إبراهيم عطا _ كاتب فلسطيني
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_نحن اليوم في لفكوشا (نيقوسيا)، عاصمة قبرص التركية وذلك لحضور واحدة من اهم المناسبات بالنسبة لي ولاسرتي، وهي حفل تخرج إبني أنس في مجال هندسة البرمجيات، وبنتي ميس في الاحياء الجزئية وعلم الجينات من جامعة قبرص الدولية،…وباحتفالنا بهذا التخرج اليوم نشعر بسعادة لا توصف وقد توازي فرحتنا بقدومهما الى الدنيا وتنويرهما لحياتنا بعد سنوات من الصبر وطول الانتظار…ومع هذا الانجاز الكبير للتوأم الغالي، تذكرت ما كان يقوله لنا اهلنا في مخيمات اللجوء في سعيهم لتشجيعنا على العلم وحثنا على القراءة، حيث كانوا يرفعون الكتاب بوجهنا وهم يرددون: “لم يعد لديكم في الدنيا إلا هذا”، أي انه لم يعد أمامنا إلا العلم والدراسة لتأمين مستقبلنا بعد أن ضاعت كل املاكنا وارزاقنا مع مجيء اليهود الصهاينة من اوروبا لاحتلالهم لارضنا وسرقتهم لكل ما يملكه أهلنا في فلسطين الحبيبة…
ويبدو أن نصيحتهم، التي لم نستوعبها في حينه، كانت بمحلها، فقد اثبتت إحصائيات الامم المتحدة أن نسبة المتعلمين والخريجين بين أبناء الشعب الفلسطيني هي الاعلى بين شعوب العالم…فقد صرنا نسمع كل يوم عن قصص تفوق لطالب او طالبة فلسطينية، فعلى سبيل المثال سمعنا قبل يومين عن تخرج الطبيبة اقبال الاسعد التي دخلت كلية الطب وهي في الثالثة عشرة من عمرها، وعن العديد من فلسطينيي المخيمات ممن حصلوا على الدكتوراة بمراتب شرف، منهم اثنان من المخيم الذي ولدت فيه، وهما ساجدة رميض، (دكتوراه في الفيزياء)، واسماعيل عبدالله (دكتوراه بمجال الطاقة)، وثالث من مخيم الرشيدية وهو علي ميعاري ( هندسة مدنية) وغيرهم الكثيرين….
وقد تذكرت ايضا آلاف الطلاب الغزيين ممن كانوا يحلمون بالدراسة والتخرج ولكنهم لم يتمكنوا من تحقيق هذا الحلم، إما بسبب حرب الابادة التي حولتهم الى شهداء (واخرهم رغد عاشور التي اغتالها الاحتلال يوم الاثنين وهي متوجهة لاداء إمتحان الثانوية)، او بسبب اعتقال الاحتلال لهم (وآخرهم الطالب عبدالرحمن جرار من محافظة جنين)، وآخرون ممن فقدوا ابسط مقومات العيش الكريم وتبخرت آمالهم بتحقيق الحلم في الدراسة بسبب قيود الاحتلال التعسفيه…
وعندها خطرت ببالي التكاليف الباهظة للدراسة والضغوط والتضحيات التي يتحملها الاهل والتي تحملناها نحن أيضا، وخاصة أم انس، خلال تلك السنوات الاربعة، وقارنتها مع فترة دراستي المجانية في جامعة هافانا بعد حصولي على منحة من الحكومة الكوبية مكنتني من إكمال تعليمي، وذلك بدعم وجهد مشكور ويستحق التقدير من أخي الحكيم، والذي درس الطب ايضا بمنحة كوبية وإختص بجراحة العيون، بعد ان كان قد توقف عن الدراسة في اسبانيا بسبب التكاليف العالية التي لم تستطع عائلتنا تحملها…
وفي النهاية لا بد ان نذكر الجميع ونذكر انفسنا أيضا أن تعليم الأبناء هو الاستثمار الاكبر والرصيد الحقيقي لمستقبل واعد لابناء شعبنا الفلسطيني ولابناء الأمة العربية في مواجهة التجهيل الممنهج الذي تمارسه بعض الانظمة الرجعية ويعمل على تكريسه العدو الصهيوني بشكل حثيث…فهنيئا لكل من ضحى في سبيل تعليم أبنائه، وطوبى لمن مد يد العون لتسليح شباب الوطن بسلاح العلم والمعرفة…
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
