الإثنين، 21 سبتمبر 2026
بروكسل · أمستردام · لوكسمبورغ
من قلب أوروبا

رئيس التحرير: هشام عوكل

كتاب المدار
أحمد عمر
بقلم أحمد عمر كتّاب المدار

الشيخ والفنّانة: “داعس” والغبراء

0 0
Read Time:6 Minute, 19 Second

أحمد عمر

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_قولا واحدا: إنَّ أطول حرب عربية، طالت أكثر من البسوس وداحس والغبراء، هي الحرب بين الشيخ والفنان.

إنَّ المرء ليعجب من ترحيب القيادة السورية الجديدة بأصالة، ترحيباً لم يرّحَب به سوري مغترب من قبل، وتوصف الحكومة من لدن خصومها بأنها إخوانية وأحد عشرية (داعشية)، وأقلُّ الأوصاف إيلاماً وجرحاً وتعديلاً قولهم إنها انتقالية ومؤقتة. وقد غار الشيوخ والعلماء غيرة شديدة من أصالة التي حضر حفلتها أربعة وزراء وخامسهم وزير سابق، وهي غيرة دنيا، لا غيرة آخرة؛ لأنَّ مباذل وفتناً ظهرت في مطارب ومطارح أخرى، لم تثر لها غيرة العلماء والشيوخ الأفاضل. وكانت لمطربين صغار، ليس لهم شهرة أصالة، فهو صراع بين الفن والدين، وهو على السيادة وملكية الفضاء العام، والفنُّ دين الحكومات العلمانية، وحكومتنا لا تكذب لكنها تتجمل بالأصباغ والدهون والسمنة والعسل. الفن دين الدنيا، والدين فنُّ الآخرة، فهما قطبان، وفي الديانات البرية هما دين واحد؛ الفن هو الدين والدين هو الفن.

لنحمد الله أن اسمها أصالة (ويا مجنون، مش هي ليلى)، ومش نانسي أو إليسا. وقد قذف الجمهور إليسا بالشماخ الفلسطيني حتى تتشح به، فردت بضاعتهم إليهم ردّاً سريعاً، كأنه تهمة أو عار. فإليسا ليست مناضلة وتحبُّ دينها، هكذا قالت، كأنها تقول إنَّ فلسطين قضية دينية، وليست وطنية أو عربية أو عالمية، وهي “عايشة لك أحلى سنين”، وليس لفلسطين. وليس المنتصرون للحق الفلسطيني مسلمين كلهم، فمعظم الذين يناصرون فلسطين ليسوا من أهل ملّة الإسلام، بل إنَّ بعضهم من أشدِّ الناس تعصباً لأديانهم، وهم من أحفاد الإغريق واليهود. فلا بد للإنسان من قضية يدافع عنها، وفلسطين هي قضية الساعة وميزان الحق.

ويمكن للمطرب أن يذكر القضية بلسانه أو بحنجرته الذهبية، فيصبح من أعظم المناضلين والمدافعين عن الثغور، وكذلك فعلت أصالة، فسبقت، أما المقاتل فلا تشفع له جروحه ولا روحه، فموازين الدنيا غير عادلة.

كما أنَّ أصالة ثائرة، وهذا نادر في المطربين، وقد قالت: لو كان بشار الأسد أبي لعارضته، فذهب قولها مثلاً. وقالت لمذيع قابلها أن العلم السوري “علم الثورة علم فرنسي”، فقالت ما معناه: علم رفعه الثوار فتطهر، وهي تعيش رغد العيش، ولم تشكها شوكة، لكن السوريون قدروها، أو كذلك فعل معظمهم، وأغانيها خالية من تعتعة: “أخاصمك آه”، وسكرة: “يا طبطب ودلع”.

غنّت: “ارفع راسك فوق، إنتي سوري حر”، وهي أنشودة أحمد القسيم، لكن أحمد القسيم ذكر وليس الذكر كالأنثى، وكذلك “إز كفوكم ليلي”، أي أنا حمامة بالكردية، فهي تغني بجميع اللهجات السورية ولغاتها. أصالة ساقت السياسة في الأغنية.

وقد عاب الرحباني زياد، مفتي الديار الطربية في سائر المشرق، صوت “الكفوكه” القوي. وشبهت مطربة منافسة صوتها بالزميرة، لكنها مشهورة، وهي حسنة الصوت، يشطر الخبز بقوته، أو إنها هذّبت صوتها وحسّنته وغسلته وقصّت براثنه، والشهرة تاج على رؤوس المغمورين، يراه المغمورون والمشاهير.

وقد غرّد مستشار الرئيس السوري، الذي قضى بعضاً من عمره في أفغانستان، على الغضن في منصة إكس، ورحّب بها ترحيب الملوك، وأهداها وزير الثقافة طبقاً غير فضائي، غير طبق الكرامة، بل صعد إلى المنصة ليأخذ صورة معها فليست بحاجة للصور، وزُيّنت الشوارع لها بلوحات الترحيب، ولم يبلغ الأمر بهم أن ينكّروا لها عرشها. قال بعض خطباء الجمعة في سوريا ما معناه: نحن الذين نكّرنا عرشنا من أجل مطربة لم تقدم سوى أغنية مسروقة.

قال مراسل أفغانستان السابق ومستشار الرئاسة: “ستظل أصالة رمزاً من رموز الفن السوري الأصيل، الفن الملتحم مع شعبه. ظلت أمينة على وديعة الشهداء حتى لحظة الانتصار، أغانيها الأربع عشرة الأخيرة لكل محافظات سوريا ستبقى مدماكاً من مداميك سوريا الموحدة الجديدة.. شكراً أصالة وشكراً لمن يخلد رموز المقاومين للأسد”.

وقد تعجّبتُ من ذكر الوديعة، أكثر من عجبي من صفات مثل “الملتحم” الذي يحيل إلى الملاحم. وكنت أعرف وديعة رابين، وكانت خدعة، وكنت أظن أنَّ الذين حافظوا على الوديعة هم شهداء الثورة السورية وطلقاء المعتقلات المكلومون الذين يطرقون الأبواب، سائلين مساعدة مرضيّة أو ماليّة. بل وصفها بأنها مدماك، فذكرني بقول عبد الوهاب: “مدماك” جفاك مرقده، والمدماك أسّ البناء.

وقد قال فيلسوف مجهول: إنَّ الفنَّ هو الرِجل الرابعة لكرسي السلطة. وتحول الفنُّ إلى دين، والفنُّ والدين خصمان في بلادنا. وحربهما أطول من البسوس وداحس والغبراء، خذ مثال تركي الشيخ، والإمام المخلص للنساء والإرهاب عادل إمام، إمام العصر والنكتة والفحولة والكباب. وقد رأينا شيوخاً مثل التونسي عبد الفتاح مورو يقدّم فقرات في الفنِّ، ويلبس القبّعة ويرقص في الأعراس، وشيخاً شهيراً من شيوخ الحرم المكي يلعب البوكر كما في أفلام الكاوبوي! أما أغنيات فيروز التي اقتبست ألحانها للابتهالات الدينية، فكثيرة.

بل إنَّ الشيوخ أمسوا فنانين يتظارفون وينافسون الكوميديين في الدعابات جذباً للجمهور.. وكان الجمهور قد حجز جميع تذاكر صالة الفيحاء، وعددها نحو عشرة آلاف. ويتراوح سعر بطاقة الحضور بين للراكب 500 دولار، و50 دولارا للراجل. أما الجامع، فهو مجاني، لكن الناس زاهدون به. وسميت الدنيا باسمها لدنوّها.. كلا بل تحبّون العاجلة وتذرون الآخرة.

لكن محبي الفن والوطنية والحياة الدنيا ومتاع الغرور، الذين يتصارعون على أصالة وحضور حفلتها، يدعون الله مخلصين ألا تقطع الكهرباء عن أصالة كما قطعت عن المطرب مروان خوري. هو صراع على الضوء والنور.

وهي أحسن حظّاً بكثير من مالك الجندلي، وهو موسيقار، ومناضل أيضاً بوسيلته، وليس بضارب طبلة، وليست حفلاته للرقص والقيان. وكان قبل فترة قد عزم يقيم حفلة موسيقية في ساحة الساعة في مدينة أجداده حمص، وليس في المسجد، والساعة رمز الثورة السورية، التي دقّت وأزفت الآزفة. وهي حفلة جادة، وسيعزف مع فرقته موسيقا تجريدية روحية صافية، خالية من سفاسف الطرب ومجونه، فثارت ثورة بعض الشيوخ، وأفسدوا الحفلة؛ لأن الساحة سيادة، وليست مثل الصالة.

حصل المغني حسام جنيد على البراءة بعد مناقشات ومجاذبات في أسواق التواصل الاجتماعي، وألغيت حفلته في حمص أيضاً. أما شادي جميل، فكان أسوأهم حظاً، وهو يحول سوق الهجن على مود الثورة. وكان قد حيّا الرئيس الأسد وغنّى له، فوصم بالعار واعتذر.

قال الشاعر:

ليس الشفيع الذي يأتيك منطربا مثل الشفيع الذي يأتيك حزنانا

لقد غنّت أصالة للأسد “حماك الله يا أسد” وغنّى أبوها له، لكنها انحازت للثورة. وهي مشهورة، ومن القوارير، ولها قصة مؤثرة، فقد عانت من شلل الأطفال، وقضى أبوها في حادث سير، ولها زيجات ثلاث، وكان مهرها من زوجها العراقي عشرة ملايين دولار. وليست أيمن الأسود ولا نجاتي طيارة الذين لا يذكرهم أحد، وهما من روّاد الثورة، وقد يصدق القول المنسوب لغيفارا :”الثورات يشعلها الدهاة، وينفذها الشجعان، ثم يقطف ثمرها المطربون”.

ذكرتني أصالة بطرائف قديمة انتشرت في سوريّا، تصل بين المتضادات والغرائب، مثل حزورة: ما الصلة بين الفيزون والجزر (الجواب: كلاهما يقّوي النظر)، وما الصلة بين الفيل والنملة؟ (الفيل تنمّل ساقه، والنّملة ساقها لا تفّيل)، فوجدت أنَّ ثمت صلة بين قناة السويس وأصالة.

تقول مصادر تاريخية إنَّ فتح البحر الأحمر على البحر الأبيض بقناة السويس أدّى إلى مقتل آلاف العمال غرقاً. وقد فُتحت بالثورة السورية قناة بين شعبين: شعب الثورة، وشعب الأسد، فقُتل في ثورات الساحل والسويداء والجزيرة المئات من الأطراف المتحاربة.

تسبح حيتان الأحمر في البحر المتوسط، وحيتان البحر المتوسط في الأحمر، وأصالة هي القناة. وقد سبّح متدينون وعلمانيون بحمد أصالة، التي جمعت السوريين أكثر مما فعل الشيوخ، الذين يتصارعون حول الناجين من النار، سلفية أم أشعرية أم ماتريدية، بل إنَّ شيوخاً يزجرون المصلين الذين يسبحون بالسبحة، لأنها بدعة. أما أصالة فتطرب المسلم وغير المسلم، وقيل إنها ستتبرع بنصف ريع الحفلات للمحتاجين، وسينزل كثيرون من جبل الرماة، أما مستشار الرئيس ووزير الثقافة، فيمرجون البحرين في بحر الوطنية وعسى أن ينجحا.

قد تحلُّ المشكلة بزواج الشيخ من الفنّانة، كما في فيلم رمضان مبروك أبو العلمين حمودة، والمذكور كان في الفيلم نصف شيخ، والدنيا هي الدنيا، وثواب العلماء أكبر مع الفتن. ومن أمامنا إسرائيل، ومن خلفنا إسرائيل، وكثيرٌ من الخراب والفساد وليس لنا إلا الصدق والصبر. وقد انتهت الحفلة.

سوريا ليست أفغانستان، والمطرب ليس مقاتلا، إنه مثل الشاعر في الجاهلية، ولكل نصر أغنية، وقد غنّت أصالة أغنية، عّدت أغنية النصر.

قال الحكيم السوري: السوريون بدهم قطع.. نت. نت وليس شيء آخر.

وقد انتهت الحفلة، وعادت أصالة إلى مصر، منتصرة، بعد حفلة إعلان النصر، ومعها مبلغ كبير وعرشها الذي لم ينكّر.

فقوموا إلى أصالتكم يرحمكم الله.

عربي21

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code