شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تمر الحرب الأمريكية الإيرانية بمرحلة غير محسومة، تجمع بين التصعيد العسكري ومسار الدبلوماسية، في أعقاب التهديدات المتبادلة بين الجانبين بالعودة إلى الهجمات، والاجتماع الذي جمع الطرفين على هامش أعمال الدور الـ (81) للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي انعقدت في سبتمبر 2026. تصدر مضيق هرمز المباحثات الأخيرة بينهما، وتضمن مقترح الـ (7) أيام الإيراني بشأن إنهاء الحرب، إعادة فتح المضيق مقابل وقف الأعمال القتالية، وإنهاء الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية ورفع العقوبات، ما يشير إلى تصاعد التوترات في المضيق، الذي أصبح عاملًا حاسمًا في الصراع بين واشنطن وطهران.
إنشاء آليات إنذار مبكر ومراقبة بحرية مشتركة
يزداد الوضع تعقيدًا في مضيق هرمز بعد أكثر من سبعة أشهر من الحرب. وتقول نيتيا لاب، زميلة في برنامج الأمن الدولي بمركز “تشاتام هاوس”، إن “مذكرة التفاهم التي تم توقيعها في يونيو 2026 بين واشنطن وطهران، كانت محاولة للخروج من الأزمة دبلوماسيًا، إلا أنها كانت مليئة بالغموض، بجانب غياب التفاصيل الفنية المتعلقة بالمضيق، لذا يجب أن يكون خفض التصعيد متبادلًا وتدريجيًا وقابلًا للتحقق”، منوهة إلى أن الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمته إدارة باراك أوباما عام 2015، استغرق سنوات بمساهمة فريق عمل من الخبراء.
تشير نيتيا لاب إلى أن آليات ضمان تنفيذ أي اتفاق مستقبلي، يمكن أن تعتمد على أطراف متعددة، التي قد تلعب دورًا هامًا في التوصل إلى اتفاق دائم، وتسعى دول الخليج إلى وضع ترتيبات لإعادة إحياء الملاحة التجارية، وشكلت المملكة المتحدة وفرنسا تحالفًا دوليًا لإعادة الملاحة عبر المضيق. وبإمكان هذه الدول المساعدة في تنفيذ إعادة فتح المضيق عبر مراقبة الالتزام بالاتفاق وتقديم التطمينات، كما أن وجود قوى داعمة من شأنه أن يخلق بيئة يسهل فيها على واشنطن وطهران تنفيذ اتفاق سياسي بدلًا من تقويضه.
يقع على عاتق دول أوروبا والخليج مسؤولية تأسيس آليات إنذار مبكر في المضيق، في حال التوصل إلى اتفاق آخر بين واشنطن وطهران، نظرًا لاعتبارات تتعلق بمواقفها الحالية من الحرب، إضافة إلى كونها الأطراف الأكثر تضررًا من تداعيات إغلاق المضيق، ولامتلاكها خبرات سابقة في حماية الملاحة البحرية. أطلقت دول أوروبية في فبراير 2020، مهمة “EMASoH” في مضيق هرمز، وتضم المهمة ذراعًا عسكرية هي عملية “أجينور”، التي تعمل على المراقبة البحرية وتعزيز الوعي بالوضع البحري، وتبادل المعلومات والتنسيق مع الشركاء الإقليميين، وفق القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
أطلق الاتحاد الأوروبي في فبراير 2024، عملية “أسبيدس” لحماية السفن التجارية ومرافقتها في البحر الأحمر وخليج عدن والمياه المجاورة ضد أي تهديدات هجينة أو هجمات تستهدف حركة الشحن. تعد هذه المهام نموذجًا يمكن البناء عليه في تشكيل دوريات بحرية في مضيق هرمز، لاسيما وأن الدول الأوروبية تفضل قيادة عمليات متعددة الجنسيات، في إطار قواعد اشتباك محددة وحماية الملاحة وليس المشاركة في نزاع إقليمي. يتوقف نجاح إنشاء آليات إنذار مبكر بالمضيق على استدامة وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، وتوافق أوروبي على توسيع مهام “EMASoH” و”أسبيدس”، وانضمام دول خليجية رسميًا إلى هذه المهام، وعودة شركات التأمين والشحن إلى العبور، باعتبارها مقياسًا لعودة الثقة في الممر المائي.
تطوير التعاون الأوروبي- الخليجي في حماية الملاحة
أمن الطاقة والمنشآت النفطية والغازية
يمثل التعاون الأوروبي الخليجي في تأمين إمدادات الطاقة بالمضيق مستقبلًا من أكثر النقاط أهمية للطرفين، في ضوء سعي أوروبا لتنويع الإمدادات، ورغبة الخليج في حماية وتنويع منافذ التصدير، لاسيما أن قطر تمد الاتحاد الأوروبي بنحو (4%) من وارداته من الغاز، و(8%) من وارداته من الغاز المسال في الربع الثاني من 2025. وارتفعت فاتورة الوقود الأحفوري للاتحاد الأوروبي بنحو (25) مليار يورو في (43) يومًا من الحرب.
قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إن “الاتحاد مستعد للتعاون مع دول الخليج لتنويع البنية التصديرية بعيدًا عن هرمز”، وعرضت المساعدة في إصلاح المنشآت الخليجية المتضررة، مؤكدة على ارتباط أمن أوروبا باستقرار الخليج. أكدت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، على أن الشراكة مع الخليج يجب أن تصبح شراكة استراتيجية أوسع، واقترحت توسيع نطاق “أسبيدس” من الحماية لتنسيق بحري مشترك متطور. تتجه التوقعات إلى احتمالية إبرام عقود أوروبية طويلة الأجل مع دول الخليج بشأن إمدادات الطاقة، وتقديم الخبرة لإصلاح بعض المنشآت النفطية والغازية المتضررة.
الأمن السيبراني للموانئ والمنشآت الحيوية
يحذر يوري هارت، نائب رئيس قسم المنتجات والحلول بشركة “مارلينك” للاتصالات، من تحول إيران من تهديد ثانوي إلى راعٍ رئيسي للهجمات الإلكترونية الجيوسياسية الممزوجة بالتجسس، وجعلت الحرب على إيران مضيق هرمز محورًا للأمن المادي، وباتت الجبهة الإلكترونية معركة أوسع نطاقًا. شددت فرنسا وبريطانيا على أن المهمة البحرية بالمضيق، لن تبدأ إلا بعد انتهاء الحرب، وستشمل المرافقة البحرية، والمراقبة، وتبادل المعلومات، وإزالة الألغام. إذ اتفق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وسلطان سلطنة عمان هيثم بن طارق، على التعاون الفرنسي العماني في عملية إزالة الألغام المستقبلية. وأكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، أن أي مشاركة ألمانية بالمهمة تتطلب انتهاء الحرب وأساس قانوني مناسب. طرح الحوار الدبلوماسي السيبراني الأول بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، في أكتوبر 2025، سبل التعاون بين الجانبين. ويدعو كريستيان بوغر، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة كوبنهاغن، إلى أن يلعب الاتحاد الأوروبي دورًا قياديًا في الترتيبات المستقبلية الخاصة بالمضيق، مستفيدًا من خبراته في تنظيم العمليات البحرية متعددة الأطراف، ومن بنية قوية لتبادل المعلومات.
تدريبات واستجابة مشتركة للطوارئ
تظل فرص تنفيذ تدريبات مشتركة قائمة، استنادَا إلى تدريبات مماثلة في السنوات الماضية. وتعد سلسلة التمرين البحري الدولي “IMX” التي بدأت في 2012، نموذجًا للتعاون الأوروبي الخليجي. وفي نسخة 2022، شاركت في التدريب نحو (60) دولة ومنظمة دولية عبر الخليج العربي وبحر العرب وخليج عمان والبحر الأحمر. وفي نسخة 2023، ضم التدريب البحرين، وهولندا، وكندا، وقطر، وغيرها. وفي نسخة 2025، شملت التدريبات مهام كسح الألغام بمشاركة أكثر من (30) دولة، من بينهم، البحرين، وعمان، وقطر، والإمارات، بجانب الأوروبيين. شاركت فرنسا وبريطانيا مع أستراليا والولايات المتحدة في الخليج العربي، في تدريب 2021 “Artemis Trident” لكسح الألغام، بأكثر من (700) فرد و(7) سفن كسح، وهو أقرب تدريب للنموذج المتوقع للمهمة الأوروبية المخططة بعد الحرب. أقر الاجتماع الوزاري الاستثنائي بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، في 5 مارس 2026، بأهمية عمليتي “أسبيدس”، و”أتلانتا” لحماية الممرات المائية، مما يوفر أساسًا سياسيًا لتعزيز التنسيق والتدريبات.
قنوات اتصال لمنع سوء التقدير والتصعيد
يرى إميليانو أليساندري، الزميل المشارك بمعهد الشرق الأوسط، أن على أوروبا والخليج استغلال تداعيات الصراع الأمريكي الإيراني، لصياغة مذكرة تفاهم خاصة بهما، لتعزيز القدرة على الصمود، وأن تتجاوز الركائز التقليدية للتعاون الاقتصادي، وتشمل التعاون في إدارة الأزمات وحماية الأمن العسكري والاقتصادي والبنية التحتية الحيوية، مشيرًا إلى أن عدة دول أوروبية أثبتت قدرتها على تقديم دعم عملي للخليج وإن كان محدودًا، وعززت المملكة المتحدة وجودها العسكري الإقليمي وعمقت تعاونها الدفاعي مع قطر، وكثفت فرنسا تعاونها، لاسيما مع الإمارات بصفتها شريكًا دفاعيًا للخليج.
ويوضح إيميليانو أليساندري، في مقال آخر بمؤسسة “غلوبسيك للأمن العالمي”، أن محور الشراكة بين أوروبا والخليج، لا يجب تصوره كقطب ثالث بين الولايات المتحدة والصين، بل تمنح هذه التعددية مرونة للمنطقة لمواجهة التهديدات، وينبغي أن تعمل أوروبا إلى جانب الخليج، في إطار سياسة الردع والاحتواء والدبلوماسية المستدامة، لحماية الملاحة ومنع التصعيد ومعالجة المخاطر النووية، مشددًا على أهمية انتهاج نهج عملي لمواجهة تراجع النفوذ الأوروبي في المنطقة.
دور مجلس الأمن والمنظمة البحرية الدولية
اعتمد مجلس الأمن، في 11 مارس 2026، قرار (2817) الصادر بمبادرة بحرينية بأغلبية (13) صوتًا وامتناع من الصين وروسيا، وأدان الهجمات الإيرانية على الخليج وتهديد الملاحة في هرمز. ولم يمر مشروع بحريني خليجي آخر بشأن هرمز، في 7 أبريل 2026، بعد فيتو روسي وصيني. وعقدت جلسات بشأن حماية الممرات المائية، في 27 أبريل 2026. وبدأت فرنسا، في 22 سبتمبر 2026، صياغة مشروع جديد بالتنسيق مع الولايات المتحدة، لفصل وضع هرمز عن الصراع الحالي.
بالمثل، أدانت المنظمة البحرية الدولية، في مارس 2026، وبمشاركة أكثر من (120) دولة، الهجمات على السفن والإغلاق للمضيق. وأعدت في أبريل 2026، خطة لإجلاء نحو ألف سفينة و(20) ألف بحار. تقدمت المنظمة، في 27 أبريل 2026، بإحاطة لمجلس الأمن، تمت بالتشاور مع دول الخليج حول مضيق هرمز. خلال يونيو 2026، أعلنت المنظمة بدء تنفيذ خطة لإجلاء أكثر من (11) ألف بحار، قبل تعليق العملية مؤقتًا عقب هجوم على سفينة بخليج عمان.
تقييم وقراءة مستقبلية
– يعد الوضع في مضيق هرمز اختبارًا لدور أوروبا السياسي على الساحة الدولية، وقدرة دول الخليج على تجاوز تداعيات هذه الأزمة، الأمر الذي يؤكد على توافق المصالح الأوروبية الخليجية في إعادة فتح مضيق هرمز دون اللجوء لحل عسكري، ومن المتوقع أن يكثف الجانبان المناقشة خلال المرحلة الحالية حول آليات فتح المضيق، واستراتيجية التعامل مع تبعات الإغلاق والهجمات في مرحلة ما بعد الحرب.
– كشف إغلاق مضيق هرمز عن هشاشة أمن الطاقة وتصاعد الهجمات الهجينة والسيبرانية، ما يهدد الأمن السيبراني والبنية التحتية بالمضيق. وهنا يبرز دور أوروبا في تقديم الدعم التقني لدول الخليج لمواجهة هذه التهديدات وتداعياتها في مرحلة ما بعد فتح المضيق. ومن المرجح أن يبرم الجانبان اتفاقيات لحماية الكابلات البحرية، والمشاركة في إعادة إعمار منشآت الطاقة وإصلاح البنية التحتية المتضررة من الهجمات، بتقديم الخبرة الأوروبية في هذا المجال، مقابل التمويل الخليجي لهذه المشروعات.
– من المحتمل أن تأخذ الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، أبعادًا أكثر شمولًا وعمقًا في مجالات الدفاع المتكامل ضد الهجمات الجوية والصاروخية والطائرات المسيرة، نظرًا لامتلاك أوروبا قدرات متطورة، ولإدراكها أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها الاستراتيجي. ومن المتوقع أن يتعاون الجانبان بشكل أوسع في قطاع الصناعات الدفاعية، بشكل يضمن لأوروبا أن تعيد تموضعها في المنطقة بصورة أفضل، ويرفع من قدرات الخليج لمواجهة أي تهديدات محتملة.
– يرفض التكتل الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي الحل العسكري في مضيق هرمز، ما يدفعهما إلى إعداد خطة تدريبات مشتركة، وتجهيز آليات إنذار مبكر لحماية الملاحة وحركة السفن التجارية ومنشآت الطاقة، مع احتمال توسع المهام الأوروبية البحرية الحالية في خليج عدن والبحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز.
– رغم رغبة أوروبا والخليج، في اتخاذ خطوات جادة لإعادة فتح هرمز، والتوسط لحل الخلاف الأمريكي والإيراني حول المضيق، فإن هناك عدة تحديات أمام هذه الرغبة، أبرزها؛ فقدان الثقة المتبادلة بين واشنطن وطهران، والانقسام الأوروبي حول المشاركة في مهمة بحرية دولية لإزالة الألغام وتأمين المضيق، وصعوبة مهمة إزالة الألغام وعودة حركة التجارة والملاحة إلى طبيعتها سريعًا.
– ينبغي أن تعمل دول أوروبا والخليج على ضمان استقرار البيئة البحرية أولًا في مضيق هرمز، والتأكد من التزام الطرفين الأمريكي والإيراني، بأي اتفاق مستقبلي لوقف القتال تدريجيًا مقابل فتح المضيق، ومحاولة إقناع واشنطن بتخفيف العقوبات الأخيرة المفروضة على إيران، ورفع الحصار على موانئها تدريجيًا، شريطة التزام طهران بمعايير سلوكية، تدعم المهمة الأوروبية المرتقبة ودور المنظمة البحرية الدولية في إعادة ضبط الأمن بالمضيق مجددًا.
– رغم أن قرارات مجلس الأمن بشأن مضيق هرمز لم تكن مؤثرة، نظرًا لانقسام الدول الأعضاء، فمن المتوقع أن تلجأ أوروبا والخليج إلى هذا المسار الدبلوماسي، لتمرير قرارًا لإعادة فتح مضيق هرمز، بعد أن قدمت فرنسا قرارًا يدعم حرية الملاحة في هرمز ويضمن أمن إمدادات الطاقة، في ظل رفض واشنطن لمقترح إيران الأخير وتعثر المباحثات بينهما من جديد.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
