفغانستان والعراق أم أن عوامل اللعبة الدولية قد اختلفت كل تلك التساؤلات لم نجد لها أجوبة حقيقية رغم ما كتب وقيل في أسباب الانهيار على الأقل لحد الآن :

ولهذا ومن اجل معرفة ما حصل كان لا بد من حمل كل تلك التساؤلات والذهاب بها إلى الضفة الأخرى ضفة لم أجد لها في قاموس الحياة من مصطلح سوى (ضفة الظلام) فساكنيها ومرتاديها ممن يروق لهم أن يطلق عليهم (بأهل الحل والعقد) فهم اعلم بخباياها من أي شخص آخر بل و أجدر منا على بيان الأسباب التي جعلت من هذا التنظيم الذي أرعب العالم لسنوات عدة ينهار في أشهر قليلة :

كل ما طرح من أسباب أعطت الوجه الآخر لعوامل الانهيار من وجهة نظر ساكني تلك الضفة فعلى الرغم من إيمانهم بصحة المنهج والطريق إلا أنهم يجمعون أن الذي حصل كان نتيجة لعدة عوامل داخلية وخارجية فالكل يعرف العوامل الخارجية إلا أن اغلب من درس سلوكيات الجماعات المتطرفة وسبر أغوار فكرهم التكفريري لم يجد في تلك الأسباب ما يمكن به أن يغنيه عن السؤال ولعل ما أشار إليه بعض من سكن في الضفاف المظلمة من أسباب نجد فيه ما يبحث عنه اغلبنا نجملها ببعض النقاط وهي :

.1 انعدام القيادة الميدانية وإلغاء مبدأ الشورى في اتخاذ القرار

إذ يجمع اغلب من استطاع أن ينتصر على نفسه من منظري الفكر الجهادي أن ينتقد تنظيم داعش ويذهب إلى أن السبب الرئيسي في انهيار التنظيم هو غياب مبدأ الشورى في اتخاذ القرارات ولأسباب عدة فمنهم من ارجع ذلك إلى الاحتياطات الأمنية التي اتخذها التنظيم في مواجهة الحملة العالمية في استهداف قيادات الخط الأول فيه. ومنهم من أعادها إلى سطوة الفكر المخابراتي على قادة التنظيم فهم في مجملهم كانوا ضباط في أجهزة المخابرات والجيش المنحل وبالتالي لم يستطيع اغلب قادة التنظيم الميدانيين من اتخاذ القرار السليم في غياب الشورى بسبب سيطرة هؤلاء القادة على جميع مفاصل وتفاصيل إدارة التنظيم مما خلق حالة من الخوف في اتخاذ القرارات الميدانية بين القيادات الأدنى.وهذا ما اثر في اتخاذ القرار الاستراتيجي وجعل منه امراً صعباً ومنوطاً باجتهادات شخصية و ارتجالية دون دراسة انعكاسات تلك القرارات كما عرض كثير من متخذيها إلى المحاسبة كان من بينها قرار مطالبة زعيم التنظيم الإرهابي أبو بكر البغدادي لقائد جبهة النصرة في حينه أبو محمد الجولاني فك ارتباطه بتنظيم القاعدة والعودة إلى مبايعة داعش.

يذهب معظم من أيد وناصر هذا التنظيم أن هذا القرار لم يكن موفقا نتيجة للتحديات الكثيرة التي كان تنظيم داعش يواجهها مما ساهم في شق صف الكثير من قادته فمنهم من ذهب إلى تأييد الجولاني والأخر قد وافق رأيه مع ما ذهب إليه البغدادي رغم ما أشيع من أن القرار قد صدر بناءا على توصية من مجلس الشور.

  1. عدم وضوح رؤية إستراتيجية للعمل الجهادي

فانعدام الهدف وعدم وجود غاية شرعية أدى بالتنظيم إلى الدخول في معارك جانبية مع تنظيمات جهادية أخرى فاختيار داعش إقامة ما سماها بالدولة الإسلامية كهدف شرعي واجب الإقامة في ظل ظروف ومعطيات لم تكن مهيئة لذلك أدى إلى تراجع الكثير ممن امنو به عن تأييدهم له نتيجة لما أدركوه في أن ما يصبو له قادة التنظيم لم يكن سوى الحصول على السلطة والمال في إقامتهم لدولتهم المزعومة إضافة إلى المعارك الفقهية مع العديد من تلك الفصائل فالقاتل هنا والمقتول كما يقولون هو من رصيد الحركة الجهادية .

  1. ضياع مفتاح الصراع لكسب الأمة

عمل داعش ومنذ نشأته وحتى يومنا هذا على طرح مفتاح ذو لون واحد كالعقائد والولاء والبراء والأحكام في محاولته لكسب من اعتقد بأنهم أساس دولته المزعومة فكان اعتماد التنظيم على استراتيجية مغلقة اعتمد في مجملها على الآية القرآنية (من لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون) لتكون هي أساس دعوته لعامة الشباب ونسى ان للمجتمع طوائف ومستويات فكرية لم تكن قادرة عل فهم ما جاء به بعض الدعاة فالمستمع إلى المحاضرات الفكرية لكل من ( أبوعلاء العفري اوتركي البنعلي او الشنقيطي) يدرك جيدا محدودية ما يطرح فيه من أفكار لا تمس واقع المجتمع إضافة إلى أن طرح الأبحاث الفكرية والعقائدية الصعبة التي لا يفهمها عامة الأمة غير مجدية لتحويل التيار الجهادي الذي ساد وبقوة بعد الغزو السوفيتي لأفغانستان إلى تيار شعبي قادر على إسناد تجربته .

  1. أسلوب الخطاب

يوصف الخطاب الفكري لداعش خاصة بعد سيطرته على مدن عدة في سوريا والعراق وتلك المساحة من الحرية التي مكنته من الإفصاح عن خطابهم الحقيقي بعيداً عن التزويقات الإعلامية بأنه فوقي في طرح الفكر العقائدي دون المساس بمشاكل الناس اليومية كما يفتقر إلى الرحمة والليونة ويمتاز بالقسوة فأصبح تياراً معزول عن الناس تم فيه إقصاء الأمة وجعل من خطابهم هو الدستور السائد وبذلك أصبح خطابا نخبويا يخاطب فئة قليلة وغير قادر على إقناع البقية ممن وقعوا تحت سلطته.

التزمت والتنطع والتشديد في الدين أصبحت وسيله من وسائل التعبير عن الالتزام الديني مما انعكس على كل مفاصل الحياة والابتعاد عن العامة في فهم السلوك الشرعي وساهم في انتشار روح الأممية في القيادة فأصبحت إستراتيجيته في القيادة ترتكز على قيادة اسود لخراف وحصر السلطة بيد عدد قليل من الأشخاص وهذا أدى إلى انعدام مبدأ الشورى الحقيقي تحت اسم السرية وعدم معرفة الشباب لذلك ظهر جيل غير قادر على تحمل المسؤولية الشرعية يؤمر فيطيع حتى وان كانت تلك الأوامر غير مطابقة للأحكام الشرعية .

  1. غياب العلماء عن التنظيم

بعد اتساع المساحة التي سيطر فيها التنظيم على مقدرات هائلة وزيادة عدد العناصر المنتمية بين صفوف التنظيم ليصل عددهم وفق إحصائيات عالمية إلى أكثر من 45 الف مقاتل قدموا من 100 دولة كان من المهم تطوير المستوى الفكري لعناصره .

وهذا أمر يصعب تحقيقه مع انعدام وجود قيادة شرعية قادرة على إيجاد الأساس الشرعي الصحيح لكثير من الأحكام الشرعية مما اثر في تحسين وتعزيز مستوى التربية العبادية والسلوكية لعناصره و عزز من حالة الغلو لدى أفراده بل وصل الأمر إلى قياداتهم وشيوخهم أيضًا في تكفير المسلمين و تساهل في إطلاق ألفاظ الردة.

والحكم بالتالي بجواز قتال و استباحة دماء وأموال من خالف أفكارهم وهذا مخالف لمنهج علماء أهل السنة وطريقة السلف الصالح فحقيقية الخلاف في الغالب لا تقع في أصول المسائل أو ما يمكن تسميته بوصف الفعل، فكثيرًا ما يقع الاتفاق في أصول المسائل، ولا يُختلف على وصف بعض الأفعال بالكفر، كالحكم بشرائع الطواغيت، والرضا بالمذاهب الكفرية الشركية ، وموالاة الكافرين على المسلمين في حربهم للدين.

لكن يبقى الخلاف في حكم الفاعل لا حكم الفعل، وأعني بذلك الحكم على المعين بوصف الكفر، بما يقتضيه من توافر الشروط وانتفاء الموانع من جهل وتأول وإكراه وخطأ ونحوها وهذه النقطة هي التي وقع فيها الخلل والشطط والغلو عند بعض أفراد التنظيم ففارقوا طريقة أئمة أهل السنة ومنهجهم في الحكم على المعينين وفق الضوابط والقواعد الشرعية.

ويمكننا أن نعزو هذا الغلو في التكفير والتساهل في الحكم بالردة إلى أسباب أبرزها عدم وجود ارتباط وثيق بين عناصر التنظيم وقياداته من جهة وبين المقدمين من أهل العلم من جهة أخرى.

وقد أدى وجود هذه الفجوة إلى خروج جملة من المواقف والتصرفات التي تفتقد إلى عمق علمي وتأصيل شرعي و حيث إن مسائل الحكم على المعين، وتحقيق مناط الأحكام وإقامة الحجة من الأمور التي لا ينبغي أن يرجع الأمر فيها إلى طلاب العلم .

وإنما للراسخين فيه من العلماء العاملين وفق الضوابط والقواعد الشرعية لذلك فقد ذهب اغلب علماء السلفية الجهادية إلى الطعن بتصرفات وأحكام من قاد التنظيم فالشيخ (عبد الله السعد) احد أشهر علماء السعودية يذهب إلى أن داعش قد وقعت في الكثير من المخالفات الشرعية منها عدم قبولها بالتحاكم إلى محكمة شرعية مستقلة لفض النزاعات و وقوعهم في التكفير بغير حقوحكمهم بالردة على من لا يستحق ذلك وإنما بالشبهة .

هذه التطورات أدت بهم هذا إلى استباحة دماء بعض من حكموا عليهم بذلك ، إضافة إلى أن تصرفاتهم التي يشار إليها ببُعدهم عن العلم وتخبطهم وعدم تبصرهم .
فيما ذهب (أبو بصير الطرطوسي) إلى أن داعش الباغية الغالية الضالة جماعة دموية تملك مشروع اقتتال داخلي مع مجاهدي ومسلمي أهل الشام ماهرة في افتعال الفتن فيما بين المسلمين مستغلة شعار ” الدولة الإسلامية “؛ ككلمة حق يُراد بها باطل فإن لم تمسك جماعة الدولة المسماة بـ ” داعش “ عن بغيها وظلمها وعدوانها ..وتكف أذاها وشرها عن الشام وأهل ومجاهدي الشام، وتُصغي إلى خطاب النقل والعقل الذي وجهه إليها بعض العقلاء والفضلاء، فإنه يجب شرعاً على جميع مجاهدي أهل الشام قتالهم ورد عدوانهم .

  1. انخفاض مستوى العلم السياسي عند القيادات بصورة عامة

المقصد الأعم من السياسة الشرعية المحافظة على المصالح القائمة وتكميلها وإزالة المفاسد الموجودة بالكلية أو تقليلها، وتحصيل ما يمكن تحصيله من المصالح المرجوة وتكثيرها ودفع ما يمكن دفعه من المفاسد المتوقعة، وذلك في مسائل الدين والدنيا جميعاً.

اذن فالسياسة الشرعية هي: تحقيق الحاكم الذي يسوس أمر الأمة للمصلحة التي تعود على الأفراد والجماعات، وذلك بتطبيق أحكام استنبطت بواسطة أسس سليمة أقرتها الشريعة مثل: المصالح المرسلة وسد الذرائع والاستحسان، والعرف والاستصحاب،والإباحة الأصلية.فإن الأمر البارز في السياسة الشرعية في كل زمان ومكان تحقيق المصلحة العامة للأمة في ظل الشريعة الإسلامية.

وهكذا نرى انه بالإضافة إلى الضعف الذي امتاز به فقه الواقع لدى قيادات التنظيم نرى افتقار معسكراتهم التي أقاموها إلى العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كل ذلك أدى إلى شيوع الجهل العام وانخفاض مستوى الوعي السياسي لدى القيادات والقواعد،نتيجة العزلة التي فرضها التنظيم وبالتالي عدم فهم هؤلاء لقرارات القيادة و اقتصار التدريب في تلك المعسكرات والدورات التدريبية على التدريب العسكري دون التربية الشرعية والسياسية وبالتالي انخفاض في مستوى الإدارة وإدارة الهياكل رغم ما أشيع عن قدرة التنظيم في إدارة الولايات .لذلك نخلص إلى انه وفي مجمل العوامل التي ذكرت أن انهيار التنظيم جاء نتيجة لوجود خلل داخل البنية التكوينية له لم يستطع تجاوزها رغم ما حضي به من إمكانات مادية وبشرية لم يستطع أي تنظيم سلفي جهادي أن يحصل عليها طوال السنوات السابقة إضافة إلى أن من قاد هذا الكيان لم يتمتعوا بالقدر الكافي من المؤهلات التي تمكنهم من قيادة مجتمع عرف عنه تمتعه بالثقافة الفكرية الراسخة وعدم انصياعه وتقبله لما يمليه عليه مستحدثي العلم إضافة إلى كل ما ذكر فان الخلافات المستمرة بين قادة وعناصر التنظيم الأجانب من جهة والقيادات المحلية من جهة أخرى قد ساهم في تعزيز تلك الانقسامات و الخلافات فلكل جهة منها حجة وبرهان على أحقيتها في الامتيازات والقيادة .

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

3 thoughts on “هكذا انهارت “دولة” داعش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Previous post قصة لجوء سوري تتحول للعبة فيديو يعيش أجواءها الأوروبيون
Next post المقاتلون الأجانب…العودة إلى أوروبا بوثائق سفر مزورة
%d مدونون معجبون بهذه: