شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تتزايد التساؤلات داخل أوروبا بشأن جدوى استمرار سياسة العزل الدبلوماسي تجاه روسيا، في ظل تعثر جهود الوساطة الأمريكية واستمرار الحرب في أوكرانيا. ومع تصاعد التحديات الأمنية والاقتصادية، بدأت بعض العواصم الأوروبية تبحث إمكانية استئناف قنوات التواصل مع موسكو دون التخلي عن دعم كييف.
حرب أوكرانيا تمثل تحديًا وجوديًا للأمن الأوروبي
سعيًا لعزل روسيا بعد بدء حرب أوكرانيا في فبراير من العام 20222، قطع معظم القادة الأوروبيين جميع الاتصالات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من بين القلائل الذين حاولوا في البداية انتهاج مسارٍ دبلوماسيٍ، إلا أن تواصله فشل في إقناع بوتين، وأصبح لقاؤهما عبر الطاولة الطويلة رمزًا شهيرًا لرفض الرئيس الروسي الانخراط في حوارٍ جادٍ مع أوروبا. بعد أكثر من أربع سنواتٍ على صراعٍ تجاوز في مدته الحرب العالمية الأولى، وأصبح يمثل تحديًا وجوديًا للأمن الأوروبي، بدأت سياسة العزل الدبلوماسي تتعرض لتصدعاتٍ. ومع تعثر المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة، تدرس العواصم الأوروبية ما إذا كان التواصل المباشر مع موسكو أصبح أمرًا لا مفر منه.
مناقشات حول منصب المبعوث الأوروبي إلى روسيا
في مايو من العام 2026، بدأت مناقشاتٌ حول الشخصية التي يمكن أن تشغل منصب المبعوث الأوروبي الخاص إلى روسيا. وطُرحت أسماءٌ مثل مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ورئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي، والمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، كخياراتٍ محتملةٍ، رغم أن هذه المناقشات بقيت في إطار التكهنات. وفي يونيو من العام 2026، وبعد لقاء ثلاثة سفراء من فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا بنائب وزير الخارجية الروسي في موسكو، تواصل أحد أعضاء مكتب رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا مع الكرملين. لكن بالنسبة لناتيا سيسكوريا، الباحثة الرئيسية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، فإن السؤال لا يتمثل في ما إذا كان ينبغي لأوروبا المطالبة بمقعدٍ على طاولة المفاوضات، بل في توقيت ذلك. وتقول سيسكوريا، الخبيرة في السياسة الداخلية والخارجية الروسية: “التكاليف الاقتصادية تتزايد، لكن الروس ما يزالون يمتلكون خياراتٍ، ولن يوقفوا الحرب في الوقت الحالي.” وأضافت: “الجولة المقبلة من المفاوضات ستبدأ عندما تشعر روسيا بأنها لم تعد تتمتع بالتفوق الميداني في أوكرانيا.”
هل تستطيع أوروبا لعب دورٍ أكبر في المفاوضات؟
هناك مؤشراتٌ واضحةٌ على أن بروكسل تسعى إلى أداء دورٍ أكبر في المفاوضات مع موسكو، في ظل تعثر جهود واشنطن لإنهاء الحرب وتركيز الولايات المتحدة على الحرب في إيران. كيف ترين هذا التحول؟. أوضحت سيسكوريا: أنا متشككةٌ تمامًا في فرص نجاح أي مفاوضاتٍ بين روسيا والاتحاد الأوروبي، أو أي مفاوضاتٍ يقودها الاتحاد الأوروبي. فالولايات المتحدة أوضحت بجلاءٍ أنها ترى نفسها الطرف الرئيسي، ولا أعتقد أن ذلك سيتغير، كما لا أعتقد أن الاتحاد الأوروبي سيحاول تحدي واشنطن؛ فهو بالتأكيد لا يريد إغضاب الرئيس دونالد ترامب. ومن وجهة النظر الروسية، كان واضحًا أن موسكو ترى في الحوار المباشر مع الولايات المتحدة فرصةً أفضل. ففي حين يعتقد بوتين أنه يستطيع إيجاد مساحةٍ للمناورة مع واشنطن، فإن الاتحاد الأوروبي كان أكثر تماسكًا فيما يتعلق بدعم أوكرانيا. وما لم تظهر مؤشراتٌ على استعداد الاتحاد الأوروبي لتخفيف العقوبات مقابل الدخول في مفاوضاتٍ، فلا أعتقد أن بوتين سيكون مستعدًا للتحدث مع الأوروبيين.
هل وصلت الوساطة الأمريكية إلى طريقٍ مسدودٍ؟
وصلت محاولة واشنطن لإبرام اتفاق سلامٍ سريعٍ إلى طريقٍ مسدودٍ. تقول سيسكوريا: أتفق تمامًا مع هذا التقييم. كانت المفاوضات محكومةً بالفشل منذ البداية. وحتى لو واصل ترامب لعب دور الوسيط، فلا أعتقد أنه سيحقق نتيجةً حقيقيةً. ويظل العامل الحاسم هو ما إذا كانت أوكرانيا قادرةً على الحفاظ على زخم عملياتها العسكرية، وما إذا كانت روسيا ستواجه ضغوطًا اقتصاديةً وسياسيةً وداخليةً كبيرةً. وإذا حدث ذلك، فقد تصبح موسكو أكثر انفتاحًا على المفاوضات. وقد يخلق ذلك فرصةً للغرب لاستخدام نفوذه لدفع روسيا إلى طاولة المفاوضات وفق نهجٍ أكثر واقعيةً، بدلًا من نهجٍ يقوم على مطالب قصوى. وأفضل سيناريو يتمثل في أن تتحرك أوروبا والولايات المتحدة بصورةٍ متماسكةٍ. ولم يكن من الصواب حصر هذه المفاوضات بين بوتين وترامب، لأن أوروبا هي في نهاية المطاف الطرف الأكثر تأثرًا بنتائج هذا الصراع.
هل تستطيع روسيا إنهاء الحرب في الوقت الحالي؟
يرى بعض الخبراء إن موسكو، حتى لو أرادت إنهاء الحرب، فإن الظروف الحالية لا تسمح لها بذلك. أوضحت سيسكوريا: في الوقت الراهن، لن توقف روسيا الحرب، لأن الوضع الميداني لم يحسم بعد ما إذا كانت أوكرانيا قادرةً على تغييره. ثم كيف يمكن لبوتين أن يبرر ذلك أمام الرأي العام؟ فقد نجحت أوكرانيا في تقويض الصورة التي بناها بوتين على مدار سنواتٍ، والأهم من ذلك أنها استهدفت مناطق شديدة الحساسية مثل شبه جزيرة القرم، التي كانت تُعد رمزًا للانتصار الروسي. وفي ظل هذه الظروف، سيكون من الصعب جدًا على بوتين أن يوقف الحرب فجأةً ويقدم ذلك على أنه انتصارٌ. ومن الخيارات المطروحة لتغيير موازين القوى لصالح روسيا، رغم ما يثيره من جدلٍ واسعٍ، خيار التعبئة العامة (Mass Mobilization).
هل نجحت أوروبا سابقًا في التفاوض مع روسيا؟
تقول سيسكوريا: فيما يتعلق بتسوية النزاعات، كان هناك الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي عام 2008، عندما تفاوض على خطة السلام مع روسيا خلال الحرب في جورجيا. ثم جاءت اتفاقات مينسك بعد عام 2014. لكنني لا أعتقد أنه يمكن اعتبار أيٍ من هاتين الحالتين نموذجًا ناجحًا للتسوية الدبلوماسية، لأن تلك النزاعات لم تنتهِ، كما أن روسيا انتهكت اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه. ولا يمكن تحميل القادة الأوروبيين وحدهم المسؤولية، لأن جوهر المشكلة يكمن في أن بوتين ليس مفاوضًا يلتزم بتعهداته، ويمكنه تغيير موقفه وفقًا للأهداف العسكرية الروسية والظروف القائمة. ولهذا السبب تصر أوكرانيا على الحصول أولًا على ضماناتٍ أمنيةٍ، ثم الانتقال إلى تسوية النزاع بالوسائل الدبلوماسية. فكييف تدرك أن أي اتفاقٍ يوقعه بوتين يمكن التراجع عنه خلال دقائقٍ.
أجابت سيسكوريا عن سؤال هل يمكن أن تنكث روسيا بوعودها للولايات المتحدة؟ قائلة، نعم، بسهولةٍ، لأنها فعلت ذلك في السابق. ويبقى السؤال الأهم: ما مستوى الردع لدى الطرف الآخر؟. فما نعرفه هو أنه عندما يغيب الردع، تصبح روسيا أكثر مرونةً في التعامل مع المفاوضات والاتفاقات، لأنها تدرك أنها تستطيع التراجع عنها، كما تعلم أنه لن يكون هناك ضغطٌ شعبيٌ حقيقيٌ، ويمكنها دائمًا تبرير موقفها وإلقاء اللوم على الطرف الآخر. فعلى سبيل المثال، رغم أن روسيا اختبرت مرارًا وحدة حلف شمال الأطلسي، فإنها لم تقدم أبدًا على انتهاكٍ مباشرٍ للمادة الخامسة. وعندما يكون الردع حاضرًا، لا تتصرف روسيا بتهورٍ كاملٍ. أما عندما يتعلق الأمر بجيرانٍ أصغر وأضعف، فإن سجلها مليءٌ بانتهاك الاتفاقات. وبعد عام 2014، فُرضت بعض العقوبات، لكنها لم تلحق بالاقتصاد الروسي ضررًا كافيًا يجعل أي تصعيدٍ جديدٍ مكلفًا إلى درجةٍ تمنع موسكو من اختبار الحدود مجددًا.
كيف يمكن للاتحاد الأوروبي تعزيز نفوذه؟
توضح سيسكوريا: هناك الكثير من المناقشات خلف الكواليس بشأن كيفية وتوقيت وشروط أي تخفيفٍ محتملٍ للعقوبات إذا بدأت المفاوضات، وكذلك بشأن كيفية إعادة التواصل مع روسيا. لكن هذه المناقشات لن تكون ذات جدوى إذا لم يكن هناك مخرجٌ من الصراع يضمن أمن أوكرانيا، وبالتالي أمن أوروبا. وأي تخفيفٍ للعقوبات أو تعديلٍ في السياسات الحالية يجب التعامل معه بحذرٍ شديدٍ. فما تعلمناه من التاريخ ومن جولات التفاوض السابقة هو أنه كلما كان موقفك أقوى أمام روسيا، زادت فرصك في تحقيق نتائج أفضل. أما عندما تشعر روسيا بأنها تمتلك زمام المبادرة، وأنها في موقعٍ ميدانيٍ أقوى، فإنها لن تكون مستعدةً لتقديم أي تنازلاتٍ، بل ستواصل السعي لتحقيق أهدافها القصوى. ولهذا السبب، كان توقيت تدخل ترامب في هذه المفاوضات، من وجهة نظرها، غير مناسبٍ.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
