الجمعة. يونيو 26th, 2026
0 0
Read Time:3 Minute, 3 Second

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_دخل ( سامي ) كلية الصيدلة بجامعة طرابلس وهو يحمل في رأسه صورة رومانسية عن العلم .. لم يكن يحلم بواجهة صيدلية ولا بعلب مرصوصة ، بل بمختبر يشبه حكايات جابر بن حيان ، ومعادلات الرازي ، وكتب ابن سينا التي كانت تعامل يوما ككتب مقدسة في أوروبا . كان يرى الكيمياء أخلاقا قبل أن تكون تفاعلات .. لكن الجامعة لا تعترف بالأحلام وحدها .. الاستهتار فعل صامت ، لا يُسمع له صوت ، لكنه يتراكم … إنذار أول ، ثان ،  ثم طرد .. خرج سامي من الكلية بلا صفة ، في بلد لا يرحم من يسقط من السلم الأكاديمي ، خصوصا حين يكون السقوط في منتصف الطريق .. تاه قليلا ..ثم قرر .. قال لنفسه : لن أبيع الدواء … سأصنعه . الجملة بدت نبيلة .. لكنها كانت أول كذبة . بدأ سامي من أبسط نقطة في سلسلة الخداع .. المسكنات الشائعة .. باراسيتامول ، إيبوبروفين ، أسبرين . أدوية يعرف الصيدلي قبل العامي أن مفعولها عند الجرعات الدنيا يمكن أن يُستبدل بالوهم ، خاصة إن كان الألم نفسيا أو عابرا .. لم يكن يحتاج إلى مصنع .. كان يحتاج إلى أدوات  ” شبه صناعية” تباع في السوق السوداء أو تُجلب تحت مسمى ” معدات بحثية” .. خلاطات مسحوقية صغيرة تشبه خلاطات المختبرات الجامعية ، آلات كبس يدوية أو نصف آلية أجهزة تعبئة بدائية ، أفران تجفيف لا تختلف كثيرا عن أفران المعامل التعليمية .. أشياء لا تثير الشبهة ، لكنها كافية لخلق منتج يشبه الدواء … شكلا فقط . أما الداخل ، فكان قصة أخرى . مواد رخيصة ، خاملة ، تُستخدم في الصناعة الدوائية أصلا ولكن ليس بهذا القصد ..  نشا ، لاكتوز ، سليلوز مجهري ، بودرة التلك الصيدلانية .. مواد تعرفها الصناعة كحاملات ، لكن حين تصبح هي ” المحتوى” ، يتحول الدواء إلى قشرة . قال لنفسه مبررا فعله : ” هذه مجرد مسكنات … لن يموت أحد” ..  وهنا تبدأ الكارثة الأخلاقية دائما .. حين يُقسم الذنب إلى درجات .. حين يكبر الوحش ..المال جاء أسرع مما توقع … في بلد تتراجع فيه الرقابة ، وتُستورد فيه الأدوية بملفات ناقصة ، وتُباع فيه العلب دون تتبع تشغيلي حقيقي ، كان السوق متعطشا .. توسع سامي .. لم يعد الجراج يكفي ..  استأجر هنجر . عمال بلا أوراق ، عمل ليلي ، في صمت وسرية . صار لا يكتفي بتزوير المسكنات .. بدأ يقترب من الخط الأحمر .. أدوية الأمراض المزمنة … ثم السرطانية . هنا لم يعد يعتمد على التجربة ، بل على المعلومة .. مراسلات ، كتيبات تقنية عامة ، فيديوهات ” صناعية”  لا تقول كل شيء لكنها تقول ما يكفي لمن يريد التقليد لا الابتكار .. أسماء أدوية تُقرأ كثيرا ولا تُفهم .. علاجات كيماوية ، أدوية أورام ، مركبات معقدة لا يصنعها إلا من يملك خطوط إنتاج حقيقية . لم يكن يصنعها فعليا .. كان يصنع ظلها . كانت العلب تشبه الأصل حدّ الخداع ، والنشرات الداخلية مصقولة ، محشوة بأسماء يعرفها أطباء الأورام وتُرعب المرضى في آن واحد ..  سيسبلاتين ، دوكسوروبيسين ، باكليتاكسيل ، ميثوتركسات ، إيماتينيب .. أسماء ثقيلة تمنح ثقة زائفة لمجرد قراءتها . العلبة تقول ” علاج ” ،  واللغة علمية .. لكن الداخل كان فراغا أنيقا ..  وفي السرطان ، يكفي أن يكون الدواء غير فعّال ليصبح جريمة كاملة الأركان … الدولة التي غابت فحضر الغش .. لم يكن سامي وحده .. البيئة كانت مهيأة . مستشفيات عامة منهكة .. مرضى يُدفعون دفعا إلى المصحات الخاصة .. علاج السرطان تجارة صامتة .. الدولة تراقب من بعيد ، أو لا تراقب أصلا . وحين يغيب النظام ، لا يظهر العدل … يظهر الأذكى في استغلال الفوضى .. كون سامي ثروة .. زفاف صاخب .. سيارة رياضية .. فيلا في حي دمشق .. حياة تُظهر النجاح ولا تسأل عن مصدره . ثم جاءت الطفلة .. وجاء بعدها المرض .. الدواء الذي لم يعمل .. حين شُخصت حالتها بسرطان العظم ، انقلب العالم ..  أصبح سامي فجأة ذلك الأب الذي يعرف الأسماء العلمية ، ويقرأ النشرات ، ويسأل عن البروتوكولات العلاجية .. كان يبحث عن دواء ” فعّال” لإنقاذ وحيدته ، دواء  لا يشبه تلك العلب التي كان يضخها للسوق . وفي ليالي المستشفى الطويلة ، بدأت الذاكرة تعمل .. وجوه أطفال بريئة .. أسماء مرت بسرعة على ركح الحياة ثم غادرت .. بكاء  الأمهات .. مرضى خرجوا بلا أمل .. أدرك أن كثيرين ربما لم يموتوا من المرض … بل من غياب العلاج الحقيقي .. حينها فقط فهم المعنى الكامل للغش الدوائي …  ليس سرقة مال . بل سرقة زمن من جسد يحتضر .

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code