تقديم
يقدم مركز المدار للدراسات والإعلام ثلاث دراسات تحليلية معمّقة، تهدف إلى قراءة التحولات الكبرى في ثلاثة مجالات استراتيجية متقاطعة: مستقبل التوازن السياسي في الولايات المتحدة قبيل الانتخابات النصفية لعام 2026 وتأثير قضايا الشرق الأوسط عليها، ومستقبل دول الخليج في سيناريو عودة إيران إلى المجتمع الدولي، وأخيراً الأثر المتبادل بين وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والعلاقات الاجتماعية. تُنشر هذه الدراسات مباشرة في قسم الدراسات على موقع المدار، بإعداد ومراجعة الدكتور هشام عوكل.
الدراسة الأولى: مستقبل فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية لعام 2026 وقضايا الشرق الأوسط
مقدمة
تتجه الأنظار إلى الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر 2026، وسط مؤشرات متزايدة على احتمال تحقيق الحزب الديمقراطي مكاسب واسعة في مجلسي النواب والشيوخ. غير أن السؤال الأكثر تعقيداً لا يتعلق فقط بهوية الفائز، بل بكيفية تفاعل هذه الانتخابات مع قضايا الشرق الأوسط التي باتت تتداخل بشكل غير مسبوق مع السياسة الداخلية الأمريكية. فالحرب على إيران، التي اندلعت في فبراير 2026، وتحولها إلى أزمة طاقة عالمية، إلى جانب الاستقطاب حول دعم إسرائيل، يفرضان على الناخب الأمريكي حسابات جديدة تجعل السياسة الخارجية جزءاً لا يتجزأ من معادلة صناديق الاقتراع.
مؤشرات التقدم الديمقراطي
تشير نماذج التنبؤ الرئيسية إلى تقدم ديمقراطي واضح. يمنح نموذج المحلل نيت سيلفر الديمقراطيين فرصة تبلغ 82% للسيطرة على مجلس الشيوخ و96% للسيطرة على مجلس النواب . كما أظهرت استطلاعات الرأي العامة تقدم الديمقراطيين بفارق 9.4 نقاط مئوية، بواقع 52.8% مقابل 43.4% للجمهوريين . وتعكس أسواق التوقعات هذا الاتجاه، إذ منحت منصة «كالشي» الديمقراطيين احتمالاً بنسبة 73% للفوز بالسيطرة على الكونغرس، مع تداولات اقتربت من 100 مليون دولار .
ويعود هذا التقدم جزئياً إلى تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب، حيث بلغ صافي تأييده سالب 20.4 نقطة، مع عدم رضا 58.8% من الأمريكيين عن أدائه . غير أن العامل الأكثر حسماً في هذه الدورة هو الطريقة التي تحولت بها قضايا الشرق الأوسط إلى قضية انتخابية محلية.
الحرب على إيران وأزمة الطاقة
كان للأعمال العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في فبراير 2026 تأثير مباشر على الاقتصاد الأمريكي. فقبل يوم واحد من اندلاع الحرب، كان سعر برميل النفط 67 دولاراً، ليقفز إلى 99 دولاراً في الأول من مارس ويستقر قرب هذا المستوى لثمانية أشهر . وارتفع متوسط سعر غالون البنزين من 2.98 دولار إلى 4.25 دولار . وبحسب استطلاع لرويترز/إبسوس، يحمّل 78% من المستطلعين سياسات ترامب مسؤولية ارتفاع الأسعار .
وتُظهر استطلاعات الرأي معارضة متزايدة للحرب: 56.5% من الأمريكيين يعارضونها مقابل 35.9% يؤيدونها . والأهم من ذلك أن المعارضة تنمو بين الجمهوريين والمستقلين المائلين للحزب الجمهوري، وفقاً لمركز بيو للأبحاث . وهكذا يجد الرئيس ترامب نفسه في وضع لا يحسد عليه: حرب بدأت دون تقدير كافٍ لقدرة الخصم على الرد، كما يرى آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكي السابق في الشرق الأوسط، مما أدى إلى «تقويض رأس المال السياسي» للرئيس في الداخل .
دعم إسرائيل كقضية انتخابية
في ميشيغان، الولاية التي تضم أعلى نسبة من الأمريكيين العرب، تحول دعم إسرائيل إلى «اختبار عباد» انتخابي. وتتنافس المرشحة الديمقراطية عبد الEl-Sayed، التي قد تصبح أول مسلمة في مجلس الشيوخ الأمريكي، مع الجمهوري مايك روجرز في سباق متقارب . وقد أدت مواقف الناخبين من الحرب في غزة إلى تحولات حزبية غير مسبوقة: ناخبون ديمقراطيون تقليديون، مثل اليمنية الأمريكية سامرا لقمان، صوّتوا لترامب في 2024 بسبب غزة، ويقولون الآن إن «السياسة تجاه إسرائيل وفلسطين» ستحدد تصويتهم بغض النظر عن الحزب .
وتعكس هذه الديناميكية تحولاً أعمق: ففي حين كانت الانتخابات النصفية تاريخياً تُحسم بقضايا محلية، أصبحت «الوطنية» (nationalization) للانتخابات سمة بارزة. ويشير تحليل أكاديمي إلى أن الارتباط بين تصويت المقاطعة للرئيس وتصويتها للكونغرس ارتفع من 0.62 في 1978 إلى 0.98 في 2024 . وهذا يعني أن أداء الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية أصبح مرهوناً بشكل وثيق بتقييم الناخبين لأداء ترامب، بما في ذلك سياسته الخارجية.
خلاصة
إن فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية لعام 2026 يبدو مرجحاً بقوة، لكنه ليس نتيجة تلقائية لتراجع شعبية ترامب فحسب، بل هو أيضاً استفتاء على حرب اختارها الرئيس دون إجماع وطني. قضايا الشرق الأوسط، من إيران إلى غزة، لم تعد «بعيدة» عن الناخب الأمريكي؛ بل تحولت إلى وقود لتضخم أسعار البنزين، وإلى معيار أخلاقي في دوائر انتخابية حاسمة. وفي حال سيطر الديمقراطيون على الكونغرس، فإنهم سيواجهون تحدياً مزدوجاً: ترجمة معارضتهم للحرب إلى سياسة قابلة للتطبيق، دون أن يخسروا أصوات الناخبين العرب والمسلمين الذين ساعدوا في وصولهم.
هوامش ومصادر
الدراسة الأولى:
- استطلاعات ونماذج تنبؤ: ILNA (نقلًا عن الجزيرة)، Erem News، Axios (نقلًا عن الوطن) .
- أزمة الطاقة والحرب: CBC News، تحليل ويلي لوري .
- ميشيغان ودعم إسرائيل: BBC عربي، تقرير أسماء خالد .
- «وطنية» الانتخابات: LSE Blogs، تحليل Carson & Whitford .
إعداد ومراجعة: الدكتور هشام عوكل
مركز المدار للدراسات والإعلام – قسم الدراسات
