**الطاهر محمد العرى ((ليبيا))
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_هناك حكايات لا تنتهي عند أصحابها، بل تمتد من جيل إلى جيل، وكأن العلم حين يسكن بيتًا، يترك فيه أثرًا لا يمحوه الزمن.
وفي هذه الحكاية، لا نقرأ سيرة معلم من رواد التعليم في صبراتة فحسب، بل نقرأ حكاية أبٍ حمل رسالة التعليم، ثم رأينا أثرها في ابنه الذي بدأ تلميذًا على يديه، وانتهى به المطاف معلّمًا إلى جواره.
هي حكاية المعلم الفاضل مفتاح بن مفتاح عامر الزواغي، ثم ابنه المعلم الفاضل محمد مفتاح مفتاح الزواغي… حكاية أب وابن، وتلميذ ومعلم، ثم زميلين جمعتهما مهنة واحدة ورسالة واحدة.
نبدأ من الأب… من الرجل الذي حمل رسالة التعليم في زمن كانت فيه رحلة العلم نفسها حكاية من الصبر والكفاح، ثم نتابع الطريق حتى نصل إلى الابن، لنرى كيف امتدت الرسالة من الأب إلى ابنه.
#للتاريخ_حديث_الذكريات_مع_نجمي_ابن_المعلم_الفاضل_مفتاح_الزواغي_رحمه_الله
فرح بهم الوطن، فاحتضنهم وهم في بداية الطريق… طريق طلب العلم والمعرفة، فكانت مسيرتهم كلها معاناة وكفاحًا من أجل الوطن، حتى نالوا النجاح، فكانوا من أوائل من أسهموا في بناء كادر نظارة المعارف في الوطن. بكل فخر، إنهم معلمو ليبيا وصبراتة الرواد.
كانت البداية من المساجد، ثم المدرسة الإيطالية، ثم المدارس العربية بكل موادها التعليمية، فكانت خاتمة المشوار التعليمي لهم في أبهى صورها، فعاش الوطن معهم وبهم أجمل وأروع سنوات عمره. هكذا كتب التاريخ عنهم.
منذ انطلاقتي في البحث عن معلمي صبراتة الرواد، برز أمامي اسمه في كل المنشورات، ضمن معلمي صبراتة الأربعة الأوائل الذين تخرجوا من المدرسة الإيطالية.
فهو ابن المجاهد #مفتاح_بن_عامر_الزواغي، رحمه الله تعالى، الذي استُشهد في معركة العجيلات، فحملته فرسه إلى جنوب صبراتة، حيث سقط في منطقة عقار، ودُفن في مكان سقوطه، فأصبح قبره أول قبر في المقبرة القريبة من مسجد عقار الآن.
فكان لابد من البحث عن هذا المعلم لتوثيق سيرته ومسيرته التعليمية.
كان الاتصال منذ سنة بابنه #نجمي، الذي كان في الموعد، فأرسل إليّ في البداية صورة والده وشهادة تخرجه، فهو من المعلمين الأوائل الذين تخرجوا من المدرسة الإيطالية.
بعدها توقف كل شيء، ثم كان الاتصال مرة ثانية بابنه #نجمي، ولكن هذه المرة لتحديد موعد لزيارته، والاستماع إلى سيرة ومسيرة والده.
تم تحديد موعد الزيارة، التي كانت يوم أمس الثلاثاء، بتاريخ 2026/8/11، حيث انطلقت أنا وصديقي #محمد_كنان نحو منزل ابنه #نجمي في قلب صبراتة.
وصلنا إلى هناك، فكان في استقبالنا بكل ود ومحبة. دخلنا إلى صالة الجلوس، فتحدثنا قليلًا عن الحال والأحوال والأجواء، ثم انطلقت في توثيق سيرة ومسيرة والده، المقصود هنا المعلم الفاضل #مفتاح_بن_مفتاح_عامر_الزواغي، رحمه الله تعالى، الذي توفي يوم 2005/8/28 عن عمر يناهز 82 عامًا.
وكان سؤال الافتتاح، كعادتي عند كتابة أي سيرة ومسيرة لأي معلم:
#ما_اسم_والدك؟ ومتى وُلد؟ ولماذا تكرر الاسم؟
فقال ابنه #نجمي بكل فخر واعتزاز:
وُلد أبي #مفتاح_بن_مفتاح_بن_عامر_الزواغي في الواقع سنة 1922م، وفي المستندات الشخصية سنة 1923م، بمنطقة زواغة بصبراتة.
أما سبب تكرار الاسم، فهو أن والده #مفتاح استُشهد ووالدي في بطن أمه عائشة، رحمها الله تعالى، وعندما جاء إلى الدنيا سُمّي على اسم والده، فكان أصغر والديه، فعاش يتم الأب منذ ولادته.
وفي سن السابعة، دخل لتعلّم القرآن الكريم في مسجد زواغة العتيق، وكان يحفظ فيه الشيخ #زائد_كريديغ، رحمه الله تعالى، فوصل معه إلى جزء «عمّ»، لكنه لم يستمر، فترك المسجد وذهب للتعلم في المدرسة الإيطالية بصبراتة، التي كان مديرها السيد ساكنلي.
درس فيها لمدة خمس سنوات، تحصل خلالها على الشهادة الابتدائية، وللتاريخ، كان نظام الدراسة في المدرسة الإيطالية خمس سنوات.
بعدها تم تعيينه في مدرسة صبراتة المركزية، التي افتُتحت سنة 1935–1936م كأول مدرسة عربية في صبراتة، وكان مديرها الأستاذ #المبروك_الناجح، ويساعده محمد الحرك، ومعه من المعلمين #علي_الكيلاني، #محمد_الحصائري، #عمر_الأبيض، #مصطفى_أمين، ومعلمون من مصر وفلسطين.
وفي سنة 1939م توقفت الدراسة بسبب الحرب العالمية الثانية، فعاد أبي إلى تعلّم القرآن الكريم في مسجد زواغة، ولكن هذه المرة على يد الشيخ #محمد_الفطماني، فوصل معه إلى سورة «يس»، لكنه لم يستمر، فذهب إلى طرابلس لتعلّم قواعد النحو والصرف والبلاغة في جامع أحمد باشا.
بقي هناك سنة واحدة، تحصل خلالها على شهادة التعليم، فأُعيد تعيينه بتاريخ 1945/10/5 في محافظة غريان، وتحديدًا في مدينة ككلة، ومعه المعلم الفاضل #صلاح_الدين_الخطابي، الذي تم تعيينه في نالوت.
أما أبي فلم يذهب، حيث تقدم بطلب لإكمال دراسته في جامع الأزهر بمصر، ولكنه لم يذهب بسبب رغبة والدته عائشة في عدم ذهابه، لأنه كان أصغر أبنائها.
فعاد معلمًا في مدرسة صبراتة المركزية، التي كان يديرها المعلم الفاضل #المبروك_الناجح، وبقي معه حتى استلم إدارتها الأستاذ #سليمان_الحصائري سنة 1951م، فبقي أبي معه حتى سنة 1953م.
بعدها تم تكليفه مديرًا لمدرسة العلالقة العتيقة سنة 1954م، خلفًا للأستاذ #رجب_مركوس، وكان معه من المعلمين:
#أرحومة_سحاب #محمد_أبوسنينة #سعيد_عبدالحفيظ #محمد_غيطة #محمد_الترهوني وغيرهم. استمرا المعلم مفتاح بن مفتاح الزواغي مديراً لمدرسة القرقاز حتي سنة ١٩٨٥ وهي سنة تقاعدة من مجال التعليم فهو قد بقي في هذا المجال،( ٥٠ ) عاماً بين معلم ومديرا فحياتة كانت زاخرة بالصدق والإخلاص للوطن،
وفي سنة 1961م انتقل أبي إلى مدرسة زواغة العتيقة، ولكنه لم يبقَ فيها إلا أشهرًا، وذلك لتنظيم إدارتها، ثم عاد إلى مدرسة العلالقة العتيقة، وبقي فيها حتى انتقلت المدرسة سنة 1967م إلى مدرسة القزقاز الحديثة، فتولى إدارتها.
وكان معه من المعلمين:
#سالم_الحفيان #علي_يونس #رحب_عمر_وعلي #سعيد_خليفة_الغرياني وغيرهم.
إلى هنا أتوقف… لأترك بقية التفاصيل في مذكرتي، حتى يشاء الله نشر تلك السيرة والمسيرة العطرة كاملة.
فعلى أذان الظهر، الذي كان مسك الختام، كان الوداع مثل الاستقبال، بكل المحبة والتقدير.
فشكرًا لابنه #نجمي على جمع بعض المعلومات عن والده وإعدادها في ورقة، مما سهّل عليّ الأمر كثيرًا في توثيق هذه السيرة.
نلتقي
ملاحظة: كل الشكر والتقدير للحاج #محمد_أرحومة_الزواغي على المعلومة المتعلقة بدراسة القرآن، وكذلك بعض المعلومات عنه من المعلمين الرواد، سواء كانوا من تلاميذه أو زملائه خلال تلك المسيرة التعليمية.
والشكر موصول إلى الأستاذ عمر الهادي على تصحيح بعض المعلومات، ومنها أن شيخ القرآن هو زائد كريديغ وليس حسين، وكذلك وجود أخوه للمعلم مفتاح، وكذلك اسم أمه كاملًا.
ولا أنسى التحية دائمًا لرفيقي المبدع #محمد_كنان.
دمتم أوفياء للتاريخ والذكريات…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكن الحكاية لم تنتهِ برحيل المعلم مفتاح… فقد ترك وراءه أثرًا امتد إلى ابنه، الذي عرف التعليم أولًا من مقعد التلميذ، قبل أن يقف يومًا في الجهة الأخرى من الفصل معلّمًا.
فهذا الابن الذي تربّى على يد أبيه، وتعلّم منه، سيعود بنا التاريخ إلى سنوات مضت… حين كان تلميذًا يجلس في مدرسة يديرها والده، قبل أن يصبح هو نفسه معلّمًا يقف إلى جواره.
ومن هنا تبدأ الحكاية الثانية… حكاية الابن المعلم الفاضل محمد مفتاح مفتاح الزواغي.
#للتاريخ_حديث_الذكريات_مع_جمال_ابن_المعلم_الفاضل_محمد_مفتاح_الزواغي_رحمه_الله_تعالى
من أعماق التاريخ تأسست هويتي الوطنية على حضارة الأجداد، وفي بحر الذكريات وُلدت مدينتي التي ليست ككل مدائن البلاد؛ فرجالها عظماء، أكملوا مسيرة الأجداد بالعلم والجهاد، فحققوا للوطن التقدم والنجاح.
معلمو صبراتة وليبيا الرواد، رجال التضحية والفداء، والدليل السيرة والمسيرة، والبرهان التاريخ والذكريات. ففي كل المدن الليبية هم الرواد.
الزيارات مازالت مستمرة شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، من أجل تكريم معلمي صبراتة الرواد.
هذه المرة، وبعد أن أخذت صورة والده منذ سنة، جاءني اتصال من ابنه #جمال، وقد حدّد لي موعدًا لزيارته قبل ثلاثة أيام، مع تأكيده على بقائي لتناول وجبة الغداء.
فجاء الموعد الذي حدده، فكان يوم أمس السبت، الموافق 2026/9/5، حيث انطلقت في رحلة رفقة صديقي #زائد_ابومريفق، قطعنا خلالها مسافة خمسة عشر كيلومترًا جنوب صبراتة، حتى وصلنا إلى منزل حامل أوسمة الشرف الثلاثة.
فهو حفيد المجاهد #مفتاح_عامر_الزواغي، وابن المعلم الفاضل #مفتاح_بن_مفتاح_الزواغي، رحمهما الله تعالى، والوسام الأخير أنه من جيل الرواد؛ إنه المعلم الفاضل #محمد_مفتاح_مفتاح_الزواغي، رحمه الله تعالى، الذي ودّع الدنيا يوم 2010/1/14 عن عمر يناهز 66 عامًا.
فكان في استقبالنا ابنه #حسام، ثم أخوه #جمال، بكل حرارة المحبة والفخر والاعتزاز.
وأمام هذا الاستقبال كانت المفاجأة التي لم تكن في الحسبان؛ فقد وجدت أمامي صديق والده وزميله، المعلم الفاضل #خليفة_الغرياني، بينما غاب عن الحضور المعلم الفاضل #عبدالسلام_الوحيشي، فهو أحد المدعوين.
فهذا هو الوفاء، له ولنا نحن فريق البحث، وأمام هذه المفاجأة المدهشة توقف كل شيء للحظات.
في صالة الجلوس بدأ الحوار عن التعليم والمعلمين، زمانًا والآن، وكيف وصل الحال إلى أسوأ الأحوال، ثم انعطف بنا الحديث نحو سيرة ومسيرة المعلم الفاضل #محمد_مفتاح.
وهنا جاء سؤال الافتتاح الذي دائمًا ما يرافقني كمفتاح لحل أي لغز مرّ عليه عقود من الزمان، فسألت ابنه #جمال:
#ما_اسم_والدك؟ ومتى وُلد؟ وأين؟
فأجاب، وصور والده أمامه، وقد جمع فيها تاريخه وسيرته:
#وُلد أبي سنة 1944 في منطقة زواغة بصبراتة، وفي سن الثامنة ذهب لتعلّم القرآن الكريم في مسجد الحاج #زائد (زواغة العتيق)، الذي كان يعلّم فيه الشيخ #صالح_القماطي، فوصل معه إلى ربع القرآن (يس)، ثم ترك المسجد واتجه إلى الدراسة في مدرسة صبراتة المركزية سنة 1953، التي كان مديرها الأستاذ #سليمان_الحصائري، ومعه من المعلمين: #جدي_مفتاح_الزواغي، #محمد_الحرك، #عمر_الابيض، #محمد_الحصائري، #علي_اشنبيش وغيرهم.
فدرس فيها الصف الأول فقط، ثم انتقل إلى مدرسة العلالقة العتيقة، رفقة جدي #مفتاح، الذي استلم إدارتها من الأستاذ #رجب_مركوس سنة 1954.
فأكمل فيها بقية المرحلة الابتدائية على أيدي المعلمين الأفاضل: #علي_يونس، #محمد_ابوسنينه، #سعيد_عبدالحفيظ، #محمد_غيطه، #ارحومه_سحاب وغيرهم، فتحصل على الشهادة الابتدائية سنة 1959.
وانتقل بعدها لدراسة المرحلة الإعدادية في مدرسة صبراتة المركزية، التي كانت إدارتها تحت إشراف الأستاذ #سليمان_الحصائري، ثم استلم بعده الأستاذ #عمر_الدباشي.
وفي سنوات دراسته بالمرحلة الإعدادية كان المعلمون الموجودون فيها: #سالم_الحفيان، #محمد_سلطان، #الهادي_كاموكه، #عبدالسلام_هذلول، #الهادي_الدريدي، #سالم_كاموكه وغيرهم، حيث تحصل على الشهادة الإعدادية سنة 1961–1962.
وفي هذه الأثناء توقف الحديث للراحة، حيث «جابوا لنا كل خير»: ماء بارد، وحليب الإبل مع التمر والقهوة والحلويات.
ثم استُؤنف الحديث، فقال:
انتقل أبي لدراسة المرحلة التالية في معهد محمد المهدي السنوسي بطرابلس، الذي كان مديرًا له الأستاذ #محمد_الطاهر_شقليله، فبقي فيه أربعة أعوام، تحصل خلالها على إجازة التدريس الخاص، قسم الرياضيات والعلوم، سنة 1967.
فتم تنسيبه في مدرسة العلالقة العتيقة، التي كان مديرًا لها جدي #مفتاح، فبقي فيها سنة واحدة، بعدها انتقل الطلبة والكادر التعليمي إلى مدرسة العلالقة الجديدة (القزقاز)، تحت إشراف جدي الأستاذ #مفتاح_الزواغي أيضًا، فبقي فيها معلمًا حتى سنة 1978، بعدها انتقل إلي قسم التفتيش التربوي بمكتب تعليم صبراتة حيث بقي فيه حتى سنة ١٩٩٢ حيث تقاعد اختياري فترك مجال التعليم بعد مسيرة دامت ( ٢٥ ) عاماً من العطاء والكفاح والنجاح من أجل الواطن »
إلى هنا أتوقف عن سرد بقية السيرة.
فجميع أبنائه، #جمال_وحسام_وفؤاد، شاركوا في الحديث عن سيرة ومسيرة والدهم، ومعهم زميله وصديقه الأستاذ #خليفة_الغرياني، الذي كان له دور كبير في تأكيد السيرة والمسيرة.
ومن المفاجأة التي حدثت معي، ولأول مرة، أن المعلم الفاضل #محمد_مفتاح_الزواغي كان تلميذًا لدى والده الأستاذ #مفتاح في مدرسة صبراتة المركزية، ثم أصبح معلمًا إلى جانب والده الأستاذ #مفتاح في مدرسة العلالقة العتيقة والجديدة (القزقاز).
فيا لروعة القدر!
فعلى أذان الظهر انتهت السيرة والمسيرة، فكانت الصلاة في بيت الأستاذ #محمد رفقة أبنائه، وكذلك الأستاذ #خليفة_الغرياني.
وبعدها جاءت وجبة الغداء، التي كانت خاتمة هذا اللقاء الجميل، لقاءٍ امتزجت فيه الذكريات بالتاريخ، والوفاء بسيرة الرجال.
نلتقي
وأخيرًا، كل الشكر لعائلة المعلم الفاضل محمد مفتاح على حسن الاستقبال وكرم الضيافة وروعة الوداع… والصور تتحدث.
وهكذا تكتمل أمامنا صورة الحكاية…
أبٌ بدأ الطريق معلّمًا، وابنٌ بدأ تلميذًا على يديه، ثم سار في الطريق نفسه حتى أصبح معلّمًا إلى جواره.
ليست مجرد سيرة أب وابن، وإنما حكاية رسالة انتقلت من جيل إلى جيل، وبقي أثرها شاهدًا على رجالٍ جعلوا من العلم مهنة، ومن التعليم رسالة، ومن ذكرياتهم جزءًا من تاريخ صبراتة.
رحم الله المعلم الفاضل مفتاح الزواغي، ورحم ابنه المعلم الفاضل محمد مفتاح الزواغي، ورحم جميع معلمي صبراتة الرواد، وبقيت سيرتهم شاهدًا على زمنٍ كان للعلم فيه رجال.
دمتم أوفياء للتاريخ والذكريات…
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
