صفوح صادق شاعر فلسطيني
لمّا خرجتُ من اسمي،
كان الرملُ يتبعني كطفلٍ مذعور،
يجرّ أذيالَ البيوت التي تُركت خلف الأسوار،
ويضع على كتفيّ
ظلَّ بابٍ لم يُغلق جيّدًا.في الطريق إلى المنفى
كانت السماءُ منخفضةً بما يكفي
كي ألمسَ خوفها،
وكان القطارُ يمضي بلا نوافذ،
كأنّه يخشى أن يرى
وجوهَ الذين لم يصلوا.حقائبي؟
حفنةُ ترابٍ من حقلٍ
لم يعد يعرف اسمي،
ومفتاحُ بابٍ
صار يفتح الهواء فقط،
وصورةٌ لامرأةٍ
كانت ترفعني من الغياب
كما تُرفع شجرةٌ من جذورها.يقولون إن الزمنَ يرمّم الخراب،
لكنّي رأيتُه
يمرّ على القرى كريحٍ متعبة،
يجرّحُ حجارةَ البيوت،
ويتركُ في أفواه الأطفال
طعمَ الطريق الطويل.ما زلتُ أبحث عن أرضٍ
لا تتساقط من يديّ،
عن رملٍ
لا يضحك حين أقول له:
عدنا.وما زال في فمي
ذلك الطعمُ الحارّ،
كأنّ 48
لم تكن سنةً،
بل فمًا مفتوحًا
ابتلعَ نصفَ روحي
وترك النصف الآخر
معلّقًا على صافرته.
في الليل،
حين يهدأ صراخُ الجهات،
أسمعُ خطواتٍ تمشي فوق صدري،
خطواتِ الذين عبروا الطريق قبلي
وتركوا أسماءهم معلّقةً
على أسلاكٍ صدئة
لا تعرف إن كانت حدودًا
أم جروحًا طويلة.أحيانًا
أشعر أنّني آخرُ من يحمل هذا الرمل،
آخرُ من يعرف
أن البيوت لا تُهدم بالحجارة،
بل تُهدم حين ينسى أهلُها
شكلَ الضوء على عتباتها.في المنفى
يتعلّم المرءُ أن يربّي الغياب،
أن يسقيه كل صباح،
أن يضع له وسادةً قرب النافذة،
وأن يعتذر منه
لأن العودة
ليست قرارًا شخصيًا
بل مزاجًا للسماء.رأيتُ أطفالًا
يولدون بلا خرائط،
يحملون في جيوبهم
مفاتيحَ لا تفتح شيئًا،
ويضحكون
كأنّ الضحكَ طريقةٌ
لتهريب الوطن من الذاكرة.ورأيتُ رجالًا
يضعون أسماء قراهم
في جيوب قمصانهم،
يلمسونها كلما مرّت ريحٌ
تشبه ريحَ 48،
كأنّ الذاكرة
بابٌ يُفتح من الداخل فقط.أمّا أنا،
فما زلتُ أبحث عن ظلّي،
فقد تركته هناك،
قرب شجرةٍ
كانت تعرف عدد أنفاسي،
وترفع أغصانها
كلما مرّ طفلٌ
يحمل في يده
حفنةَ ترابٍ
تشبهني.وما زال الرملُ
يعلّم فمي
أن يقول الحقيقة بلا خوف:
إنّ الأرض التي تُؤخذ بالقوة
تعودُ بالقلب،
وإنّ الغياب
ليس نهايةً،
بل بدايةٌ
لمَن يعرف كيف يمشي
فوق ذاكرةٍ
لم تُطفئها الريح.
والآن،
بعد أن مشيتُ نصفَ العمر فوق خرائطٍ لا تعترف بي،
وبعد أن صرتُ أعرف
أن الطريقَ إلى الوطن
ليس خطًا مستقيمًا،
بل جرحًا يلتفّ حول القلب،
أقول للرمل:
خذني كما أنا،
لا كما كنتُ.خذني
بيدي التي تعلّمت أن تحمل الغياب،
وبعينيّ اللتين رأتا القرى
تُطوى مثل أوراقٍ قديمة،
وبصوتي
الذي لم يعد يخاف أن يقول:
إنّ العودة ليست وعدًا،
بل حقٌّ
لا يموت.وحين أصلُ،
إن وصلتُ،
سأضع مفتاحي على بابٍ
لم يبقَ منه سوى الهواء،
وأقول للريح:
لقد تأخرتِ كثيرًا،
لكنّي ما زلتُ هنا،
وما زال الرملُ
يعرف اسمي.
—
كنتُ صغيرًا
حين خرجتُ من بيتي،
صغيرًا بما يكفي
لأظنّ أن الطريق لعبة،
وأنّ الجنود
مجرد رجالٍ يبحثون عن ظلّهم.في يدي
كانت حفنةُ ترابٍ
أخذتها من تحت شجرة التوت،
قلتُ لأمي:
سأعيدها حين نرجع،
فضحكتْ…
ضحكةً تشبه بكاءً
لم يجد مكانًا يسقط فيه.في الطريق
رأيتُ القرى تُطفأ،
مثل مصابيحَ
نسيَ الليلُ أن يشعلها،
ورأيتُ رجالًا
يحملون مفاتيحَ
أكبر من جيوبهم،
ونساءً
يخبّئن أسماء أطفالهن
في أطراف أثوابهن
كي لا تضيع.كنتُ أسأل أبي:
لماذا نمشي؟
فيقول:
لأن الأرضَ ضاقت بنا،
ولأن السماء
لم تتعلّم بعد
كيف تحمي أبناءها.في المنفى
كبرتُ بسرعة،
كبرتُ لأن الرملَ
كان يعلّمني
أن البيت ليس جدرانًا،
بل ذاكرةٌ
لا تُمحى مهما ابتعدت.واليوم،
حين أفتح يدي،
أجد حفنة التراب
ما زالت هناك،
لم تكبر،
لم تهرم،
لم تتعلّم الهجرة.أقول لها:
انتظريني قليلًا،
سأعيدكِ إلى شجرة التوت،
إلى الباب الذي صار هواءً،
إلى الأرض التي
لم تتوقف يومًا
عن مناداتي.
ا
