زينب البرعصى. ((ليبيا ))
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ليست كل الحروب تنتهي بانتهاء المعارك، فبعضها يظل ممتداً في ذاكرة الناجين، وفي حكايات الأمهات، وفي الأماكن التي احتفظت بصمتها بما جرى خلف أسوارها. ومن بين أكثر الصفحات قسوة في التاريخ الليبي الحديث، تأتي مأساة المعتقلات الفاشية التي أقامها الاحتلال الإيطالي في برقة، شاهدةً على جريمة إنسانية كبرى استهدفت السكان، وخلّفت آثاراً عميقة في الذاكرة الوطنية.
في هذا السياق يأتي الفيلم الوثائقي «ذاكرة الرمال – المعتقلات الفاشية في برقة»، إنتاج عام 2025، ليوثق جريمة الإبادة الجماعية التي تعرض لها سكان برقة خلال الفترة الممتدة من عام 1929 إلى 1934، وما صاحبها من تهجير قسري واعتقالات ومعاناة إنسانية، في واحدة من أكثر مراحل الاحتلال الإيطالي دموية في ليبيا.
وقد عُرض الفيلم على شاشة الجزيرة الوثائقية يوم 17 سبتمبر، عند الساعة الثامنة مساءً، بالتزامن مع إحياء ذكرى يوم الشهيد وذكرى إعدام شيخ الشهداء عمر المختار في 16 سبتمبر 1931، في توقيت يستعيد فيه الليبيون واحدة من صفحات مقاومتهم للاحتلال الإيطالي.
ثلاث سنوات من البحث لاستعادة الذاكرة
لم يكن إنجاز الفيلم مجرد عمل توثيقي عابر، بل جاء ثمرة رحلة بحث امتدت نحو ثلاث سنوات، وإن لم تكن متواصلة، اعتمد خلالها فريق العمل على مصادر تاريخية متعددة، شملت الأرشيف الإيطالي من صور ومواد مرئية، وأبحاث المؤرخين الليبيين، والمصادر الإيطالية، إضافة إلى وثائق ومراجع المركز الليبي للدراسات والأبحاث التاريخية (مركز الجهاد سابقاً).
ومن أبرز المواد التي استند إليها الفيلم أرشيف صوتي ومرئي خاص بالدكتور يوسف سالم البرغثي، يتضمن تسجيلات أُنجزت قبل نحو أربعين عاماً، وهي مادة توثيقية بالغة الأهمية، أسهمت في استعادة شهادات وأصوات من زمن المأساة، وفي حفظ جانب من الذاكرة التي يصعب تعويضها.
شهادات الناجين.. حين يتحدث التاريخ بصوت أصحابه
يمنح الفيلم مساحة مهمة للشهادة الإنسانية، من خلال حوارات مع عدد من المؤرخين والباحثين والمهتمين بالتاريخ الليبي، إلى جانب مشاركة الباحثة الإيطالية ماريا لويزا، واستحضار شهادات آخر الناجين من معتقلات العقيلة، المرحوم الحاج سليمان العبيدي والمرحومة الحاجة رقبة محمد الزوي.
وتكتسب هذه الشهادات قيمتها من كونها لا تقدم التاريخ من زاوية الوثيقة وحدها، بل من ذاكرة أشخاص عاشوا التجربة، وحملوا تفاصيلها الإنسانية طوال حياتهم.
كما يستحضر الفيلم دور المرحوم الدكتور يوسف سالم البرغثي، تقديراً لمساندته المشروع وتشجيعه منذ مراحله الأولى، وما قدمه من مادة أرشيفية أسهمت في إثراء العمل.
من الأرشيف إلى إعادة بناء معتقل العقيلة
اعتمد الفيلم على المزج بين الوثيقة التاريخية والمعالجة البصرية، من خلال استخدام الأرشيف الإيطالي المصور، وإعادة تمثيل عدد من المشاهد الرمزية، من بينها مشاهد ترحيل المعتقلين وإعدام عمر المختار، إلى جانب إعادة تجسيد معتقل العقيلة باستخدام تقنية المؤثرات البصرية CGI، في محاولة لإعادة بناء المكان بصرياً، وتقريب صورته إلى الأجيال التي لم تعرفه إلا من خلال الروايات والشهادات.
ويجمع العمل بذلك بين البحث التاريخي والشهادة الحية وإعادة التمثيل الدرامي، ليقدم معالجة وثائقية تسعى إلى تقريب المأساة من المتلقي، دون فصل الصورة عن سياقها التاريخي والإنساني.
فريق العمل والإنتاج
الفيلم من تنفيذ الإنتاج: أفق للخدمات الإعلامية، وإخراج صامد حجي، ومنتج منفذ محمد البرغثي، وإشراف عام زينة الشواشي وحنان الشويهدي، ومدير التصوير أدونيس رمضان.
وتولى كتابة نص التعليق كمال الشارني، فيما جاء التعليق الصوتي بصوت علي أحمد سالم.
وشارك في إنجاز العمل فريق فني وتقني في مجالات التصوير والصوت والمونتاج والجرافيكس والمؤثرات البصرية وتصحيح الألوان والديكور والملابس، إلى جانب عدد من الممثلين وفريق العرض المسرحي الذين أسهموا في تنفيذ المشاهد المعاد تجسيدها.
كما شارك في الفيلم عدد من الباحثين والضيوف، من بينهم: عيسى القاضي، وفرج نجم، والدكتور علي الحاسي، والحاجة رقبة محمد الزوي، وماريا لويزا، وأسامة بركة، ومنصور درميش، وسهى الهوني.
شكر وتقدير
ووجه فريق العمل الشكر والتقدير إلى المؤسسات والجهات التي أسهمت في إنجاز الفيلم، وفي مقدمتها سفارة ليبيا لدى جمهورية إيطاليا، ووزارة الداخلية، ومكتب الإعلام الأمني، والشرطة السياحية – بنغازي، ومصلحة آثار بنغازي، والمركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، وإدارة ضريح عمر المختار، ومركز وهبي البوري، إضافة إلى الجهات والمؤسسات التي وفرت مواقع للتصوير وساعدت في تيسير مراحل الإنتاج.
الذاكرة التي لا ينبغي أن تُدفن
إن أهمية «ذاكرة الرمال» تتجاوز حدود إنتاج فيلم وثائقي عن مرحلة تاريخية؛ فهو محاولة لاستعادة حق الضحايا في الذاكرة، وتوثيق ما تعرض له الليبيون من جرائم على يد الاحتلال الفاشي، بعيداً عن اختزال المأساة في أرقام أو تواريخ.
فالمعتقلات لم تكن مجرد أماكن للاحتجاز، بل كانت جزءاً من سياسة استعمارية استهدفت الإنسان والأرض والهوية، وتركت جراحاً امتدت آثارها إلى أجيال لاحقة.
ومن هنا تأتي قيمة هذا العمل؛ فالتاريخ لا يُصان بالاحتفاظ بوثائقه وحدها، بل بإعادة قراءتها، وإتاحة شهاداتها، وتحويلها إلى ذاكرة حية تنتقل من جيل إلى آخر.
«ذاكرة الرمال» ليس استعادةً لماضٍ غائب، بل إنصاتٌ لأصوات لم تنتهِ حكاياتها بعد. فثمة جرائم لا يكفي أن يتذكرها أصحابها، بل ينبغي أن يعرفها العالم، حتى لا تصبح الذاكرة نفسها ضحية أخرى للنسيان. **
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
