بقلم: أ.خليل إبراهيم طه العلي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_لا تبدو مواجهة فرنسا والمغرب في ربع نهائي كأس العالم 2026 مجرد مباراة عادية في الأدوار الإقصائية، بل هي واحدة من أكثر مواجهات البطولة جاذبية، لما تحمله من قيمة فنية ورمزية كبيرة. فهي تجمع منتخبًا اعتاد الوقوف على منصات التتويج ويملك إرثًا عالميًا كبيرًا، بمنتخب مغربي أثبت خلال السنوات الأخيرة أنه تجاوز مرحلة المفاجأة، وأصبح رقمًا صعبًا في كرة القدم العالمية.
ووصل المنتخبان إلى هذا الدور بعد مشوار مقنع؛ إذ حسمت فرنسا مواجهتها أمام باراغواي بهدف نظيف، بينما قدم المغرب عرضًا قويًا أمام كندا أنهاه بثلاثية نظيفة، ليبعث برسالة واضحة مفادها أن طموحه لا يقف عند حدود ربع النهائي.
صراع بين الخبرة والطموح
من الناحية الفنية، تبدو المباراة مواجهة بين مدرستين مختلفتين في الأسلوب ومتقاربتين في الفاعلية. فرنسا تعتمد على الاستحواذ، والسرعة في بناء الهجمة، والقدرة على حسم المباريات بفضل المهارات الفردية للاعبيها. أما المغرب، فقد بنى شخصيته على التنظيم والانضباط، واللعب الجماعي، والانتقال السريع من الدفاع إلى الهجوم، وهو أسلوب أثبت نجاحه أمام منتخبات كبيرة.
ورغم اختلاف الهوية الجغرافية والكروية، فإن المنتخبين يتشابهان في امتلاك شخصية قوية داخل الملعب، وقدرة على التعامل مع الضغوط، وثقة كبيرة في مباريات خروج المغلوب، إضافة إلى وجود حراس مرمى قادرين على تغيير مجرى المباراة في أي لحظة.
فرنسا… منتخب يعرف كيف يفوز
يصعب الحديث عن المنتخب الفرنسي من دون التوقف عند نوعية اللاعبين الذين يضمهم. فالفريق لا يعتمد على نجم واحد، بل يمتلك مجموعة قادرة على صناعة الفارق في أي وقت، وهو ما يمنح المدرب خيارات تكتيكية واسعة طوال المباراة.
وسيكون كيليان مبابي السلاح الأخطر بلا شك، ليس فقط بسبب سرعته الكبير��، وإنما أيضًا لحضوره الذهني وقدرته على استغلال أقل مساحة ممكنة للوصول إلى المرمى. وما يميز فرنسا أكثر هو أنها تستطيع التسجيل حتى في المباريات التي لا تقدم فيها أفضل مستوياتها، وهي صفة لا يمتلكها إلا المنتخبات الكبيرة.
كما أن خبرة اللاعبين في البطولات الكبرى تمنح المنتخب الفرنسي هدوءًا في التعامل مع تفاصيل المباراة، خصوصًا في الفترات التي يزداد فيها الضغط أو تتعقد فيها الحسابات.
أين تكمن فرصة المغرب؟
إذا كان لفرنسا تفوقها الهجومي، فإن المغرب يمتلك الأدوات التي تمكنه من الحد من هذا التفوق. فقد أثبت المنتخب المغربي أنه يجيد إغلاق المساحات وإجبار منافسيه على اللعب بعيدًا عن مناطق الخطورة.
كما أن اندفاع الظهيرين الفرنسيين إلى الأمام قد يترك مساحات يمكن استغلالها عبر الهجمات المرتدة، وهي من أبرز نقاط القوة المغربية. وإذا نجح لاعبو الوسط في قطع خطوط الإمداد عن مبابي ورفاقه، فإن المباراة ستصبح أكثر توازنًا.
المغرب… منتخب يفرض احترامه
ما يقدمه المنتخب المغربي في هذه البطولة يؤكد أن ما تحقق في مونديال قطر لم يكن حدثًا عابرًا، بل نتيجة عمل طويل ورؤية فنية واضحة.
ويملك المغرب واحدة من أكثر المنظومات الدفاعية تنظيمًا في البطولة، إلا أن قوته لا تقتصر على الدفاع فقط، بل تبدأ من الانضباط الجماعي وتنتهي بسرعة التحول إلى الهجوم.
ويبرز في صفوفه الحارس ياسين بونو، الذي يمنح زملاءه ثقة كبيرة، إلى جانب القائد أشرف حكيمي، أحد أفضل الأظهرة في العالم، والذي يجمع بين القوة الدفاعية والانطلاقات الهجومية المؤثرة. كما يشكل عز الدين أوناحي عنصر التوازن في وسط الملعب، بينما يمثل براهيم دياز أحد أهم مفاتيح الإبداع وصناعة الفرص في الثلث الأخير من الملعب.
ويضاف إلى ذلك الروح القتالية العالية التي تميز المنتخب المغربي، حيث يظهر اللاعبون التزامًا كبيرًا بالأدوار التكتيكية، ويقاتلون على كل كرة حتى صافرة النهاية، وهو ما منحهم احترام الجماهير والمتابعين حول العالم.
التحديات التي تنتظر المغرب
في المقابل، يدرك المنتخب المغربي أن مواجهة فرنسا تختلف عن المباريات السابقة، لأن المنتخب الفرنسي قادر على فرض إيقاعه والاستحواذ على الكرة لفترات طويلة.
وسيكون المطلوب من الدفاع المغربي المحافظة على أعلى درجات التركيز، لأن أي خطأ بسيط أمام لاعبين بحجم مبابي قد يتحول إلى هدف. كما أن استثمار الفرص القليلة التي قد يحصل عليها المغرب ��يكون عاملًا حاسمًا، لأن مثل هذه المباريات غالبًا ما تُحسم بتفاصيل صغيرة.
معركة الوسط… مفتاح المباراة
قد لا يكون الحسم في هذه المباراة من نصيب خط الهجوم أو الدفاع، بل في وسط الملعب. فإذا نجحت فرنسا في فرض سيطرتها هناك، ستقترب كثيرًا من المرمى المغربي. أما إذا تمكن المغرب من كسر نسق اللعب الفرنسي وإجبار منافسه على فقدان الكرة باستمرار، فستزداد فرصه في فرض أسلوبه والاعتماد على المرتدات السريعة.
لذلك، تبدو المعركة التكتيكية بين المدربين، وطريقة إدارة إيقاع اللقاء، من أهم عناصر الحسم، وربما تفوق في أهميتها الفوارق الفردية بين اللاعبين.
من الأقرب إلى نصف النهائي؟
من الناحية النظرية، تبقى فرنسا المرشح الأقرب للتأهل، بفضل خبرتها، وعمق تشكيلتها، وكثرة اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، ولذلك يمكن منحها أفضلية نسبية تقارب 60% مقابل 40% للمغرب.
لكن مباريات ربع النهائي لا تعترف دائمًا بالأرقام أو الترشيحات. فالمنتخب المغربي أثبت في أكثر من مناسبة أنه يعرف كيف يتعامل مع المباريات الكبرى، وأنه قادر على إحراج أقوى المنتخبات عندما يفرض انضباطه التكتيكي ويلعب بثقة وصبر.
لهذا، فإن السيناريو الأقرب هو مباراة مغلقة تكتيكيًا، قد يحسمها هدف واحد، أو تمتد إلى الأشواط الإضافية وربما ركلات الترجيح.
بغض النظر عن هوية المتأهل، فإن هذه المباراة تمثل انتصارًا لكرة القدم نفسها. فرنسا تسعى إلى تأكيد مكانتها بين كبار العالم، فيما يواصل المغرب كتابة فصل جديد في تاريخ الكرة العربية والإفريقية.
وإذا نجح “أسود الأطلس” في تجاوز هذا الاختبار، فإنهم لن يحققوا إنجازًا جديدًا للمغرب فحسب، بل سيمنحون الكرة العربية والإفريقية دفعة معنوية كبيرة، ويؤكدون أن المنافسة على أعلى المستويات لم تعد حكرًا على المدارس التقليدية، وأن كرة القدم أصبحت أكثر عدالة في منح الفرص لمن يعمل ويخطط ويؤمن بقدراته.
المؤسسة الفلسطينية للشباب والرياضة، بيروت
