تحليل الشاعرة الليبية الأستاذة عائشة أحمد بازامة.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_شرفتني ونصوصي الشعرية بهذه القرأة الأدبية .والتي أبحرت فيها بين ثنايا الكلمات والمعاني وسلطت الضوء على ما وصلها من احساس أدبي راقي . أعتز بهذه القرأة المستفيضة ولها مني كل المحبة والإمتنان .
تبقى كتابة القصيدة فن ممارسة اللاممكن، هو أن تجيد تغيير فكرتك التي تستحوذ على قلمك وبيئتك مهما ابتعدت بك المسافات فالمكان قد يختفي ويندثر وتبقى القصيدة صامدة وقد يبتعد وتظل الحروف تنسجه قريباً دافئاً فيحدث أن تكتب قصيدة تختلف فيها انطباعات المتلقي في كل مرة، نتيجة لتفاوت المكان والزمان…
ولأننا في فلك الأكوان الأدبية الغزيرة ،ونتأثر وتؤثر بهذا الفلك الشعري المغامر الذي يتجدد كل فترة، ها أنا أدخل بتؤدة وتأنّي إلى بعض من نصوص شاردة ومتربصة ترصد الزمكان وقد تتخطى إلى ما أستنتجته طيلة فترة متابعتي وقراءتي لما تكتبه الشاعرة الواعدة (كريمة أحمد) على حائطها فوجدت أنّها الأقرب إحساساً والأغزر إلى دالة العاطفة الرهيفة لبيئتها في اغترابها المكاني وهذا ما أحاول أن أصل إليه لتفاعل الحس العميق بين السطور لما قرأته بدافع الكشف عن مدلولاته الغائرة أو الظاهرة في مفردة النص الذي تكتبه شاعرتنا الواعدة حيث ثمة تفاعل وجداني بين النص وأخيلته وتمازج الإحساس بجدلية كلماتها المتحررة من الوزن التي تحيل إحساسها بالمكان إلى غناء ظاهره البعد وخافقه الحزن المكنون بين السطور في إحالات وإزاحات تحمل حنينًا دافقاً يسترجع ذكريات غابرة تخاف أن تسرقها منها الأيام المتوالية من ذاكرتها تقول الشاعرة كريمة أحمد في قصيدتها (عبق الديار)
تلك الأرصفةُ وزوايا
الدفء في الجدران
رائحة الذاكرة والمكان
تعرفني
عند آخر خُطاي ترجل الزمان
قرأ ترانيم الغياب وهمس العِتاب
نظرت إلي
الدار
إنها تعرفُني
رغم ما سرقت من وجهي الأيام
رغم الحرب
وطول اكتئاب
رغم الخراب
ضحكت الحيطان
والنوافذ
والأبواب
إنها تعرفني
كانت الحرب هاجس مؤلم وهذا ما دعاني لأتخذ كلماتها شاهدًا دالاً على مرحلة كانت فيها انطلاقة البوح منصة يعلو فيها الصراخ وقصيدة تعلن التمرد على آلامها بتحدي الموت، وإبراز قبحها بعنفوان الحس القوي الذي يبعث الأمل عبر فتح النوافذ وضحكات الحيطان.فتنفرج القصيدة عن أمل وتفاؤل بعد كدر وحزن عميق.
حروفها اكثر حميمية وقربًا، تحاكيها وتستحوذ على شجن عميق بينها وبين نتاج فكرتها وتجليها بأستعارات احاسيس البشر الصريحة لتسقطها بتحدِ قوي على نواتج الحرب فتحيل الحزن شيئاً من فرح.
ىوفي جهة مقابلة أراد النص استفزاز المتلقي بثورة على ثورته، صامدًا متحدياً يحمل حسًا مندفعًا نبعه من غيرة كامنة بين السطر والآخر عما تؤول له حالة (الثوري) مقابل (الثورنجي) في حالة عارمة من السخط مبعثها انحراف الضفة المقابلة المتوالية عن الحلم المصاغ عبر تضحيات من أرادوا التغيير للأفضل فبدت الكلمات رسالة حسية مطلقة عبرت عن مكنونية فاقد الأمل في التغيير، وهذا جانب له تأثير بيئوي سياسي بإحساس فائق بقضية تعايشت مع فكرة الشاعرة في تدوين حسها عندما تضيع الآمال في التغيير بعامل الثورة نفسها فاتخذت من الدلالات على الغضب والنقد الذات المتمثلة في من غيروا المسار للأسوا ووقع ما لم يكن في حساب الثوري بل طغى(الثورنجي) طوتغيرت بيئتها التي تسببت في هجرتها إلى غربة تقهرها. فتخاطب نفسها بأسباب تلك الهجرة أنها رحلت عن عشيرة السناجب بإحساس يشوبه العذر ويعمقه بقوة شدة الحب للأرض التي ترعرعت فيها حيث عنونت قصيدتها (عشيرة السناجب) ومن بعضها اخترت هذا المقطع. تقول الشاعرة:
(دعينا نمارس الكفر ولو لمرةٍ واحدة !!
نتجرد من الإيمان، والأديان ومن سيف القبيلة
فما عُدت أدري ما هو الإسلام في زمن الرذيلة
الكل يا حبيبتي تقي ناسكٌ شريف ! فمن هم الأشرار
الكل يا أميرتي يُردد الأذكارَ، والفنون، والأشعار
فمن يُصادر رسائل العاشقين في وضح النهار؟
دعينا نهرب من حكم القطيع وعِمامة الشيخ الوضيع
نمزق أوراقنا الثبوتية، وننتمي إلى عشيرة السناجب
نُمارس الحب ُ بلا خوفٍ ولا ريبة، ونُنجبُ من رحم الأحلام ألفُ شاعر.
نقفزُ بين أغصان اللوز ثم نرتمي فوق أعشاش البلابل)
يبقى الحس الوسيط بين المتلقي والنص هو مبعث جودة الفكرة وطرحها في القصيدة وتجيد شاعرتنا هذا الصيد فتصطاد العديد من المفردات الفنية النابعة من حس جمالي يزين جريان نهر نبضها الشاب وحيوية غنائها صهيلاً دافئاً متوحدًا، عاشقًا، أحادي الإحساس للضفة الأخرى قاسمهما النبض، وهذا العزف الذكي على وتر الحب له جاذبية قصوى في امتلاك الأداة وتوظيفها لبث الحس الداخلي العميق في النص فلا أبلغ من التوحد لذاتين في نبض واحد اقرأوا نصها التالي:
أحصنة بالبراري
https://www.facebook.com/Assaqeefa/posts/844343119527300
أنت أنا
أنا أنت
ونوشك أن نتشابه في كل شيء
نتقاسم مناصفةً نبضات القلب
دقةً
دقةً
تلهو بنا الثنايا
خطوة
خطوة
تستدرجنا إليها طُرقات المدينة
ملح الشاطئ ومئذنة الصمت.
مغايرة الواقع في بث التجلي عبر نص متغرد هو عملية صعبة يخوضها غمار النص وكاتبه، تستحوذ عليه لغته الخاصة به والشاعرة هنا طرحت لنا تفسيراً جنح إلى خيالها الذي اتسع بمقدار إجابتها على سؤالها المطروح، فالياسمين زهر ذو رائحة زكية نتغنى به ونهديه للمحب كعربون محبة وعشق، احساسها المنيف بهذه الزهرة جعلها تتوجها على قمة الحلم التائه البعيد في غفوة الأسئلة الصعبة التي رافقتها عبر فلسفة الحياة بين الحاضر والمستقبل، هنا عبرت عبوراً أنيقاً في تصويرها مسارب الفلسفة وكان احساسها واضحاً عبر فلسفتها لأبجدية الأرواح بلغتها التي تنوء بإحساس المنفى. من وجع وغربة وألم.تنتهي لانفراج جميل باقتحام المستحيل.
لُغة المنافي
ـــــــــــــــــ
إنها أبجدية الأرواح المعلقةِ
ما بين اليوم والأمس
أحرف اللغة الناطقة
بكل آهات الوجع
سيلٌ جارفٌ من الأسئلة
العصيةِ على الإجابة
حُلم بعيد يظل يُطارد الخيالات
التائهة برائحة الياسمين
يعبُر بها طرقات المستحيل
في ذات القصيدة تنحى إلى نقل إحساسها بالخوف وهو سمة هذا العصر بلغة تعبيرية مجردة، تباشر إيعازها مشيرة إلى حروفها التي صيرتها دلالة صريحة على اولئك الذين يمارسون الكلام في زمن الرعب والخوف مفجرين الصمت البارد الذي أحاط ببلدانهم التي تتحولق أنفسهم بها. وفي هذا تصوير جميل ينقلنا إلى صورة فوتوغرافية بكامل تفاصيلها بإحساس فنانة تجيد تصويب عدستها في بؤرة المعنى الذي تنقله بحس الشاعرة المجيدة لتوظيف أدواتها. وإحدى هذه الأدوات هي لغة المنافي التي كانت الباب والعنوان لولوجها هذه الفلسفة المرتبطة بمعاني هذه القصيدة التي وقفت عندها كثيرًا غير إنّي لن أحيد عن جانب الحس ودلالاته إلى خصائص أخرى قد أعود لها في دراسة تحليلية من نوع آخر.يقول النص:
(والخوف الغامضُ من الزمان
إنهم حروف أبجديتها
توأم الريح في مدار الكون
يُفاجؤن الصمت ذات مساء
ويتحلقون حول أوطان باردة لا تُشبههم
يُغادرون خطواتهم
يتركون قلوبهم عند عتبة الحنين
يكنسون حكايا الطفولة
ينسون كيف كان السير ُ القديم.
إنهم لُغة المنافي
ـــــــــــــــــــــــــ
وراء كلُ باب بقايا أرواح
تحملُ أكفانهم المؤجلة
تعشعشُ عند ظلال الاشتهاء
تستمطرُ فجر ربيعي
تمنحُ الفرح رشوة النور
لعله يستعجلُ القدوم
يا لهذا الفراغ يمنحهم سوى
مقابر من منفى وجليد)
تنطلق التساؤلات الصعبة التي لن تجد لها جواباً، لهذا تلجأ في نصها (ماذا لو) بفتح مجال التأويل، وترك التخمين للمتلقي لأنها في حيرة من إحساسها ومن إحساس ذلك الذي تخاطبه، وهذا يدعو للدهشة فقد يكون متقلب المزاج أو أنّه يصب في دائرة الشك، تحاول جذب انتباه عقلها لما في قلبها ونجح النص في نقل هذه الفكرة، الحس هنا في هذه القصيدة التي سنوردها فيما بعد ينقلنا إلى متاهة التفكير ولا يستقر بنا في محطة واحدة، فمعظم محطات إحساسها قابلة للتأويل كيفما شاء لحرفها أن يكون ! الظنون المستحيلة صنعة ذكية تحيل القصيدة إلى مزيد من الأسئلة التي تقودنا إلى اللامنتهى من التفسيرات. أرتاح الإحساس هنا من مشقة الحل الجاهز…
ماذا لو كنت كائناً من حبر
وكنت أنا ورقةً من توت بري
أبطالاً وهميين لا نُغتال لا نموت
تأتي مُتسرباً عبر ثقوبي
وأتشربُك نَهَماً أبدياً
ماذا لو
بقيت الأوهام
ولم تُكشف الأسرار
وتعانق الليل والنهار
وتدثرت اللهفة بالأحضان
ولم تُقرع أجراس النهاية
لم على الزمن الجميل الرحيل!؟
ماذا لو اللحظة هددها سيف الوقت
وشهرزاد اللذة انتبهت
لحكاية الفرح المنهوب
لقُبلات الشوق المسروقة
من فك البؤس
للأحلام الموؤدة عند وسادة المهد
ماذا لو
لم تُربكنا ومضة النظرة
ولم تهرب من قهوتِنا قطعةُ السُكر
وبقي غليونك الفاخرُ بالأنفاس يشهق
وغرِقنا في اللثم أكثر
وعلمّنا الأيام كيف تثمل
وكان الحب أشهى
والغوايةُ أجمل
ماذا لو
طرقنا نبض الحب باكراً
ونضج الحُلُمْ فينا أكثر
وبلغَ الأمل بِنا رُشده
وتنفس الوجد تحت ركام الحزن وتعطَّر
هل يستند على عُكازه القلبُ
ويتبختر؟!
ماذا لو
لم نستعجل العودة للفراغ..
ماذا لو نزفت كل اللولوات..
أكنتُ ألقاك أنت حبراً
لفيف الارتحال
هينة التشبيه الصريحة المجردة في هذه القصيدة والتي فتحت الباب لصروف الكلمات بحرف التشبيه لم تنل من جر المعنى بيد أنه كان حرياُ بالشاعرة أن تتجنب ذلك، لكان الوقع أقوى ولشذب المعنى بتدفق الإحساس بذاك الدرويش ولأقترب أكثر الإحساس بهذا الوصف، لكننا نستشف من استرسال النص صوراً وأخيلة تداعت بسرعة لتمسح هذه الهنة، فيقوى المعنى وتتضح الفكرة جلية تلج بنا لفلسفة هذا النص الذي أستطيع أن أقول عنه ترمومتر الإحساس بجمع الفلسفة عبر الشعر، وهي ذات المهابة التي صورتها الشاعرة في جمعهما وإن بدا لنا هذا الجمع حافياً يزيدنا حيرة وغموضاً ! الحس الخفي بالعلم وبمن يحملون راية الحكمة تجلى بصورة تربعت على عرش هذه القصيدة وكأنها مسرحية البطل الواحد.، جاذبية الإحساس هي التي جلبت لنا هذا التصوير المسرحي الحكائي من مفردات هذا النص التي شدتنا للإعجاب: الرماد/ الإحتراق/ الفلسفة/ الغموض/الزاهدين/ الصلوات/ الخواء/ المدى/ مآذن/ دراويش. ورود مفردات لم تتكرر لها بيئتها النابعة منها والخاصة بها يولد للنص إحساساً بصنوف الحياة العديدة.. هذا مثال ينطبق على بقية قصائد شاعرتنا. يزيدنا اهتماماً بتفاصيل نتاجها الأدبي فيما مضى وما نستشرفه لها قادماً وإليكم النص: تقول الشاعرة:
كدرويش يكابد الوحدة والقصيد
يرتدي روحه المُرقعة
في مهب الصقيع
ما بين اغتراب وارتحال
يتكِئُ على عصا المهابة
يسير حافياً
بأرض الرماد والاحتراق
يرسم درب الفلسفة والغموض
يقتاتُ على تراتيل الهمس الخفي
ويُرسلُ بين الفينة والاخرى
أُحجيات الخالدين
يُخضبُ لحى العُمر بطُهر الناسكين
يسلكُ درب الغابرين
يقبضُ من أثر الزاهدين
يُردد الصلاوات في خواء المدى
ويتجهز لمآذن العاشقين
كدرويش وحيد
تدور معه ساعة الرمل
يتجه نحو بوصلة الوجد
يُناجي شراهة الوقار
يمنح شهوته للعدم
يقرع صدى الرجاء
يسكبُ أقداح النقاء في سُرة البؤس
ويفتحُ نوافذ
وأبوابا
أعيتها تباريح العذاب
يتوراى خلف قُرص الشمس
بين حزم الرجوع ولفيف الارتحال
يُفرشُ آهاته
عند محراب اليقين.
يكون النص هنا في هذا التحليل لخفايا الحس في تمام تجليه حين يتنوع في فكرته بين جزئيات إبداع الشاعرة وفي تناوله لكل موضوع، لا يسترسل في وضع بصمته الإبداعية في دروب الإبداع إلاّ بألوانه وتعدد فكرته سواء كان الحس النابع منه أو فيه متذبذباً أو على وتيرة واحدة فالإحساس هو النبع الأول للنص ومرادفاً للمعنى.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
