خطاب الرئيس الأمريكي : إعلان عن ولادة حرب باردة مع إيران

اسماعيل شاكر الرفاعي

شبكة المدار الإعلامية الأوربية …_ خطاب الرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي ألقاه يوم ٨ ـ ١ ، قصيدة غزل كتبها شاعر نصف نائم أو نصف مخدر ، إذ تضمن الخطاب عرضاً ( مستحيلاً ) عرضه على إيران بأن تكون إمبراطورية ، شرط أن تتخلى عن حلمها في امتلاك قنبلة نووية ….لا يريد الرئيس الأمريكي ، أو لا يريد المنطق الرأسمالي ، أو بالأحرى لا يريد منطق الطغمة المالية الحاكمة أن يفهم منطق الأقليات القومية والدينية ، وكيفية اشتغال عقلها السياسي الساعي دائماً لحماية الذات من تكرر حدوث المجازر التاريخية التي حلت بها من الأكثريات العرقية والدينية : اضطهاد الأكثرية السنية للأقلية الشيعية على مدى ١٠٠٠ عام ، واضطهاد الأكثرية العربية للأقلية الكردية والأمازيغية ومختلف الأقليات الإفريقية ، واضطهاد الأكثرية المسلمة للأقلية الإيزدية وباقي الأقليات الدينية …كما لا يريد هذا المنطق أن يفهم بأن التنافس الرأسمالي ( الذي يهمه تكثير الأرباح على مستوى المشروع ، والفوز في الانتخابات على مستوى المنافسة السياسية : دون أن يعير كبير اهتمام للوسائل التي يتحقق بها الربح والفوز ) قد حفز ذكرى هذه المجازر وكساها ثوب الحياة ، وجعل منها مادة قابلة للانبعاث من جديد ، وان تكون قادرة على توليد العصبية وعلى التحشيد لها .
وقد وفرت الرأسمالية لهذا الانبعاث قاعدته المادية ، حين غزت في أوقات مختلفة العالم الثالث الذي لم يكن أمامه من وسيلة مثلى في المقاومة سوى موروثه الديني والطائفي والتقني البسيط ، ولكن الاستعمار الرأسمالي تمكن من اختراق طبقاته التقليدية والتحالف مع بعض الفئات الاجتماعية التي دربها على أساليب الإدارة ، ومكنها من الحكم ، فأصبحت إدارة الشأن العام علماً من اختصاص الاقلية دائماً ، أما الأكثرية فظلت كما كانت في السابق : سواعد لإنتاج الثروات وأصواتاً لإنتاج حكم الأقليات . وظلت هذه المجتمعات تعتمد في إدارة شأنها العام اقتصادياً وتكنولوجياً على المستعمر الرأسمالي حتى وهي ترفع شعار التحرر من الفترة الاستعمارية . يمكن تسمية هـذا النوع من المجتمعات : بمجتمعات الفقر والعازة : الفقر إلى علوم المستعمر الرأسمالي ، والحاجة إلى منتجاته …لكن أثبتت الأحداث التاريخية اللاحقة لفترة الثورة الصناعية وانطلاق الحداثة على أجنحة التكنولوجيا : أن الحداثة الرأسمالية قصرت وستقصر عن حل مشكلة التفاوت الطبقي ، كونها الأساس الاجتماعي لاضطهاد الأقليات الدينية والطبقية . إضافة إلى قصورها البارز في حل مشكلة البيئة والانبعاث الحراري التي ستحول الأرض إلى جهنم حقيقية .
لقد ساعدت برجوازية القرنين التاسع عشر والعشرين على تشخيص وجود مشكلة الاضطهاد الديني والقومي والطبقي ، ولكنها لم تقو على حلها : إلا إذا قررت الرأسمالية العالمية التخلي عن جوهر نشاطها الباحث عن الأرباح وتكثيرها : وهي لا تهتم بالوسيلة التي تحقق لها نوع وكمية الأرباح حتى لو تحولت البشرية إلى عبيد لدى قلة من المالكين . لقد نظرت إلى هذه المشكلة كما لو كانت تكتشف أثراً من الآثار التاريخية التي يجب أن تحافظ على وجودها ، كما يفعل علم الآثار .
إذاً الطغمة المالية الحاكمة في أمريكا وهي تلقي بالكرة في الملعب الإيراني : لا تريد البحث عن جذور المشكلة : لماذا إيران تبحث لها عن درع نووي يحميها من المحيط العدائي السني الذي تسبح في فلكه ؟ الم تشجع السعودية وتدعم مالياً الباكستان في الحصول على السلاح النووي تحت التهديد الهندي المستمر فتحقق نوعاً من توازن الرعب الذي منع الاتحاد السوفيتي وأمريكا من المغامرة بحرب نووية .لو أدرك الرئيس الأمريكي جذور الرغبة العارمة في امتلاك السلاح النووي من قبل إيران ، وقبلها كوريا الشمالية ، وقبلهما الباكستان لبَحثَ مع فريق عمله عن حل آخر أكثر واقعية ، وابعد ما يكون عن الاملاءات البيروقراطية وعنجهية القوة ، ولأشرك في الحل جميع القوى التي تأثرت بالصراع بشكل مباشر والتي ستتأثر به كالعراق ودول الجزيرة والخليج وسوريا واليمن ولبنان ، لكن خطاب الرئيس الأمريكي موجه إلى النظام السياسي الإيراني ، وهو في رأيي يتضمن عرضاً يفوق في نتائجه التاريخية ما تضمنه الاتفاق النووي عام ٢٠١٥ بين إيران من جانب وإدارة اوباما مع بعض الدول الأوربية من جانب آخر .رفع َ اوباما في اتفاقيته النووية مع الإيرانيين : يدَ الإيرانيين ـ بموافقتهم ـ عن العمل على تطوير قوتهم النووية لزمن محدود ثم يأذن لهم بعد ذلك باستئنافه . وهذا الاتفاق لم يتم على حساب حرية شعوب المنطقة ، فلم يعترف اوباما في الاتفاقية بإطلاق يد إيران للعمل على هواها في شرق المتوسط . كان اتفاقه مع إيران فنياً أكثر منه سياسياً . لكن خطاب ترمب كان سياسياً أكثر منه فنياً . لقد افتتح خطابه بالقول : انه طالما وجد في السلطة فانه لا يسمح لإيران بامتلاك السلاح النووي . وهذا قرار سياسي . والرئيس الأمريكي يدرك ان قراره السياسي هذا لا يتمكن من تنفيذه إلا في مناخ سياسي ملائم وذلك بالقضاء على كل جذور المشاكل : وأهمها مشكلة علاقة الاكثريات بالأقليات وما نتج عنه من ظلم وعسف وعنف . ولكن الرئيس الأمريكي لم يلتفت لهذا المعنى في خطابه بل استمر في التلميح للإيرانيين : انه بالإمكان الوصول إلى حل : لان امريكا لم تعد تأبه كما في السابق للشرق الأوسط . كان الشرق الأوسط كما أوحى ذلك خطاب ترمب مهماً لأمريكا ولحلفائها لاحتوائه على نسبة عالية من احتياطي الطاقة : ولم تعد لهذه الطاقة الأهمية نفسها التي كانت عليها عام ١٩٤٥ يوم تم الاتفاق بين رئيس أمريكا وملك العربية السعودية على توريد العربية السعودية الثابت للنفط إلى أمريكا مقابل حماية أمريكا للعائلة المالكة ولنظامها السياسي . تلك الأهمية التي كان عليها شرق المتوسط لم تعد هي نفسها الآن بعد أن حققت أمريكا اكتفائها الذاتي من إنتاج النفط والغاز وارتفعت إلى المرتبة الأولى في تصديرهما عالمياً .لا مصلحة اقتصادية في بقاء أمريكا تراوح في وحل شرق المتوسط ، وهذا هو السبب الذي دفع ترامب لان يسحب الكثير من الجنود الأمريكان من سوريا والعراق : وان يفسح في المجال إمام الروس والأتراك للعمل في سوريا وكذلك في العراق ، وهو على استعداد كامل للعمل مع إيران وإفساح المجال أمامها شرط أن تضمن عدم الاعتداء على حلفاء أمريكا : العرب وكذلك إسرائيل…ولأن لا جواب واضح لدى الطرفين حول هذه الأسئلة التي تشغلهما ، بالإمكان القول إن خطاب ترامب أرخ لميلاد الحرب الباردة بين أمريكا وإيران ، بما تتضمنه الحرب الباردة من عدم وقوع حروب نووية أو مواجهات ضخمة بين جيوش الطرفين التقليدية ؟ مع ملاحظة أن الحرب الباردة بين عملاقي النصف الثاني من القرن العشرين شملت الكرة الأرضية ، أما الحرب الباردة بين أمريكا وإيران فإنها تجري على منطقة محدودة : هي شرق البحر المتوسط …ستوضح لنا الأيام : صدق إيران في توقها الشديد لامتلاك السلاح النووي لحماية نفسها وحماية الأقليات الشيعية التي تدور في فلكها ، وترفض التنازل عن طموحها في امتلاك السلاح النووي ، أم أن أمريكا المتمرسة بالحرب الباردة كنوع من حروب الاحتواء ستورط إيران وستتعبها كما أتعبت الاتحاد السوفيتي السابق في سباق تسلح لا حدود له . ستغري أمريكا إيران بالإعلان عن طموحاتها الإمبراطورية خاصة في الدول العربية الأربع التي أعلنها قاسم سليماني قبل سنين قليلة بأنها تدور في الفلك الإيراني وأنها مناطق نفوذ للسلطة السياسية الإيرانية . فهل ستتمكن إيران من تحقيق حلمها الإمبراطوري وهي تخوض صراع تسلح سيتم على حساب قوت فقراء إيران …ستضطر إيران إذا ما دخلت في هـا النوع من الصراع مع أمريكا إلى أن تتورط وتورط عملائها بنقل الكثير من واردات الدول التي ( تدور في فلكها ) إلى المركز الإمبراطوري في طهران كما فعلت الإمبراطوريات في التاريخ ، أم أن إيران ستضطر ـ كما اضطر صدام حسين إلى غزو الكويت ـ إلى توجيه صواريخها إلى شرق العربية السعودية لتحريك تنظيماتها السرية وخلاياها النائمة ، ودعوة عملائها إلى الاستيلاء على آبار النفط ومحطات تحلية المياه هناك ؟ …

الحوار المتمدن

Previous post تحركاً صينياً ممنهجاً لزعزعة حقوق الإنسان
Next post انخفاض سعر البنزين في بلجيكا
%d مدونون معجبون بهذه: