الأثنين. أغسطس 3rd, 2026
0 0
Read Time:2 Minute, 37 Second

بقلم الكاتب والفنان مجمود علي بك

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ليس هدفي الدفاع عن أحد، ولا إدانة أحد، فالتاريخ لا يُكتب بالعواطف، والأوطان لا تُبنى بالانتقام. ما أكتبه اليوم هو محاولة للإجابة عن سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه ربما يكون أعقد سؤال يواجه ليبيا منذ سنوات:

ماذا يريد الليبيون؟

يقول المثل الشعبي: “لا يعجبنا العجب ولا الصيام في رجب.” وللأسف، يبدو أن هذا المثل أصبح يختصر جانبًا من شخصيتنا السياسية، لا لأننا شعب لا يعرف الخير، وإنما لأننا أصبحنا نختلف على كل شيء، حتى بتنا عاجزين عن الاتفاق على ما يجمعنا.

اختلفنا حول الملكية، ثم اختلفنا حول سبتمبر، ثم حول فبراير، ثم حول الكرامة، ثم حول الحكومات والمجالس والاتفاقات والمبادرات. وكل مرحلة جاءت وهي تعد الليبيين بالخلاص، ثم انتهت لتترك انقسامًا جديدًا، وخصومات جديدة، ومرارات جديدة.

المفارقة أن كل فريق يعتقد أنه وحده يمتلك الحقيقة، وأن الآخرين هم سبب البلاء. أنصار سبتمبر يحملون فبراير مسؤولية ما جرى، وأنصار فبراير يرون أن جذور الأزمة تعود إلى ما قبلها، وأنصار الكرامة يعتقدون أنهم خاضوا معركة لإنقاذ الدولة، بينما يرى خصومهم أنهم فتحوا بابًا لأزمة أخرى. وبين هذه الروايات المتصارعة، ضاعت الرواية الوحيدة التي كان ينبغي أن تنتصر… رواية الوطن.

لقد أصبح الماضي ساحة حرب لا تنتهي، بينما الحاضر ينهار أمام أعين الجميع. الكهرباء تتراجع، والخدمات تتعثر، والتعليم يعاني، والاقتصاد يترنح، والجريمة تتسع، والشباب يفقد الأمل، فيما بلد يملك من الثروات والإمكانات ما يؤهله لأن يكون في موقع مختلف تمامًا.

وفي الوقت نفسه، فإن البيئة الإقليمية والدولية لا تبعث على الاطمئنان. التحولات من حولنا تتسارع، والهجرة غير النظامية أصبحت تحديًا حقيقيًا، وموازين القوى تتغير، والدول لا ترحم الضعفاء. أما نحن فما زلنا نستنزف قوانا في تخوين بعضنا بعضًا، وفي تصنيف المواطنين بحسب المدن أو القبائل أو التوجهات الفكرية والسياسية.

والسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأسئلة هو: هل نختلف من أجل الوطن، أم أصبح الوطن هو ضحية اختلافاتنا؟

ليس عيبًا أن يختلف الناس في تقييم الشخصيات أو التجارب السياسية، فالاختلاف جزء من الحياة. لكن العيب أن يتحول الاختلاف إلى عداوة دائمة، وأن يصبح إسقاط الخصم أهم من إنقاذ الوطن.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن أحدًا لم يستطع إلغاء الآخر، ولم يستطع أي مشروع أن يحسم المشهد وحده. ومع ذلك، لا يزال الخطاب نفسه يتكرر، وكأن التجربة لم تعلمنا شيئًا.

إن ليبيا ليست ملكًا لسبتمبري ولا لفبرايري، ولا لشرقي ولا لغربي، ولا لقبيلة دون أخرى، ولا لتيار دون غيره. إنها وطن الجميع، ولن تستقيم أحوالها إذا بقي كل فريق يبحث عن انتصار لنفسه، لا عن انتصار للدولة.

قد نختلف في قراءة التاريخ، لكن لا يجوز أن نختلف على حق الأجيال القادمة في أن ترث دولة مستقرة، لا دولة منهكة بالصراعات. وقد لا نتفق على تقييم من حكموا، لكن ينبغي أن نتفق على كيفية إنقاذ من سيحكمهم المستقبل.

إن أخطر ما يواجه ليبيا اليوم ليس نقص الموارد، بل فائض الانقسام. وليس قلة الإمكانات، بل كثرة المشاريع المتنافسة على حساب المشروع الوطني الجامع.

لذلك، ربما حان الوقت لنتوقف عن سؤال: من كان على حق؟ وأن نبدأ بسؤال أكثر أهمية: كيف نُنقذ ما تبقى من وطن؟

فالأوطان لا تموت بسبب اختلاف أبنائها، وإنما تموت عندما يصبح كل فريق مستعدًا لخسارة الوطن، مقابل ألا ينتصر خصمه.

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code