مقدمة
لم يعد السؤال في الخليج حول ما إذا كانت إيران ستعود إلى المجتمع الدولي، بل حول كيف ستُدار هذه العودة وما الذي ستعنيه لدول المنطقة. بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، ومذكرة التفاهم التي أبرمتها واشنطن وطهران في أبريل من العام نفسه، وجدت دول الخليج نفسها أمام معادلة جديدة: جار قوي لم يُهزم عسكرياً، وراعي أمريكي تآكلت مصداقيته، وضرورة إعادة تعريف الأمن بعيداً عن «المظلة» التقليدية.
انكشاف المظلة الأمريكية
كشفت الحرب عن هشاشة الترتيبات الأمنية الخليجية. فقد تعرضت قواعد أمريكية في قطر والبحرين والسعودية والإمارات لهجمات إيرانية، ما أظهر أن الوجود العسكري الأمريكي لم يردع طهران عن استهداف المصالح الخليجية . وبحسب مصادر عسكرية، طلبت دول خليجية من واشنطن بعد نحو 20 يوماً من اندلاع الحرب تقليص استخدام أراضيها في العمليات العسكرية، وأرسلت السعودية وقطر والكويت رسائل إلى طهران تؤكد وقف النشاط العسكري في قواعد ومطارات محددة لضمان «الحياد» . هذا السلوك يعكس إدراكاً متزايداً بأن «المظلة الأمريكية» لم تعد ضماناً موثوقاً.
الدبلوماسية الخليجية المباشرة مع إيران

بالتوازي مع المحادثات الأمريكية-الإيرانية، فتحت دول خليجية قنوات مباشرة مع طهران. فبعد توقيع مذكرة التفاهم، عقدت إيران وعُمان اجتماعاً حول إدارة مضيق هرمز، تبعه لقاءات سعودية-إيرانية وقطرية-إيرانية . وتشمل المباحثات قضايا فنية حساسة: إدارة الملاحة في المضيق، والضمانات الأمنية، والإغراءات الاقتصادية التي قد تقدمها دول الخليج مقابل تنازلات إيرانية .
وتُجمع تحليلات مؤسسة «سي إس آي إس» على أن دول الخليج تتبنى استراتيجية «التطبيع البراغماتي» مع إيران، مدفوعة بحسابات اقتصادية وجودية: فاستمرار التصعيد يهدد الاستثمار الأجنبي المباشر ومشاريع التنويع الاقتصادي مثل «رؤية 2030» السعودية . كما أن إيران أظهرت قدرة على إغلاق مضيق هرمز، ما يعني أن أي مواجهة مستقبلية ستضرب مصالح الخليج مباشرة.
حدود الانفتاح ومخاوف الخليج
غير أن هذا الانفتاح لا يعني قبولاً غير مشروط. فمذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، التي تتضمن صندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار ورفعاً جزئياً للعقوبات، أثارت قلقاً خليجياً من أنها «تعزز نفوذ طهران الإقليمي» دون قيود كافية على برنامجها الصاروخي . وتخشى دول الخليج أن تصبح «رهينة» للإرادة الإيرانية في أي لحظة، لا سيما مع استمرار طهران في الاحتفاظ بشبكة وكلائها الإقليميين .
لذلك، تتجه دول الخليج نحو «تطبيع جديد» يقوم على ثلاثة أعمدة: الانخراط البراغماتي مع إيران، وتنويع الشركاء الأمنيين (باتجاه أوروبا وآسيا)، وتعميق التعاون الداخلي الخليجي في مجالات الاستخبارات والأمن البحري . كما تسعى إلى «بناء جسر ذهبي» لإيران، أي ربط مصالحها الاقتصادية باستقرار المنطقة، بحيث يصبح انهيار النظام الإيراني أو انزلاقه إلى حرب جديدة مكلفاً بالنسبة لطهران نفسها.
خلاصة
عودة إيران إلى المجتمع الدولي لا تعني بالضرورة «فوزها» على دول الخليج، لكنها تعني نهاية حقبة كانت فيها دول الخليج تعتمد حصرياً على واشنطن لضبط السلوك الإيراني. المستقبل الخليجي في هذا السيناريو يقوم على معادلة دقيقة: الحفاظ على العمق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، مع بناء خطوط تواصل مباشرة مع طهران، وتعزيز القدرات الذاتية والجماعية. النجاح في هذه المعادلة سيعتمد على قدرة دول الخليج على تحويل «العداء الجغرافي» إلى «جيرة مُدارة»، وهو تحول لا يزال هشاً لكنه أصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً
