حسن محمد عبداللطيف
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_من يكتب تاريخ الإبادة؟
فلا يناقش الكاتب عبدالكريم مسعود هنا فاشية غراتسياني أو جدران العقيلة والبريقة فحسب، بل يناقش الفاشية الثقافية الداخلية التى تمارسها النخب حين يخرج من بينها عمل تأسيسي كبير. يرى مسعود أن امتلاك التاريخ ليس شعارات وطنية نرددها فى المناسبات، بل هو بنية معرفية تراكمية؛ حيث يبني الباحث فوق جهد من سبقه، ويتقبل المجتمع النقد كأداة للبناء لا وسيلة للاغتيال المعنوي أو التمترس خلف الجغرافيا والقبيلة.
من هنا، نسج مسعود خيوط مرافعة فكرية وثقافية بالغة العمق والجرأة، محركا المياه الراكدة فى النقد العربي المعاصر، ومستندا إلى العمل الموسوعي والعميق للبروفيسور على عبد اللطيف أحميدة فى كتابه التأسيسي الإبادة الجماعية فى ليبيا: تاريخ استعماري مخفي. ويقدم هذا المقال قراءة تركيبية تجمع بين أطروحة أحميدة التاريخية ورؤية مسعود النقدية، لتفكيك آلة الإبادة الاستعمارية من جهة، ومواجهة أزمتنا الداخلية فى التعامل مع المعرفة من جهة أخرى.
خريطة الإبادة الممتدة.. من العقيلة إلى غزة، لم تكن الإبادة الجماعية التى مارسها الاستعمار الفاشي الإيطالي فى ليبيا بين عامي 1929 و1934 مجرد حدث عابر فى التاريخ، بل كانت، كما يبرهن البروفيسور على أحميدة، المختبر الأول الذى صيغت فيه أدوات المحو البشري التي انتقلت لاحقا إلى أوروبا والعالم. يمد أحميدة جسرا معرفيا ونفسيا يربط بين معتقلات الصحراء الليبية وبين ما يحدث اليوم فى قطاع غزة، مبينا أن العقلية الاستعمارية الاستيطانية واحدة، وتعتمد على ثلاث ركائز بنيوية:
أولا، سياسة التطويق والإفناء العضوي: إن حشر مئة وعشرة آلاف ليبي خلف الأسلاك الشائكة فى معتقلات العقيلة والبريقة وتركهم للموت جوعا ومرضا، يتطابق بنيويا مع الحصار الشامل المفروض على غزة المعاصرة، حيث يحرم الإنسان من شروط الحياة الأساسية كالماء والدواء والغذاء كأداة قتل صامتة وممنهجة.
ثانيا، محو الذاكرة والأرض: الاستعمار لا يقتل الجسد فقط، بل يقتلع الهوية؛ فمثلما صودرت الأراضي الليبية تاريخيا لمنحها للمستوطنين الإيطاليين وجرى محو أسماء القرى، تمارس اليوم فى غزة عمليات تهجير قسري وتدمير كامل للمعالم التاريخية والثقافية لإعادة صياغة جغرافيا المكان ومحو آثاره الأصلية.
ثالثا، العمى الأخلاقي الغربى: يفضح أحميدة الصمت الأكاديمي والسياسي الدولي؛ فالغرب الذى غض الطرف عن إبادة نصف سكان برقة فى القرن العشرين تحت لافتة تمدين السكان الأصليين، هو نفسه الغرب الذى يبرر اليوم أو يتغافل عن سحق غزة تحت غطاء الشعارات السياسية والدبلوماسية المنحازة.
هنا يتجلى دور الكاتب عبد الكريم مسعود، الذى لم يقف عند حدود البكاء على أطلال الضحايا، بل التفت بجرأة شجاعة إلى الداخل الثقافي والفكري. يرى مسعود أن كتاب أحميدة وضع أمام النخبة مرآة مكاشفة؛ فبدلا من أن تتحول هذة الأطروحة العالمية إلى نقطة انطلاق لبناء حقل فكري عربى متخصص فى دراسات الإبادة، انشغل البعض بشخصنة الخلاف، والتمترس وراء حسابات القبيلة والجغرافيا الضيقة والعلاقات الشخصية لتسخيف الجهد المعرفي وجحده.
ويطرح مسعود فى مقالاته سياقا نقديا بديعا حول مفهوم أمتلاك التاريخ، مؤكدا أن امتلاك الماضي لا يعني اجتراره سياسيا لصراعات الحاضر أو اكتفاء برفع الشعارات وحفظ الأسماء فى المناسبات الوطنية، بل يعني بالدرجة الأولى تراكم الجهد المعرفي عبر الاعتراف بفضل من سبق والبناء فوق علمه، بدلا من محاولة إعدامه اجتماعيا لمجرد الخصومة. كما ينتقد بمرارة كيف أن العقل العربى لا يزال يمنح شهادة الأجنبي والمستشرق سلطة مطلقة، بينما يستكثر الاعتراف بفضل إبن ودان الذى نبش الأرشيف وإستعاد الذاكرة الوطنية من يد المستعمر بكفاءة واقتدار.
إن التقاطعات الفكرية العميقة بين أحميدة ومسعود تفتح الباب على مصراعيه أمام صياغة وعي عربى جديد ومقاوم. فالتحرر من الاستعمار لا ينتهي أبدا برحيل الدبابة أو الجندي الأجنبي؛ إذ إن ظلال المستعمر وآثاره النفسية والمعرفية تظل حية في الطريقة التى ننظر بها إلى أنفسنا وفى تقييمنا لإنتاجنا المحلي.
تتكامل الرؤيتان لتقولا لنا إن مواجهة الإبادة المستمرة فى غزة، والوفاء لدماء الشهداء فى معتقلات ليبيا التاريخية، يبدآن بالضرورة من تأسيس حقل معرفي وقانوني وتاريخي عربي متكامل؛ حقل جامع لا يرى فى التاريخ مجرد قصص للمواساة والبكاء، بل سلاحا حيا ونظريا لإنتاج المعرفة، ومساءلة القوى الاستعمارية، وانتزاع حق الضحايا الكامل فى الذاكرة والعدالة أمام العالم.
وفى ختام هذة القراءة التركيبية، لا يسعنا إلا أن نرفع قبعات الاحترام والتقدير والامتنان لهذا القلم الأكاديمي الشامخ، والبروفيسور الشريف الرائع الجميل الشفاف على عبد اللطيف أحميدة. إن الجهد الموسوعي والمضني الذى بذله في نبش الأرشيف المخفي، ومواجهة السرديات الاستعمارية الكبرى، لم يكن مجرد إنجاز بحثي جاف، بل كان نبضا إنسانيا صادقا يعيد الروح لرفات الأجداد فى معتقلات الصحراء، ويمنح الأجيال المعاصرة فى غزة وفلسطين سلاح المعرفة والحق التاريخي.
شكرا للدكتور على أحميدة، الذى علمنا بشفافيته المعهودة وعمقه الفكري أن التاريخ ليس ترفا، بل هو مرآة للتحرر، والخطوة الأولى نحو استعادة الذات وامتلاك المستقبل.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_
