روما خسرت في ليبيا

مأمون خلف

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_على عجالة، عاد وزير الخارجية الإيطالي الشاب لويجي دي مايو، الزعيم السياسي لحركة خمس نجوم، من زيارة إلى ليبيا التقى فيها رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج في طرابلس، والضابط العسكري خليفة حفتر قائد الجيش؛ الذي يسميه الوطني الليبي في مدينة طبرق، وما إن حطت طائرته على مهبط المطار في مدينة روما؛ حتى أعلن في مؤتمر صحفي على أرضية المدرج، في مساء باردٍ وعاصفٍ أن «إيطاليا قد تكون خسرت مكانتها في ليبيا، وربما دورها كذلك»، لتجد روما نفسها عاصمةً، بلا وزن سياسي في خِضم صراعٍ يخوضه العديد من الأطراف في ليبيا؛ إذ ليس لها من السلطة ولا التحالفات ما يمكِّنها من فرض احترامها على الجميع؛ خصوصًا أنَّ حرب الوكالة هذه تدور على أرضٍ، كان لها فيها وضع تاريخيٌ مميزٌ.لم يمر وقتٌ طويلٌ حتى تمكنت روما من امتصاص الصدمة، ولتخرج أصوات هنا وهناك تطالب بفعل شيء على عجل قبل فوات الأوان؛ لذا فقد خرج وزير الخارجية للتصريح مرّةً أخرى بأن «الوقت قد حان لتأخذ إيطاليا زمام الأمور مرة أخرى»، ويشدد على أنه لا «حل عسكري» في ليبيا، وللبت في ذلك؛ فقد أعلنت روما أنها ستستضيف الطرفين الليبيين المتصارعين في بحر الأسبوع القادم؛ لإيجاد مخرج من هذه الأزمة. لكن يبقى السؤال المهم هو: إلى أي مدى حقيقة استطاعة إيطاليا فرض رؤيتها على الوضع الليبي داخليًّا، وتحييد الفاعلين الخارجيين؟ ثم ما الذي ستخسره روما من الوضع الجديد؛ الذي قد ينتج من ذلك؟ رافقنا في هذا التقرير لنتعرف إلى الرؤية الإيطالية للوضع الحالي في ليبيا.

نهج روما الفريد.. انتظر وراقب حتى تخسر كلَّ شيء

أدرك وزير الخارجية الإيطالي بُعيد زيارته الأخيرة إلى ليبيا، أن بلاده خارج صورة جيوسياسية فسيفسائية معقدة، قد تشكلت في الجوار أثناء انشغالها بصرعات الأطراف السياسية فيها؛ ليصرّح أن بلاده ربمّا لم يعد لها ذلك الوضع التاريخي في ليبيا؛ بل الأخطر أنه شكك في قدرة بلاده على استعادة الملف الليبي؛ الذي عالجته في العشرين عامًا الأخيرة فقط من زاوية الحد من الهجرة، ومن زاوية الحرب على الإرهاب.ولم تسعَ إيطاليا حقيقةً منذ سقوط نظام القذافي تحديدًا، للحضور في الشأن الليبي وقيادته إلى انتقال ديمقراطي سلس، أو الفشل وهي تحاول ذلك على الأقل؛ بل اكتفت سياستها الخارجية في الشأن الليبي بالتركيز على تأمين مناطق عمل شركاتها العملاقة، والحصول على امتيازات التنقيب عن النفط والغاز، والدفع للميليشيات، والقبائل على الحدود الجنوبية مقابل كبح جماح تدفق المهاجرين، ومحاولة إبقاء الوضع ثابتًا على ما هو عليه من تقسيم للبلاد طالما لا يؤثر فيها؛ بل يخدم مصالحها الآنية.لذا انتقد الكاتب والخبير في السياسة الخارجية الإيطالية الباحث أليساندرو أورسيني سياسة بلاده «قاصرة النظر» في ليبيا ومنطقة حوض المتوسط عمومًا؛ والتي أدت إلى تراجع مكانتها خلال العقدين الفائتين، ورأى أن بلاده، كانت ستخسر كل شيء في ليبيا لولا التدخل التركي الأخير الذي أربك حسابات الجميع هناك، بما فيهم إيطاليا، وأجَّل حسم المعركة؛ ما يعني بقاء الوضع القائم على حاله في فرصة لروما لالتقاط الأنفاس، وكسب الوقت للتحرك السريع قبل عقد مؤتمر برلين في يناير (كانون الثاني) القادم. لكن هل يكفي روما سياسة عقد المؤتمرات الدولية، واللقاءات الثنائية، والمطالبة بالتهدئة لتجنب خروجها من المشهد برمتّه، فضلًا عن قدرتها على استعادة الملف الليبي وقيادته؟ يشكك أورسيني في قدرة التحرك الناعم لبلاده على احتواء الموقف في الوقت الذي يقوم فيه آخرون هناك بخطوات عملية؛ إذ يشير إلى أنه بالرغم من امتعاض الحكومة الإيطالية من الاتفاق الليبي التركي؛ فإنه لم يخالف الأعراف والقوانين الدولية؛ فقبل أعوام قليلة، يقول الكاتب، استعان نظام بشار الأسد رسميًّا بالروس والإيرانيين عام 2015م؛ لمواجهة مَن أسماهم بـ«المتطرفين المقاتلين الأجانب» في بلاده، عندما كان نظامه على وشك الانهيار، وقبل ذلك استعان النظام الكويتي عام 1990م، بالأمريكان لصد الغزو العراقي بعد أن خسروا دولتهم؛ فما الذي يمنع حكومة السرّاج، المعترف بها أمميًّا، من طلب العون العسكري من تركيا بشكل قانوني، في الوقت الذي تأخرت فيه إيطاليا عن فعل أي شيء هناك بالرغم من استنجاد السرّاج بوزير الداخلية السابق ماتيو سالفيني في يونيو (حزيران) الماضي دون أن يتلقى أي مساعدة.هكذا تنبه الإيطاليون أن العديد من اللاعبين الدوليين قد تسللوا إلى حديقتهم الخلفية في ليبيا، ليس دون أن يشعروا، بل على مرأى من أعينهم وكسلهم السياسي، حتى باتوا مهددين، ليس فقط بخسارة ليبيا سياسيًّا، لكن حتى على مستوى الامتيازات والثروات الطبيعية. لكن كيف دفعت روما هذا الثمن الباهظ في ليبيا، وربما في حوض البحر الأبيض المتوسط بتبنيها سياسة «انتظر وراقب» الكسولة هذه، حتى سحب البساط من تحتها دون أن تتنبه لذلك؟

Sasapost

Previous post حمام سباحة خاص للمسلمات في مدينة فرانكفورت الألمانية
Next post حول تجديد رخصة القيادة في بلجيكا
%d مدونون معجبون بهذه: