نجلاء السيد ((مصر ))
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تجلس أمام الذكاء الاصطناعي، وتحكي له فكرة تشغلك، تسأله عن مشكلة، تخبره بما تحب، أو تكتب شيئًا لم تخبر به أحدًا.
ثم تغلق الشاشة.
هل انتهى الأمر؟
هل اختفت كلماتك بمجرد أن أغلقت المحادثة؟
أم أنها ذهبت إلى مكان آخر؟
وهل الذكاء الاصطناعي يتذكرك فعلًا؟
هذه لم تعد أسئلة من أفلام الخيال العلمي.
لقد أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية، ولذلك نحتاج إلى فهم الحقيقة بعيدًا عن التخويف… وبعيدًا أيضًا عن الاطمئنان الزائد.
هل يعرف الذكاء الاصطناعي من أنت؟
الإجابة ليست «نعم» أو «لا».
الذكاء الاصطناعي لا يملك معرفة سحرية بحياتك. هو يتعامل مع المعلومات التي تقدمها له، والسياق والميزات والإعدادات المتاحة في الخدمة التي تستخدمها.
وفي ChatGPT، يمكن لميزة الذاكرة — عندما تكون متاحة ومفعّلة — أن تحتفظ ببعض المعلومات ذات الصلة من المحادثات أو المصادر المتاحة بهدف جعل الإجابات أكثر تخصيصًا.
لكن تذكّر معلومة عنك لا يعني امتلاك ملف كامل عن حياتك.
قد يعرف أنك تعمل على مشروع معين، أو تفضّل أسلوبًا معينًا، أو سبق أن تحدثت عن موضوع ما. لكنه لا يعني بالضرورة أنه يعرف كل ما تفكر فيه أو تشعر به.
أن يتذكرك النظام… لا يعني أنه يعرفك بالكامل.
هل محادثاتنا محفوظة؟
في المحادثات العادية، تظل المحادثات محفوظة في حسابك حتى تحذفها، ما لم تنطبق سياسة احتفاظ مختلفة على الحساب أو مساحة العمل.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
إغلاق المحادثة ليس حذفها.
أما عند حذف المحادثة، فتُزال من عرض حسابك فورًا، وتُجدول للحذف النهائي من أنظمة OpenAI خلال 30 يومًا، مع استثناءات محددة تتعلق مثلًا بالالتزامات القانونية أو الأمنية، أو إذا كانت البيانات قد أزيلت هويتها وفُصلت عن الحساب.
وهل كل ما نكتبه يُستخدم لتدريب الذكاء الاصطناعي؟
ليس بالضرورة.
في ChatGPT توجد إعدادات للتحكم في استخدام المحادثات لتحسين النماذج.
فعند إيقاف خيار Improve the model for everyone، لا تُستخدم المحادثات الجديدة لتدريب نماذج OpenAI، لكنها قد تظل موجودة في سجل المحادثات.
وهنا يظهر فرق مهم:
حفظ المحادثة شيء، واستخدام محتواها لتحسين النماذج شيء آخر.
وماذا عن الذاكرة؟
سجل المحادثات والذاكرة ليسا الشيء نفسه.
قد تكون معلومة موجودة في محادثة قديمة، وقد تكون هناك أيضًا معلومة احتفظ بها النظام كذاكرة لتخصيص التجربة.
لذلك حذف محادثة لا يعني بالضرورة أن كل معلومة مرتبطة بها كذاكرة قد اختفت أيضًا.
وتوضح OpenAI أن حذف الذاكرة، وحذف المحادثة الأصلية، وحذف الملفات أو إزالة اتصال التطبيقات التي تحتوي على المعلومة، قد تكون خطوات منفصلة بحسب مصدر المعلومة.
وماذا لو أردت محادثة أكثر خصوصية؟
هناك الدردشة المؤقتة Temporary Chat.
هذه الدردشات لا تظهر في سجل المحادثات، ولا تنشئ ذكريات أو تحدّثها، ولا تُستخدم لتحسين النماذج. ومع ذلك، قد تحتفظ OpenAI بنسخة منها لمدة تصل إلى 30 يومًا لأغراض السلامة.
وهنا قاعدة مهمة:
عدم ظهور المحادثة في السجل لا يعني أنها لم تمر عبر أنظمة الخدمة.
وماذا عن الصور والملفات؟
الأمر لا يتعلق بالكلمات فقط.
قد ترفع صورة أو PDF أو مستندًا أو جدولًا، وقد تُحفظ بعض الملفات بشكل منفصل في Library بحسب نوع الحساب والميزة المستخدمة.
ولهذا فإن حذف المحادثة لا يعني بالضرورة حذف ملف ما يزال محفوظًا في المكتبة؛ فالملفات المحفوظة هناك تُدار بشكل منفصل.
لذلك قبل أن ترفع أي ملف، اسأل نفسك:
ما الذي يحتويه هذا الملف؟
وأين يمكن أن يبقى؟
لكن هناك مشكلة أكبر من الذاكرة…
أحيانًا لا نحتاج إلى أن يخبرنا الذكاء الاصطناعي بشيء عن أنفسنا.
نحن من نخبره.
قد تسأله عن مشكلة صحية، ثم تذكر عمرك، ثم مكانك، ثم عملك، ثم شخصًا قريبًا منك، ثم مشكلة تواجهها.
كل معلومة تبدو صغيرة بمفردها.
لكن عندما تجتمع…
قد ترسم صورة أكبر بكثير مما كنت تقصد أن تكشفه.
وهذه قاعدة مهمة في العصر الرقمي:
المعلومة الصغيرة ليست دائمًا صغيرة عندما تجتمع مع غيرها.
ولهذا فالخصوصية لا تتعلق فقط بالذكاء الاصطناعي، وإنما أيضًا بالحسابات والأجهزة والملفات والخدمات المتصلة وأي أدوات أو تطبيقات تمنحها صلاحية الوصول إلى بياناتك.
طيب… كيف نتعامل مع الذكاء الاصطناعي؟
هنا نصل إلى السؤال الأهم.
هل الذكاء الاصطناعي خطر يجب أن نهرب منه؟
أم حدث تكنولوجي ضخم يجب أن نفهمه ونتعلم كيف نستخدمه؟
الأقرب إلى الواقع أنه أداة قوية جدًا.
ستغيّر طريقة العمل والتعلم والبحث والكتابة، وستتغير معها بعض الوظائف والمهام، وستظهر مهارات وأدوار جديدة.
لكن الخطر ليس فقط في أن تأخذ التكنولوجيا بعض الوظائف.
هناك خطر أكثر هدوءًا:
أن نتوقف عن استخدام عقولنا لأن الآلة أصبحت تفكر بسرعة نيابة عنا.
استخدم الذكاء الاصطناعي ليبحث معك.
ليشرح لك.
ليختصر وقتك.
ليساعدك على توليد الأفكار.
ليراجع عملك.
ليفتح لك أبوابًا لم تكن تعرفها.
لكن لا تجعله يقرر حياتك بدلًا منك.
لا تقل له دائمًا:
فكر لي.
اختر لي.
اكتب بدلًا مني.
قرر عني.
ناقشه.
اطلب منه أن يشرح.
تحقق من المعلومات المهمة.
خالفه عندما ترى سببًا لذلك.
واحتفظ لنفسك بالمساحة التي لا ينبغي لآلة أن تحتلها:
مساحة التفكير.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مساعدًا سريعًا وقويًا، لكنه ليس بديلًا عن حكمك أنت.
ولا تجعله يتحول من أداة إلى بديل عن البشر.
لا بأس أن تتحدث معه.
لكن لا تجعله الصديق الوحيد.
لا بأس أن تستخدمه في التعلم والعمل.
لكن لا تجعل الشاشة هي العالم الوحيد الذي تعيش فيه.
اترك الهاتف أحيانًا.
اجلس مع أهلك.
قابل أصدقاءك.
امشِ دون أن تفكر في تصوير كل خطوة.
تناول طعامك دون أن يكون أول همّك أن تلتقط له صورة.
اذهب إلى مكان جميل ولا تسأل نفسك فورًا:
كيف سأعرضه للناس؟
لأن هناك فرقًا بين أن تعيش اللحظة…
وأن تعيشها وأنت تفكر في كيفية عرضها.
ليس كل ما تأكله يحتاج إلى صورة.
وليس كل مكان تزوره يحتاج إلى منشور.
وليس كل شعور تمر به يحتاج إلى جمهور.
وليس كل لحظة جميلة تصبح أجمل عندما يراها الآخرون.
أحيانًا أجمل ما في الحياة هو الشيء الذي عشته أنت… ولم يعرف عنه أحد.
فلا تجعل حياتك فيلمًا مستمرًا تعرضه على منصة العالم الافتراضي.
عش حياتك أولًا.
ثم قرر ما يستحق أن تشاركه.
لا تخف من الذكاء الاصطناعي… افهمه
لا نحتاج إلى الهروب من الذكاء الاصطناعي.
ولا إلى تسليم حياتنا له.
نحتاج إلى أن نتعلمه.
أن نفهم حدوده.
أن نعرف كيف نحمي بياناتنا.
وأن نستخدم قدرته دون أن نتنازل عن قدرتنا.
لا تجعله يستخدمك… بل طوّعه ليخدمك.
استخدم سرعته دون أن تفقد حكمتك.
واستخدم قدرته دون أن تلغي قدرتك.
واجعله مساعدًا في حياتك…
لا مديرًا لها.
فالمستقبل ليس لمن يرفض الذكاء الاصطناعي، ولا لمن يسلم نفسه له.
بل لمن يعرف كيف يستخدمه…
ويبقى هو الإنسان.
وربما السؤال الذي يجب أن نسأله ليس فقط:
«ماذا يعرف الذكاء الاصطناعي عني؟»
بل:
«ماذا سمحتُ أنا للتكنولوجيا أن تعرفه عني؟
وماذا أريد أن أظل محتفظًا به لنفسي؟»
لأن الذكاء الاصطناعي لم يدخل حياتنا من تلقاء نفسه.
نحن فتحنا له الباب.
والآن…
علينا أن نتعلم كيف نستخدمه،
دون أن نسلمه مفاتيح البيت كله.
ومضة ، في عصر أصبحت فيه الكلمات بيانات… ربما يجب أن نفكر قبل أن نكتب، لا بعد أن نضغط «إرسال».
ويبقى السؤال هنا……
**كيف نستخدم التكنولوجيا دون أن نفقد أنفسنا؟**
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
