دراسة — 9 نوفمبر 2026. خسر الجمهوريون مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي. وبعد ساعات، ب����أ أبرز قادة اليمين المتطرف في أوروبا بالتبرّؤ من ترامب علناً. فهل سقط «الرجل العالمي» لليمين القومي؟ وما الذي يعنيه ذلك لأوروبا؟ هذه دراسة في الوقائع والاحتمالات، لا في التمنّي.
أولاً: ما حدث بالضبط
خسر حزب الرئيس دونالد ترامب السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، وهو ما وصفته وسائل إعلام أميركية وأوروبية بأنه «ضربة قوية» للرئيس في منتصف ولايته. والحال أن خسارة الحزب الحاكم مقاعد في انتخابات منتصف الولاية أمر معتاد تاريخياً؛ غير أن حجم الخسارة هذه المرة هو ما جعلها حدثاً أوروبياً، لا أميركياً فقط.
ويضاف إلى ذلك عامل لم يكن في الحسبان قبل عامين: الحرب مع إيران، التي دخلت شهرها التاسع، وتحوّلت من «ضربة محدودة» إلى ملف يضغط على أسعار الطاقة وعلى ميزانيات الأسر في أوروبا. وقد صرّح الرئيس ترامب نفسه في مناسبات عدة بأن الضربات «محدودة»، لكن الأثر الاقتصادي التراكمي لم يبقَ محدوداً.
ثانياً: ثلاث استجابات أوروبية متمايزة
الأولى — التبرّؤ الصريح. قالت أليس فايدل، المشاركة في رئاسة حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD)، إن ترامب «وعد ناخبيه بأنه لن يتبع سياسة خارجية تدخلية»، وإن «هذا الوعد المكسور عاد الآن ليطارد الجمهوريين»، واصفةً حجم الهزيمة بأنه «لافت». وفي فرنسا، رأى جوردان بارديلا، رئيس «التجمع الوطني»، أن «التدخل الأميركي في إيران» كانت له «عواقب ثقيلة جداً» على اقتصادات العالم. وفي إيطاليا، قال ماتيو سالفيني، زعيم «الرابطة»: «آمل أن تُفهم هزيمة الجمهوريين كتوقّف للتدخلية في العالم»، مضيفاً أن النتيجة «تأثّرت قبل كل شيء بالحروب والتوترات الدولية وارتفاع كلفة المعيشة».
الثانية — الصمت المتكتّم. وهذا هو الخيار الأكثر انتشاراً بين الأحزاب التي لا تريد أن تبدو وكأنها تحتفل بسقوط حليف، ولا أن تدافع عنه. الصمت هنا ليس تردداً، بل حساب: أي كلمة قد تُستخدم ضدها في الحملات المقبلة.
الثالثة — النأي الأناني. وفي إسبانيا، حيث انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر، ردّ سانتياغو أباسكال، زعيم «فوكس»، على سؤال عن الانتخابات الأميركية بجملة واحدة: «أنا في سيوداد ريال، ولست في ميشيغان لأحلّل انتخابات… وفي ضوء انتخابات 29 نوفمبر، لا يهمّني ما يحدث في بلدان أخرى». وهذا هو النمط الذي توقّعه محللون: أحزاب قومية، في النهاية، لا تُلزم نفسها بأحد.
ثالثاً: لماذا يتبرّأون الآن؟
ثلاثة دوافع تتقاطع. الأول: الحرب والطاقة. لم تعد حرب إيران ملفاً بعيداً؛ فهي تظهر في فاتورة التدفئة وفي أسعار المحروقات، وهي بالضبط الملف الذي يبني عليه اليمين المتطرف شعبيته. عندما يصبح «الحليف الأميركي» سبباً في غلاء المعيشة، يصبح عبئاً لا رصيداً.
الثاني: تضرّر «العلامة». يقول موجتابا رحمن من مجموعة «أوراسيا» إن قادة اليمين المتطرف في أوروبا «يبتعدون عن ماركة ماغا منذ مدة»، وإن الارتباط بها أصبح «عبئاً انتخابياً» بعد ملف غرينلاند ثم الحرب. أما جورج ساماراس من «كينغز كوليدج» فيذهب أبعد: «بعد عامين من إدارة اقتصادية كارثية، مكانته الدولية ذهبت… الأمر أشبه بأن اليمين المتطرف يفقد قائده العالمي».
الثالث: الاستحقاقات القادمة. إسبانيا في 29 نوفمبر، وفرنسا برئاسيات 2027. وأي حزب يريد أن يصل إلى السلطة يحتاج إلى «تطبيع» لا إلى «تلمّذ». وهنا المفارقة: كان اليمين المتطرف يأمل أن يمنحه ترامب شرعية؛ فإذا به يضطر إلى التبرّؤ منه ليكسب الشرعية المحلية.
رابعاً: الوجه الآخر — لا جنازة ولا نصر
من الخطأ قراءة ما يجري كـ«نهاية اليمين المتطرف في أوروبا». فالأرقام لا تقول ذلك: حزب «البديل» حقق نتائج قوية في انتخابات ولائية ألمانية في سبتمبر، و«التجمع الوطني» ما زال قادراً على المنافسة في 2027، و«فوكس» يحكم مناطق ويدخل انتخابات إسبانيا بثقة. ما يتغيّر ليس حجم هذه الأحزاب، بل مصدر شرعيتها.
التبرّؤ من ترامب هو، في جوهره، عملية «توطين»: تحويل الخطاب من «نحن جزء من موجة عالمية» إلى «نحن حماية وطنية». وهذه صيغة أخطر على الديمقراطيات الأوروبية من الصيغة الأولى، لأنها تُفرغ الأحزاب من الالتزامات الخارجية وتتركها حرّة في الداخل: الهجرة، والقضاء، والإعلام، وحقوق الأقليات.
كما أن الانفصال ليس مجانياً. لقد استفادت هذه الأحزاب من شبكات تمويل وخبرة وتغطية إعلامية عابرة للحدود. وقطع هذه الشبكات يُضعف آلة الدعاية، لكنه لا يمسّ قاعدة الناخبين التي بُنيت على أسباب داخلية: الإسكان، والأجور، والأمن، والهجرة.
خامساً: ماذا يعني ذلك لأوروبا عملياً؟
1) الدفاع: مع تراجع الثقة في واشنطن، تصبح «الاستقلالية الأوروبية» خطاباً مقبولاً حتى عند اليمين. وهذا يفتح نافذة لمشاريع مشتركة كانت تُعطَّل بدعوى «الاعتماد على الناتو».
2) أوكرانيا: الحرب الإيرانية استنزفت المخزون الأميركي والانتباه السياسي. أي تأخير في الدعم يُقرأ في كييف كإشارة، وفي موسكو كفرصة.
3) الهجرة: سيبقى الملف الأقوى انتخابياً، لكن أدواته ستُعاد صياغتها: «ترحيل» و«حدود خارجية» بدل «تحالف مع واشنطن». والمثال الإسباني (طوارئ إل هييرو) يُظهر أن الأرقام تسبق الخطابات.
4) التجارة: مع تراجع «الورقة الأميركية»، تُصبح بروكسل أكثر ميلاً إلى التسويات والاتفاقات التجارية، وأقلّ ميلاً إلى التصعيد.
5) الخطاب الأخلاقي: غياب «الحليف الأميركي» يرفع كلفة الخطاب المتشدّد، ويعيد ملفات مثل غزة وحقوق الإنسان إلى واجهة النقاش الأوروبي، لا لأن الأخلاق انتصرت، بل لأن الحسابات تغيّرت.
سادساً: دلالات للمنطقة العربية
إيران: أي «فتور» بين اليمين الأوروبي وترامب لا يعني تقارباً مع طهران. بل قد يعني العكس: أحزاب تريد أن تُثبت «الجدية» في ملف إيران دون أن تُكلّف نفسها حرباً. النتيجة المتوقعة: عقوبات أوروبية أشدّ، وخطاب أكثر حذراً من التصعيد العسكري.
الخليج: استهداف الرياض وارتفاع مخاطر الملاحة في هرمز يدفعان دول الخليج إلى تنويع الشراكات. أوروبا التي تبحث عن «استقلالية» قد تجد في الخليج شريكاً للطاقة والاستثمار، لا مجرّد سوق سلاح.
شمال أفريقيا: ملف الهجرة سيُعاد تسعيره بثلاثة أرقام: عدد الواصلين، وكلفة الاستقبال، وكلفة الترحيل. والدول المغاربية ستُطالب بـ«مقابل» مالي أوروبي، لا بـ«تعاون» فحسب.
فلسطين: كلما ضعفت «الورقة الأميركية» في أوروبا، ارتفعت كلفة الصمت. لا يعني ذلك تحوّلاً جذرياً، لكنه يعني مزيداً من البيانات الأوروبية «الحرجة»، ومزيداً من الضغط في ملف المستوطنات والتمويل.
خلاصة: إعادة تموضع لا انهيار
ما يحدث الآن ليس سقوط اليمين المتطرف، بل تغيير في سندره الخارجي. الرجل العالمي الذي أرادوا أن يستندوا إليه خسر، فبدأوا يبحثون عن شرعية داخلية بديلة. وهذا يجعلهم أكثر «وطنية» في الخطاب، وأكثر براغماتية في التحالفات، وأقلّ التزاماً بأي سقف أخلاقي ثابت.
أما الدرس الأهم لمن يتابع من المنطقة العربية فهو أن أوروبا تُعيد ترتيب أولوياتها بسرعة أكبر مما تُعيد صياغة مبادئها. ومن يريد أن يكون شريكاً فعلياً في هذه المرحلة يحتاج إلى مصالح واضحة وملفات موثّقة، لا إلى خطابات تُذكّر أوروبا بقيمها — فهي تتذكّرها فقط عندما تصبح مربحة أو مُكلِفة.
المصادر: تقرير TIME (6 نوفمبر 2026) عن تراجع قادة اليمين الأوروبي عن ترامب بعد هزيمة الانتخابات النصفية، ويتضمّن تصريحات فايدل (AfD) وبارديلا (التجمع الوطني) وسالفيني (الرابطة) وأباسكال (فوكس)، وتحليلات موجتابا رحمن (أوراسيا) وجورج ساماراس (كينغز كوليدج) وأوريل موندون (باث). وتقريرات NOS/VRT عن نتائج الانتخابات النصفية وحرب إيران وملف الهجرة (إل هييرو) خلال 5–8 نوفمبر 2026. التقرير تحليلي، والآراء الواردة فيه منسوبة إلى أصحابها.
المراجع
- Tiago Ventura, «How Europe’s Far-Right Leaders Are Backing Away From Trump After Midterm Losses», TIME, 6 نوفمبر 2026 — الرابط (المصدر الأساسي لتصريحات فايدل وبارديلا وسالفيني وأباسكال، ولتحليلات رحمن وساماراس وموندون).
- «Twee vrouwen en een man dood gevonden in huis schutter Krakau», NOS, 7–8 نوفمبر 2026 — الرابط (سياق صعود العنف المتطرّف في أوروبا).
- «Meer details bekend over aanslagpleger Krakau, motief Michal O. nog onduidelijk», NOS, 8 نوفمبر 2026 — الرابط.
- «Amerikaans leger zegt schip in Golf van Oman te hebben beschoten», NOS, 8 نوفمبر 2026 — الرابط (أثر الحرب على الملاحة والطاقة).
- «Noodtoestand op Canarisch eiland El Hierro: 3000 migranten in een week», NOS, 7 نوفمبر 2026 — الرابط (ملف الهجرة وأرقامه).
- «Gemeenten nemen ‘pijnlijke maatregelen’ om extreme kosten jeugdzorg te betalen», NOS/Nieuwsuur, 8 نوفمبر 2026 — الرابط (ضغط الميزانيات الاجتماعية في أوروبا).
- «Politicoloog Dave Sinardet over crisis», VRT NWS, 8 نوفمبر 2026 — الرابط.
- «Kellogg’s schrapt hele rijstkorrels», VRT NWS, 7 نوفمبر 2026 — الرابط (كلفة المعيشة وسلاسل الإمداد).
منهج الدراسة: الوقائع منقولة من المصادر أعلاه. تحليل: شبكة المدار الإعلامية الأوروبية · بروكسل. كل رأي منسوب إلى صاحبه، وكل رقم مذكور في متنه قابل للتتبّع في مصدره. ولم يُستخدم أي مصدر مجهول الهوية.
