الأحد. يونيو 14th, 2026
0 0
Read Time:5 Minute, 46 Second


بقلمي ربا رباعي الاردن

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_تمثل تجربة محمود درويش إحدى أكثر التجارب الشعرية العربية المعاصرة ثراءً من حيث إنتاج المعنى وتشكيل الصورة الشعرية. فقد استطاع أن يحوّل القصيدة من خطاب مباشر إلى فضاء دلالي مفتوح تتفاعل فيه الرموز والأساطير والتناصات الثقافية، لتصبح الصورة الشعرية أداةً معرفية وجمالية في آن واحد. وتسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن آليات بناء المعنى في شعر درويش، وتحليل العلاقة الجدلية بين الصورة الشعرية والبعد الدلالي، من خلال مقاربة أسلوبية تأويلية تستند إلى تحليل عدد من النماذج النصية المختارة من أعماله الشعرية.

الكلمات المفتاحية: محمود درويش، جماليات المعنى، الصورة الشعرية، الأسلوبية، التأويل، الحداثة الشعرية.

مقدمة

يشكل محمود درويش ظاهرة شعرية استثنائية في الأدب العربي الحديث؛ إذ تجاوزت تجربته حدود التعبير الوطني والقومي لتصبح مشروعًا جماليًا وإنسانيًا متكاملًا. وقد انشغل النقاد بدراسة شعره من زوايا متعددة، غير أن العلاقة بين جماليات المعنى وتشكّل الصورة الشعرية تظل من أكثر القضايا النقدية عمقًا؛ لأن المعنى عند درويش لا يُمنح جاهزًا، بل يتولد من شبكة معقدة من الصور والاستعارات والرموز والإيحاءات.

وتنبع أهمية هذا الموضوع من كون الصورة الشعرية لدى درويش ليست عنصرًا زخرفيًا، بل هي بنية دلالية تؤسس رؤية الشاعر للعالم والوجود والذات والآخر. ومن هنا تتجلى ضرورة دراسة الكيفية التي تتشكل بها الصورة، وكيف تنتج طبقات المعنى داخل النص الشعري.

إشكالية البحث

تنطلق الدراسة من التساؤل الرئيس الآتي:

كيف تسهم الصورة الشعرية في إنتاج جماليات المعنى في شعر محمود درويش؟

ويتفرع عنه عدد من الأسئلة الفرعية:

ما الخصائص الأسلوبية للصورة الشعرية عند محمود درويش؟

كيف تتحول الصورة إلى أداة لإنتاج الدلالة؟

ما دور الرمز والتناص في تعميق المعنى الشعري؟

كيف تسهم البنية اللغوية في تشكيل الأفق التأويلي للنص؟

فرضيات البحث

تقوم الصورة الشعرية عند درويش بوظيفة معرفية تتجاوز البعد الجمالي.

يتشكل المعنى عبر تفاعل الرمز والاستعارة والتناص داخل النص.

تعتمد شعرية درويش على الانفتاح الدلالي وتعدد مستويات التأويل.

تسهم البنية الإيقاعية واللغوية في إثراء الصورة وتعميق أثرها الجمالي.

منهج البحث

تعتمد الدراسة المنهج الأسلوبي التحليلي، مع الإفادة من المنهج التأويلي في استكشاف مستويات المعنى الكامنة خلف البنية اللغوية والصورة الشعرية، بالإضافة إلى الاستفادة من بعض مفاهيم النقد الحديث ونظرية التلقي.

الإطار النظري: جماليات المعنى والصورة الشعرية

يرى النقاد المحدثون أن الشعر لا يقوم على المعنى المباشر، بل على المعنى المتولد من العلاقات الداخلية بين عناصر النص. وقد أشار الناقد الفرنسي رولان بارت إلى أن النص الأدبي فضاء تتعدد فيه الدلالات ولا يستقر على معنى واحد.

أما الصورة الشعرية فتُعدُّ، وفق رؤية غاستون باشلار، جوهر التجربة الشعرية ومصدر طاقتها التخييلية. وهي ليست انعكاسًا للواقع، بل إعادة تشكيل له وفق رؤية جمالية جديدة.

وفي الشعر الحديث، أصبحت الصورة بنية معرفية قادرة على إنتاج الرؤى الفكرية والوجودية، وهو ما يتجلى بوضوح في تجربة محمود درويش.

أولًا: الصورة الشعرية بوصفها مولدًا للمعنى

تتجاوز الصورة الشعرية عند درويش الوظيفة البلاغية التقليدية لتصبح وسيلة للكشف عن الوجود الإنساني.

في قوله:

“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”

تتحول الأرض من مفهوم جغرافي إلى رمز كوني يحتضن قيم الجمال والحرية والحب.

إن الصورة هنا لا تصف الأرض، بل تعيد إنتاجها بوصفها مركزًا للمعنى الإنساني. ويتولد الجمال من المفارقة بين واقع القهر الذي يعيشه الفلسطيني وبين احتفاء الشاعر بالحياة.

وهكذا تتأسس الدلالة على التوتر بين الواقع والحلم، وبين الفقد والأمل.

ثانيًا: جدلية الرمز وتكثيف الدلالة

يعتمد درويش بصورة لافتة على الرمز بوصفه أداة لتوسيع المجال التأويلي للنص.

فالزيتون، والخبز، والأم، والبحر، والعصافير ليست مجرد مفردات طبيعية، بل تتحول إلى علامات ثقافية وحضارية.

يقول:

“وأحن إلى خبز أمي”

فالخبز هنا لا يدل على الطعام فقط، وإنما يحيل إلى منظومة من القيم المرتبطة بالهوية والذاكرة والانتماء.

وتتضاعف الدلالة عبر الاقتصاد اللغوي الذي يجعل الرمز قادرًا على حمل معانٍ متعددة في آن واحد.

ثالثًا: التناص وبناء الصورة المركبة

يُعد التناص من أبرز السمات الأسلوبية في شعر محمود درويش، إذ تتداخل النصوص الدينية والأسطورية والتاريخية داخل بنيته الشعرية.

فنجد استحضار شخصيات مثل يوسف، وأيوب، وعنترة، وجلجامش، وأوديسيوس.

ولا يأتي هذا التناص على سبيل الزينة الثقافية، بل بوصفه عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى.

فعندما يستدعي شخصية يوسف عليه السلام، فإنه يعيد بناء مأساة المنفى والاغتراب في سياق فلسطيني معاصر، مما يفتح النص على مستويات دلالية جديدة.

وبذلك تتحول الصورة الشعرية إلى فضاء تتقاطع فيه الأزمنة والثقافات.

رابعًا: جماليات الانزياح اللغوي

يقوم شعر درويش على انزياحات لغوية كثيفة تجعل اللغة نفسها موضوعًا للشعر.

يقول:

“ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا”

فالتركيب اللغوي البسيط يخفي وراءه شبكة من الإيحاءات المرتبطة بالصراع الوجودي.

إن الانزياح هنا لا يكمن في المفردات فحسب، بل في طريقة تركيبها داخل السياق الشعري.

ومن خلال هذه الانزياحات تتولد دلالات جديدة تجعل النص مفتوحًا على احتمالات تأويلية متعددة.

خامسًا: الصورة الوجودية ورحلة البحث عن الذات

يتجاوز درويش البعد الوطني إلى أسئلة الوجود الكبرى: الموت، الزمن، الهوية، المصير.

وفي مجموعته “الجدارية” تتكثف هذه الرؤية بصورة واضحة، حيث تتحول القصيدة إلى حوار فلسفي مع الموت.

فالصورة الشعرية لم تعد تمثل الواقع الخارجي، بل أصبحت تمثل قلق الإنسان أمام الزمن والفناء.

وهنا تتجلى شعرية المعنى في قدرتها على الجمع بين الخاص والعام، وبين التجربة الفردية والتجربة الإنسانية الكونية.

نتائج الدراسة

توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:

تمثل الصورة الشعرية الركيزة الأساسية في بناء المعنى عند محمود درويش.

تتسم صور درويش بالتكثيف والانفتاح الدلالي والتعدد التأويلي.

يسهم الرمز والتناص في إثراء المعنى وتوسيع آفاق القراءة.

تتجاوز الصورة الوظيفة الجمالية لتؤدي دورًا معرفيًا وفلسفيًا.

تعتمد شعرية درويش على جدلية الحضور والغياب، والواقع والحلم، والذات والآخر.

تشكل اللغة الشعرية فضاءً ديناميكيًا لإنتاج المعنى لا مجرد وسيلة لنقله.

خاتمة

تكشف رحلة البحث في فضاءات جماليات المعنى وتشكّل الصورة الشعرية عند محمود درويش عن مشروع شعري استثنائي استطاع أن يزاوج بين الحس الجمالي والرؤية الفكرية. فالصورة عنده ليست انعكاسًا للعالم، بل إعادة خلق له، والمعنى ليس معطى جاهزًا، بل تجربة تأويلية متجددة تتشكل مع كل قراءة جديدة.

ومن هنا تكمن فرادة درويش في قدرته على تحويل القصيدة إلى فضاء إنساني مفتوح، تتجاور فيه الذاكرة والأسطورة والتاريخ والحلم، فتغدو الصورة الشعرية طريقًا لاكتشاف الذات والعالم معًا.

المراجع العربية

أدونيس. زمن الشعر. بيروت: دار العودة.

الغذامي، عبد الله. الخطيئة والتكفير. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

درويش، محمود. الأعمال الشعرية الكاملة. بيروت: رياض الريس.

مفتاح، محمد. تحليل الخطاب الشعري. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

مرتاض، عبد الملك. في نظرية النص الأدبي. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية.

المسدي، عبد السلام. الأسلوبية والأسلوب. تونس: الدار العربية للكتاب.

صلاح فضل. أساليب الشعرية المعاصرة. القاهرة: دار الشروق.

عز الدين إسماعيل. الشعر العربي المعاصر وقضاياه. القاهرة: دار الفكر العربي.

المراجع الأجنبية

Bachelard, Gaston. The Poetics of Space. Boston: Beacon Press.

Barthes, Roland. The Pleasure of the Text. New York: Hill and Wang.

Ricoeur, Paul. The Rule of Metaphor. Toronto: University of Toronto Press.

Eagleton, Terry. Literary Theory: An Introduction. Oxford: Blackwell.

Culler, Jonathan. Literary Theory: A Very Short Introduction. Oxford University Press.

Genette, Gérard. Palimpsests: Literature in the Second Degree. University of Nebraska Press.

الدوريات والمجلات العلمية المقترحة

مجلة فصول للدراسات الأدبية والنقدية (مصر).

مجلة عالم الفكر (الكويت).

مجلة علامات في النقد (السعودية).

مجلة الفكر العربي المعاصر (لبنان).

Journal of Arabic Literature.

Comparative Literature Studies.

Modern Language Review.

Poetics Today.

Journal of Literary Semantics.

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code