الجغرافيا السياسية للإرهاب

علي راست بين

شبكة المدار الإعلامية الأوربية …_إن ظاهرة الإرهاب ليست ظاهرة جديدة، بل هي ظاهرة شائعة في جميع المجتمعات وجميع العصور ولكنها تعززت اليوم بفعل العولمة التي منحتها جميع الأدوات التكنولوجية اللازمة لانتشارها.منذ أول عمليات خطف الطائرات من قبل مسلحين فلسطينيين إلى غاية هجمات 11 سبتمبر عام 2001، يشار إلى العالم العربي والإسلامي كالمصدر الرئيسي للإرهاب المعاصر.إن العودة إلى الإسلام الراديكالي هي ظاهرة حديثة تمتد من إندونيسيا إلى الشيشان. و لكن، إذا كان الإسلام المتطرف له وجوه متنوعة في مختلف البلدان، فإنه مع ذلك ولد في أعوام السبعينات كنتيجة لليأس من فشل التنمية للجميع، لأن الإسلام المتطرف ليس فقط رد فعل ضد تحديث المجتمعات الإسلامية، بل هو أيضا نتاج هذه الحداثة مع كل إخفاقاتها .

شهدت منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة سلسلة من الأحداث التي غيرت النظام الإقليمي: الثورة الإيرانية عام 1979 والأزمة الاقتصادية للبلدان العربية  ما بين 1982-1986 و القضية المعلقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين و تجزئة النظام الإقليمي العربي وإضعاف شرعية الأنظمة وسحق المجتمع المدني من قبل الدول وتفاقم التبادل غير المتكافئ بين العالم العربي والدول الصناعية.

هكذا تطور الإسلام التطرفي في فترة كانت تسودها خيبة أمل ليظهر كملاذ أخير وكبحث هاجسي عن الهوية وكميول إلى إحالة كل عمل إلى تاريخ أصيل. حيث يذكّر أشد مؤيديه المتعصبين التطرف الفوضوي للقرن الماضي في أوروبا.

ويتفاقم هذا النوع من الإرهاب بسبب الفقر والبطالة والظلم خاصة و انه على المستوى الثقافي، تميل هذه العولمة إلى فرض الثقافة الغربية وتهميش الثقافات التقليدية الأخرى، مما أدى ذلك إلى الإحساس بحالة من الذل التي تساهم في تفشي التطرف الذي لا يجد أي وسيلة أخرى للطعن غير العنف و الإرهاب.

وعلاوة على ذلك، فإن فشل البشتون من ضباط جيش القوات الباكستانية للسيطرة على الوضع في أفغانستان وكشمير و السياسة الخارجية الأميركية التي تخلت عن جماعات المرتزقة من الإسلاميين من أعوام التسعينات في أفغانستان المتهم باستمرار باستخدام الأصوليين المسلمين لأغراض إستراتيجية لتشغيل إسقاط العديد من التحالفات عندما يسود هاجس واحد هو الحرب من أجل النفط.

تتهم هذه السياسة  باحتقار المسلمين و ذلك بتشكيل وتجهيز ودعم القوة الاقتصادية والإستراتيجية لدولة إسرائيل.

طبيعة بعض الدول العربية  حيث أن الفكر المتطرف الذي يستمد مصدره من التنوع المفاهيمي لمختلف المجتمعات الإسلامية من جهة و من جهة أخرى، علاقات الولاء بين الحكام العرب المستبدين والغرب على حساب الدفاع عن مصالح شعوبها.

السياسة الخارجية لبعض الدول العربية مثل العربية السعودية غير القادرة على السيطرة على التطرف السنّي الذي تشجعه منذ أعوام الثمانينات.

أصبحت السياسة في دولة قطر واحدة من قواعد الحركات الإرهابية المتطرفة و هي تتنافس اليوم مع العربية السعودية في تصدير التطرف.

في الواقع، قطر و العربية السعودية قد مولت ودعمت بشكل كبير تسليح المتطرفين في سوريا، مما مهد الطريق لظهور داعش. دعم كل منهما حركة طالبان الأفغانية، بتقديم الدعم للإرهابيين المتطرفين،  ساهمت في تحول ليبيا إلى دولة في حالة إخفاق و فشل.

وهكذا لعبت كل هذه الدول على الساحر المتدرب، بدعم جماعات متطرفة تحولت ضدهم في نهاية المطاف.

وبعبارة أخرى، إذا تم تشغيل بن لادن من قبل الولايات المتحدة و حليفها السعودي لهزم الاتحاد السوفيتي، انه في نهاية المطاف “انقلب ضد رعاته،” بهدف إثارة تمزق تاريخي بين العالم الإسلامي والغرب.

دفعت كل هذه التغيرات إلى ميلاد جماعات متطرفة مثل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وبلاد المغرب الإسلامي و في مالي والجزائر وبوكو حرام في النيجر  وحركة الشباب في الصومال وحركة طالبان في أفغانستان وباكستان، وأنصار الشريعة في ليبيا وتونس، و الجماعة الإسلامية في اندونيسيا و أبو سياف في الفلبين، وأنصار الدين في مالي، أنصار بيت المقدس في مصر، وأخيرا  داعش في العراق وسوريا.على عكس غيرها من الجماعات الإرهابية التي ترى الغرب كعدو للإسلام والمسلمين، يسعى داعش إلى إخضاع جميع الشخصيات وجميع الدول الإسلامية و غير الإسلامية في العالم إلى الخلافة التي نصبها لنفسه.

وعلاوة على ذلك يتحدى داعش الحدود الراسخة، و يحدد مناطق محددة تسمح له ببسط سيطرته وتعزيز دعمه المالي واللوجستيكي. وهكذا في العراق وسوريا، وبالاستفادة من الفوضى القائمة،  تمكن من أن ي حقق تقدما ملحوظا.

ثم، بفضل كفاءته في استغلال الشبكات الاجتماعية، تمكن داعش من تحدي معظم دول العالم. وهو مجهز بالدبابات و الطائرات والصواريخ. ويحمل ثمانية آبار النفط  ومصارف واستطاع مؤخرا من أن يضع أيديه على 40 كيلوغراما من اليورانيوم المسروق من جامعة الموصل كما تمكن من تشكيل حكومة لا يتردّد أمام أي شكل من أشكال العنف في وجه أي معارض لأيديولوجيته.

و أمام هذا الخطر المفاجئ الذي يهدد التوازن في العالم اليوم، فإن الولايات المتحدة تحاول اليوم إنشاء تحالف من أكثر من 40 بلدا ضد داعش.

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أنه إذا كانت الولايات المتحدة بارعة في خلق و تسيير التحالفات، فان الدول العربية هي بارعة في الانخراط  في التحالفات والمشاركة في المعارك التي يقودها آخرين، ولا تخدم مصلحة العرب. وحتى اليوم، انضموا إلى تحالف شكلته الولايات المتحدة لمحاربة جماعة كانت هي التي تدعمها في الأصل.

و من ما سبق، فإن الغرب، أو على الأقل أوروبا يجب أن توقف الدهماوية وامتداد الحركة السلفية في العالم.

الدفاع عن حقوق الإنسان الأساسية يجب أن يأخذ طابع عالمي، لكي لا يكون هناك فرق بين الرجل الغربي و الرجل المسلم.

ينبغي للبلدان الإسلامية تنظيم المؤتمرات العلمية والندوات والرحلات ، و توعية الهياكل الثقافية للمجتمع المدني والمدارس والجامعات والمساجد والجمعيات حول خطر التطرف، بحيث يتمكن علماء المذاهب المختلفة من مناقشة أفكار أصولية وان تؤكد وجهة نظر للإسلام المعاصر وفقا لحقوق الإنسان وحقوق المواطنين والحريات الديمقراطية.

و في هذا المجال، يمكن لبلدان مثل إيران والمغرب وماليزيا أخذ زمام المبادرة.

يجب أن يتخلى الغرب والعالم الإسلامي عن نظرية صراع الحضارات و نظرية نهاية تاريخ الغرب، لتتلفت إلى الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان على نحو يمكنها من التعرف أفضل على أساساتها وخلافاتها لقبول وتسهيل العيش معا بشكل أفضل. يجب على الغرب الانتقال إلى الرغبة في الحوار والتعاون..

وأخيرا، فلا بد على شعوب المنطقة الاستمرار في النضال لكسب الحريات السياسية في الاحترام التام لحقوق الإنسان من أجل اختيار سياسات الاسترخاء في العالم وفي المنطقة والحد من تصاعد الاشتباكات بين التيارات الدينية المختلفة.خلاف ذلك، يكمن في المستقبل القريب، أن نشهد صراعات دينية، مع ما يصاحبها من مجازر مروعة.

arabic.academiedegeopolitiquedeparis

Previous post نيدرلاند بدل هولندا مع بداية 2020
Next post محاولات لإنهاء انتهاكات الصالات الرياضية في بلجيكا
%d مدونون معجبون بهذه: