حسن محمد عبداللطيف
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_فى منزله المتواضع بحي الصوان القريب من مدرسة أحمد قنابة الإعدادية بودان، تجلس والوقت يرتد بك عقوداً إلى الوراء، جئت هنا خصيصاً بعد صلاة العصر، بعد تنسيق مسبق مع إبنه؛ ذلك الطفل الشفاف السماوي عبد القدوس، صاحب الإبتسامة الدائمة وفى عقلى رغبة جامحة لنبش مخزون الذكريات الثرية لرجل يعد من رواد التعليم الأساسيين فى ودان، الأستاذ الفاضل أمحمد على أحمد الأشهب.
تنفس الأستاذ/ أمحمد عبق أرض ودان الغالية منذ أبصر النور فيها عام 1949م. وفى مدارسها الإبتدائية، خطّ بقلمه أولى خطواته التعليمية، لتبدأ رحلة حافلة بالبذل والعطاء. ولم يثنه الشغف بالعلم عن الانتقال؛ فشد الرحال نحو مدينة سبها لينال شهادتها الإعدادية، متوجاً هذة المرحلة المفصلية بالتخرج من معهد عبد الرحمن البركولي للمعلمين بسبها عام 1971م حاملاً معه سلاح التعليم والتربية ليعود به إلى مجتمعه، وفور تخرجه عيّن بمدرسة أبونجيم الإبتدائية، حيث أمضى فيها سنتين من العطاء الأكاديمي الصادق. لكن حنين العودة لخدمة مسقط رأسه ظل ينبض فى قلبه؛ ليعود إلى ودان ملتحقاً بمدرسة المقرون. هناك، تنقل بين صفوفها بكل شغف وجد، فدرس من الصف الأول إلى الرابع فى جميع المواد، وتولى تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية للصفين الخامس والسادس.
وبفضل انضباطه وجديته التى نالت محبة وأحترام الجميع، كلف بمهام مدير مدرسة المقرون لمدة ثماني سنوات كاملة، قبل أن ينتقل فى عام 1983م إلى مكتب شؤون العاملين بقطاع التعليم فى ودان، مستمراً فى عطائه الإداري حتى تقدم بأستقالته على التقاعد الأختياري عام 2006م. غير أن السيرة المهنية للأستاذ/ أمحمد ليست سوى الغلاف الخارجي لقصة إنسانية أعمق وأشمل. فخلف الأرقام والتواريخ، يقف رجل تميز بالطيبة المطلقة ودماثة الأخلاق، كان خدوماً لأهله وجيرانه، صادقاً، أميناً، عفيف اللسان، أنيق الهندام وطاهر اليد يتحرى الحلال ويسعى إليه فى كل تفاصيل حياته.
وفى ذاكرة الزمان، تبرز محطته الإستثنائية فى مدرسة المقرون، تلك التى بدأت فى عهده كفصول متنقلة قادها كمدير ثان ومعه نخبة من معلمي الخير؛ رفاق درب لا يذكرهم إلا بالخير والترحم، كالأستاذ أحمد خميس مونة، والأستاذ محمد غزال خميس، والأستاذ قذافي زوبي، والأستاذ أبوبكر على عبدالرحمن والمرحومين أحمد الضبع وأحمد خميس صالح وسعد أدم. تلك الفصول البسيطة تحولت اليوم بفضل بركة ذلك الغرس إلى منارة مباركة لحفظ القرآن الكريم وبعدها روضة للأطفال، ليبقى كل حرف علّم فيها صدقة جارية وأثراً ممتداً لا ينقطع في الدارين.
لم تكن شهادات زملاء المهنة ورفاق الدرب الذين عاصروا الأستاذ/ أمحمد على، مجرد كلمات مجاملة، بل كانت اعترافاً حياً بقيمة رجل ترك بصمة لا تمحى فى تاريخ التعليم بودان……. وحين تستمع إلى حديث من رافقوه، تجد إجماعاً على صفات نادرة ميزت مسيرته؛ إذ يذكر رفاقه كيف كان أول الحاضرين إلى الفصول، يحمل همّ الدرس قبل أن يحمل قلم الطباشير، ويمثل لهم الموجه الهادئ الذى يستوعب الجميع بحكمته وبساطته المعهودة. ويؤكد رفاق مسيرته فى مدرسة المقرون أن الأستاذ/ أمحمد لم يتعامل يوماً بمنطق الإدارة الجافة؛ بل جعل من تلك الفصول التعليمية خلية نحل يملؤها الحب والتعاون، متقاسماً مع زملائه تعب الأيام وشغف البدايات، مكرسين معاً مفهوم عائلة التعليم الواحدة التى وهبت حياتها لبناء الأجيال.
جسد الأستاذ/ أمحمد فى حياته اليومية معادلة العطاء الكامل؛ فلم تنته رسالته التربوية بانتهاء الحصة الأخيرة، بل كانت تمتد من فضاء المدرسة الرحب إلى عمق الأرض الطيبة فى ودان. فى الصباح الباكر، كان يقف بكل شموخ داخل الفصول، يلقن تلاميذه العلم ويحارب الجهل ببصيرة المعلم القدوة وبعد صلاة العصر، يتجه إلى أرضه ليتحول إلى فلاح مكافح، يغرس بوعي كفيه فى التربة، ويرعى نخلات الشرقية الشامخة التى تشبهه فى العطاء والصبر، ويسقى جداول الخير بجهده الحثيث لتنبت الأرض طيباً وتثمر خيراً ونماء. ولم تقتصر مساحات عطائه على الفصل والمزرعة، بل امتدت لتشمل الميادين الرياضية؛ إذ كان عاشقاً لرياضة ألعاب القوى ومن الرواد الأوائل لنادى القلعة الثقافى الرياضي الإجتماعى، مقضياً أوقاتاً ممتعة رفقة أصدقاء العمر السنوسي عبد الله عقيل والأستاذ محمد على أنقام والمرحوم أحمد التاجوري.
لقد كان الأستاذ/ أمحمد على بحق جامعاً للقلوب ومؤلفاً للأرواح، استطاع ببساطته المعهودة وحكمته البالغة أن يكون رفيقاً للشباب قبل الشيوخ، فترك فى كل بيت أثراً وفى كل مجلس ذكراً طيباً.
هذا النهج التربوي والامتداد المبارك لم يتوقفا عند حدود جيل الرواد، بل نراهما اليوم متجسدين بوضوح وجلاء فى أبنائه التسعة المتعلمين حفظهم الله، ومن بينهم طبيبات متميزات كقامات علمية رفيعة فى مجالات طب الأطفال، وجراحة الأنف والأذن والحنجرة بمستشفى ودان العام.
إن هؤلاء الأبناء باتوا يمثلون اليوم مع بقية إخوتهم امتداداً حياً وصورة مشرفة لهذا الغرس الطيب، حاملين لواء حسن الخلق والتربية الرفيعة فى ميادين العطاء الإنساني والطبي ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، بل كان ثمرة شراكة كفاح ونتاج رعاية مشتركة كانت وراءها أيضاً رفيقة دربه المعلمة الفاضلة رجعة جابر، التى كان لها دور ريادي مشهود فى قطاع التعليم. لقد ربت فأحسنت التربية، وقدمت إلى جانب زوجها نموذجاً للأسرة المربية التى تزرع الخير فى بيتها كما تزرعه فى مجتمعها، ليقطف المجتمع اليوم ثمار هذا الغرس الطبي والتربوي المبارك.
وأنا أغادر صالون منزله الأنيق والمساء يرخي سدوله الهادئة على الحى، مودعاً هذة القامة التربوية الشامخة بفيض من مشاعر الإجلال والتقدير، كان الختام يماثل طيب السيرة؛ بتوديع ارتسمت فيه معاني الأصالة بفضل حسن الأستقبال الفياض، والكرم الوداني الأصيل الذى تلخص بتقديم صفرة البكلاوة والعصير الطبيعى، لتختزل دفء اللقاء وجلال السنين الحافلة بالعطاء. ومع خطوة الوداع يلهج اللسان بعبارات الامتنان الصادقة: شكرًا جزيلًا على هذا الأستقبال أيها الأستاذ الفاضل، وأيتها المربية الفاضلة، وأيها الأنيق المبتسم دائمًا “عبد القدوس”؛ شكرًا على كرم الضيافة وحفظكم الله ورعاكم.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
