صفوح صادق
على حافةِ الرّيح..
حيث الغيومُ ثقيلةٌ بالأسى
والحكاياتُ تنبتُ من بين رمادِ البيوت،
يقفُ طفلٌ..
يعانقُ ظلاً تشرّدَ في الجهات الأربعْ.
لا سقفَ يسترُ حزنه،
سوى قبةٍ من نداءٍ مبيّضْ.
هنا..
تنبجسُ الأرضُ دمعاً وناياً،
ويكتبُ صمتُ الحجارةِ
تاريخَ جرحٍ قديمٍ جديدْ.
تكسّرَ ريشُ السَّنونو على عتباتِ المدى،
وأطبقَ ليلُ المدى
على أفقٍ بالدّماءِ مُضاءْ.
لكنَّ..
تحت الرّكامِ المدجّجِ بالصَّمتِ،
نبضٌ عنيدْ..
كخيطِ ضياءٍ يشقُّ ظلامَ المداخنْ.
كأنَّ الجراحَ ينابيعُ طينٍ
تُبلسمُ وجعَ السِّنينْ..
فلسطينُ..
يا سيدةَ الموجِ،
يا جرحنا الأبديَّ المضمّخَ بالياسمينْ.
وفي ذاكرةِ الزّيتونِ..
تستيقظُ الأمهاتُ على صمتِ فجرٍ بعيدْ.
يمسحنَ عن وجهِ طينِ البلادِ غبارَ السُّرى،
ويحفظنَ أسماءَ تلك الدُّروبِ..
دروبِ العودةِ،
حيث الجدودُ أماناتهم في الجيوبِ الحصينةْ.
تلك المفاتيحُ..
المعلّقةٌ فوق حائطِ صمتِ السنينْ،
ليست مجردَ حديدٍ صدئْ،
بل هي العهدُ..
والنبضُ حين يعودُ الحنينْ.
توارثها الجيلُ طفلاً فشيخاً،
كأنَّ المدى ضاقَ إلاّ عليها،
وإلاّ عليها التقتْ أضلعُ الحانيينْ.
وفي حارةِ العزِّ..
تأسى الجدرانُ على عتباتِ الدُّورْ،
تحرسُ ظلاً قديماً لخطوِ الشبابْ.
هنا رُسمت الحُلمُ يوماً،
وهنا زرعوا وردةً في ترابِ الجوابْ.
فلا البعدُ أنسى الشَّوارعَ أرواحها،
ولا العاصفةْ..
استطاعتْ أن تقتلعَ اسمَ البلادِ
من الذاكرةِ العارفهْ.
هنا الوطنُ..
أغنيةٌ فوق حنجرةِ الموجِ،
شموخُ نخيلٍ تحدّى الرِّياحْ،
وذاكرةٌ لا تساومُ..
حتى يفوحَ ترابُ الجراحِ صباحاً،
وينبتَ حلمُ اللقاءِ متاحْ.
وفي البالِ..
رائحةُ القهوةِ الأولى على شرفاتِ القدسْ،
وحين تلاطفُ أنفاسُ الصّبحِ نافذةَ البيتِ،
تصحو الدّوالي على نغمةِ الحادي.
هناك..
حيث الترابُ يُطرّزُ ثوبَ العروسِ بصبرِ الجبالْ،
وتحكي الحكايا لأطفالِ طوقِ الياسمينِ:
عن البرتقالِ الذي لم يمتْ في الجذوعْ،
عن الحقلِ حين يواربُ بابَ المدى للرّجوعْ.
فلا البعدُ أنقصَ من نبضنا،
ولا الليلُ أطفأ في العينِ قنديلَ ذاك الطلوعْ.
فلا تَجزَعوا..
إن طالَ ليلُ المدى،
فخلفَ الغمامِ شروقٌ يلوحْ.
وإن سكنَ الشَّوقُ أعماقنا،
فإنَّ الدِّماءَ روتْ كلَّ شبرٍ،
لتنبضَ في كفِّ طفلٍ صبوحْ.
سلامٌ على أرضنا الطّاهرةْ،
سلامٌ على حلمنا النابضِ،
فالقيدُ مهما توحّشَ ظُلماً،
سيَكسره النُّورُ..
حين يعودُ الصباحُ،
وتفتحُ أبوابُ تلك الدّارْ.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
