صفوح صادق شاعر فلسطيني
لربما بدأتُ حكايتي قبل أن أولد، في تلك اللحظة التي قرّر فيها التاريخ أن يختبر قدرة الإنسان على البقاء. يقولون إن الإنسان يولد مرة واحدة، لكنني كنت سأولد كل يوم، مع كل فجرٍ ينهض رغم الليل، ومع كل بيتٍ يُهدم ثم يُبنى في الذاكرة.
كنت سأولد في مدينةٍ يعرفها العالم من كثرة ما حاول أن ينسى اسمها. ربما في القدس، حيث تتداخل الأصوات كأنها صلاة واحدة، أو في غزة، حيث البحر يعلّم الأطفال كيف يقفون على حافة الموت دون أن يخافوا. وربما في قريةٍ صغيرةٍ لا تظهر على الخرائط، لكنها تظهر في قلب كل من عرف معنى الانتماء.
✦ الصفحة الأولى
لو كنتُ فلسطينيًا، لكان أول ما أتعلّمه هو الانتظار.
انتظار أن يفتح الحاجز، انتظار أن يعود أبي من عملٍ قد لا يصل إليه، انتظار أن تنتهي الغارة، انتظار أن يهدأ قلبي حين أسمع صفيرًا في السماء. لكنني كنت سأتعلم أيضًا أن الانتظار ليس ضعفًا، بل شكلًا من أشكال المقاومة، لأن من ينتظر لا يستسلم، ومن يصبر لا يُهزم.
كنت سأذهب إلى المدرسة فوق طرقٍ محفوفةٍ بالركام، أعدّ خطواتي كأنها انتصارات صغيرة. حقيبتي ستكون خفيفة، لكن قلبي سيكون أثقل من كل الحقائب، يحمل تاريخًا لا يُدرَّس في الكتب، بل يُكتب على الجدران، ويُحفر في الذاكرة.
وفي كل صباح، كنت سأرى أمي تقف أمام الباب، تراقب السماء قبل أن تراقب الطريق، كأنها تعرف أن الخطر يأتي من فوق قبل أن يأتي من أمام. كانت ستبتسم رغم كل شيء، لأن الابتسامة في فلسطين ليست رفاهية، بل ضرورة، مثل الماء والخبز.
✦ الصفحة الثانية
لو كنتُ فلسطينيًا، لربما كنت سأكبر أسرع من عمري.
سأفهم مبكرًا أن العالم ليس عادلاً، وأن الحقّ لا ينتصر دائمًا في اللحظة التي نريده فيها، لكنه ينتصر في النهاية، حين لا يتوقع أحد ذلك.
كنت سأجلس مع جدي في المساء، يستعيد حكاياتٍ عن بيتٍ لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة. كان سيخرج مفتاحًا صدئًا من جيبه، يرفعه أمامي كأنه يرفع علمًا، ويقول:
“هذا ليس مفتاح بيتٍ يا بني… هذا مفتاح وطن.”
كنت سأراه يبكي مرة واحدة فقط، حين يتذكر شجرة الليمون التي تركها خلفه. لكنه سيعود فيمسح دموعه سريعًا، لأن البكاء في فلسطين ليس ضعفًا، بل اعترافًا بأن القلب ما زال حيًا.
وفي الليل، حين يهدأ كل شيء، كنت سأسمع أصواتًا بعيدة، كأن الأرض تتنفس، كأنها تقول لنا:
“ابقوا… فأنا لم أُخلق لأُترك.”
✦ الصفحة الثالثة
لو كنتُ فلسطينيًا، لربما كنت سأعرف معنى الخوف، لكنني سأعرف أيضًا معنى الشجاعة.
الخوف حين يقترب صوت الطائرة، والشجاعة حين أرفع رأسي رغم ذلك.
الخوف حين يغيب أحدنا، والشجاعة حين نبحث عنه دون أن نفكر في أنفسنا.
الخوف حين ينهار جدار، والشجاعة حين نبني جدارًا آخر في القلب.
كنت سأرى الأطفال يلعبون كرة القدم في الأزقة الضيقة، يركضون بين البيوت كأنهم يركضون بين الأحلام. ضحكاتهم ستكون أعلى من صوت القصف، لأن الضحك في فلسطين ليس مجرد فرح، بل إعلانٌ بأن الحياة ما زالت هنا.
وفي يومٍ ما، ربما كنت سأقف أمام البحر في غزة، أراقب الموج وهو يضرب الصخور بلا خوف. كنت سأفهم حينها أن البحر يشبه الفلسطيني: محاصرٌ من كل الجهات، لكنه لا يتوقف عن الحركة، ولا يتوقف عن الغناء.
✦ الصفحة الرابعة
لو كنتُ فلسطينيًا، لربما كنت سأحمل في قلبي غضبًا كبيرًا، لكنه لن يكون غضبًا يدعو للكره، بل غضبًا يدعو للعدل.
غضبًا يجعلني أتمسّك بالأرض أكثر، وأحبّ الحياة أكثر، وأرفض أن أكون مجرد رقم في خبرٍ عابر.
كنت سأتعلم أن الوطن ليس قطعة أرضٍ فقط، بل هو الناس الذين يمشون عليها، والذكريات التي تُزرع فيها، والدموع التي تسقي ترابها، والضحكات التي تُنبت فيها الأمل.
وفي النهاية، حين يسألني أحدهم:
ماذا لو كنت فلسطينيًا؟
سأقول:
كنت سأكون إنسانًا يعرف أن الحرية ليست حلمًا، بل حقًا.
كنت سأكون قلبًا لا ينكسر، وصوتًا لا يصمت، ويدًا لا تتخلى.
كنت سأكون ابنًا لملحمةٍ لا تنتهي، وشاهدًا على أن الروح أقوى من السلاح، وأن الصباح يأتي…
حتى لو تأخر كثيرًا.
ولو كنتُ فلسطينيًا…
لكنتُ رغم القهر
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
