الأربعاء. يوليو 29th, 2026
0 0
Read Time:3 Minute, 49 Second

أ . د . محمد عيسى مهنى .

النص :
فينوس
ايتها الانثي
الناعمة الجريئة ….

خلقت من جزء ايسر صغير
لكنك ملكت كل جزئيات اليقين ….

تحملين في راسك الصغير
ملايين الفراشات الملونة
بالوان قوس قزح …..

وينطق ثغرك الكلم باحرف كل لغات البشر …

يم عينيك يغوص فيه السائلون…

سرك ايتها الانثي
في ان ضعفك وقوتك في خنوعك الضئيل…

جمعت بين الخنوع والسطوع وجعلت منهما مشعلا يضي لك الدروب ….

ايتها الانثي
خلقت للرجل سكنا
واحيانا سكينا
ينغرس في خاصرته
فينزف عن طيب خاطر حبا …

ايتها الانثي
فينوس اسيا زليخة هيام مفيدة استر
حيرت الملوك والسلاطين …
قالوا عنك ناقصة عقل ودين
لم بكونوا يعلموا ان
الخالق ابدع خلقه فيك .. .
وخلق لك عقلا يوازي عقول المفكرين ..
فبنظرة واحدة اخدت خلسة
وصفت الجنة والنعيم ..
ايتها الانثي
انت من نقش اسمها علي
ابواب قصور جنه العليين …
فلولاك لم اكتمل القمر
وانجب الالالي
أيتها الانثى …
انثري عطرك الفواح في أرجاء الكون ….
وجملي الدنيا بحضورك

د.مفيدة محمد جبران

القراءة :
تنهض الأديبة د. مفيدة محمد جبران في هذا النص على رؤية احتفائية بالأنثى، لا بوصفها كائنًا جماليًا فحسب، بل بوصفها مركزًا للوجود الإنساني، ومنبعًا للحياة، ورمزًا تتقاطع فيه الأسطورة بالدين، والعاطفة بالفلسفة، والواقع بالخيال. إنها لا تكتب عن المرأة من خارجها، وإنما تكتبها باعتبارها حقيقة كونية تتجاوز حدود الجسد إلى فضاءات المعنى.
يفتتح النص بنداء: “فينوس… أيتها الأنثى”، وهو استهلال يستدعي رمز فينوس، إلهة الحب والجمال في الميثولوجيا، ليجعل منه معادلًا رمزيًا للأنثى المطلقة. غير أن الكاتبة لا تبقى أسيرة الرمز الأسطوري، بل تمضي لتعيد تشكيله في ضوء الرؤية الإنسانية والإيمانية، فتنتقل من الأسطورة إلى الواقع، ومن الرمز إلى المرأة بكل تجلياتها.
ويبرز في قولها: “خلقت من جزء أيسر صغير… لكنك ملكت كل جزئيات اليقين” تناصٌّ ذكي مع الموروث الديني، حيث يُستدعى خبر خلق المرأة من ضلع آدم، لكن الكاتبة تقلب الدلالة التقليدية؛ فصغر الجزء الذي خُلقت منه لا يعني ضآلة المكانة، بل يصبح مدخلًا إلى عظمة التأثير، وكأنها تؤكد أن القيمة لا تُقاس بالحجم، وإنما بما يفيض به الكائن من حضور ومعنى.
وتلجأ الكاتبة إلى لغة شعرية ثرية بالصور والاستعارات، فتقول:
“تحملين في رأسك الصغير ملايين الفراشات الملونة بألوان قوس قزح.”
إن الفراشات هنا ليست مجرد زينة بلاغية، وإنما رمز للخيال، والخصوبة الفكرية، والتجدد، وتعدد الأحلام. أما قوس قزح فيمنح الصورة بعدًا كونيًا، فيغدو عقل المرأة فضاءً للألوان، لا للرتابة، وللإبداع، لا للتكرار.
ومن أجمل مفاصل النص قولها:
“ضعفك وقوتك في خنوعك الضئيل… جمعت بين الخنوع والسطوع.”
فهذه المفارقة البلاغية من أنضج صور النص؛ إذ تجمع بين نقيضين في ظاهر الأمر. فالكاتبة لا تمجد الخنوع بمعناه السلبي، وإنما تشير إلى تلك الرقة التي قد تُقرأ ضعفًا، بينما هي في حقيقتها مصدر قوة ناعمة قادرة على التأثير دون صخب، والانتصار دون عنف. إنها فلسفة القوة الهادئة التي كثيرًا ما تمتلكها المرأة.
ويبلغ النص ذروة شاعريته في هذا التصوير:
“خلقت للرجل سكنًا… وأحيانًا سكينًا.”
إنها لعبة لغوية بديعة تقوم على التقارب الصوتي بين السكن والسكين، لتختزل طبيعة العلاقة الإنسانية بكل تناقضاتها؛ فالمرأة تمنح الطمأنينة، لكنها قادرة أيضًا على أن تكون جرحًا جميلًا، ينزف منه الرجل حبًا لا ألمًا، وهي صورة تحمل كثيرًا من العمق النفسي.
ثم تنتقل الكاتبة إلى الدفاع عن المرأة في مواجهة الأحكام الاجتماعية الموروثة، فتستحضر المقولة الشهيرة “ناقصة عقل ودين” لا لترددها، وإنما لتناقضها، مؤكدة أن المرأة تمتلك عقلًا يوازي عقول المفكرين، وأنها ليست أقل قدرة على الفهم والإبداع. وهنا يتحول النص إلى خطاب إنساني يناهض التنميط، ويعيد الاعتبار للمرأة بوصفها شريكًا كاملًا في صناعة الحضارة.
كما أن تعداد الأسماء: فينوس، آسيا، زليخة، هيام، مفيدة، إستر، يضفي على النص بعدًا رمزيًا واسعًا؛ فهي شخصيات تنتمي إلى عوالم مختلفة: الأسطورة، والتاريخ، والدين، والواقع، وكأن الكاتبة تريد أن تقول إن المرأة، مهما اختلف اسمها أو زمانها أو ثقافتها، تظل جوهرًا واحدًا يتجلى في صور متعددة.
أما اللغة، فهي لغة وجدانية تعتمد على التكرار الإيقاعي لعبارة “أيتها الأنثى”، وهو تكرار يمنح النص نبرة إنشادية أقرب إلى التراتيل، ويؤكد مركزية المخاطَب في البناء النصي. كما تتكئ على الاستعارة، والمفارقة، والتضاد، والتناص، بما يجعل النص غنيًا بالإيحاء أكثر من اعتماده على التقرير المباشر.
وقد يؤخذ على النص في مواضع قليلة ميله إلى المبالغة في تمجيد المرأة حتى يقترب أحيانًا من الخطاب الإنشائي، إضافة إلى بعض الهفوات اللغوية التي لو صُقلت لزاد النص إحكامًا. غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من حرارة التجربة ولا من صدقها الشعوري.
وخلاصة القول أن هذا النص ليس قصيدة في مديح المرأة فحسب، بل هو بيان أدبي يعيد الاعتبار للأنثى بوصفها أصل الجمال، ومصدر الحنان، وشريك الإنسان في بناء الحياة. لقد استطاعت د. مفيدة محمد جبران أن تنسج نصًا تتجاور فيه الأسطورة مع الوجدان، والرمز مع الفكرة، لتقدم رؤية تؤمن بأن الأنثى ليست نصف العالم، بل الروح التي تمنح العالم معناه، وتجعل الوجود أكثر إشراقًا وجمالًا.

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code