الأربعاء. يونيو 24th, 2026
0 0
Read Time:3 Minute, 58 Second

نجلاء السيد الاسكندرية – مصر

داخل عقل مراهق
أنا لست مراهقًا كما تظنون…
أنا إنسان يقف على حدود عالمين.
غادرت الطفولة، لكنني لم أصل بعد إلى الرشد.
أحاول اكتشاف نفسي، وأبحث عن هويتي بين كل ما غرستموه في داخلي خلال سنوات عمري السابقة.
أتعثر بين ما أريده أنا، وما تريدونه أنتم.
أرفع صوتي أحيانًا، لا لأنني أبحث عن الشجار، بل لأنني أبحث عن نفسي وسط هذا الضجيج.
أريد أن ألفت انتباهكم.
أريد منكم أن تسمعوني لا أن توبخوني.
أن تفهموا خوفي قبل أن تحاسبوا غضبي.
أن تروا حيرتي قبل أن تدينوا أخطائي.
قوّوا عزيمتي حتى أستطيع أن أصبح رجلًا… امرأةً… إنسانًا قادرًا على مواجهة الحياة.
علّموني كيف أعيش، لا كيف أطيع فقط.
علّموني كيف أختار، لا كيف أُقاد.
امسكوا بيدي عندما أتعثر، ثم اتركوها عندما أتعلم الوقوف.
فأنا لا أطلب أن تعيشوا حياتي بدلًا مني…
أنا فقط أطلب أن تساعدوني على أن أعيشها.
أريد منكم القدوة…

لا أن أكون مجرد تابع يحفظ قائمة طويلة من الأوامر:

افعل…

ولا تفعل…

اقترب…

وابتعد…

أريد أن أرى فيكم ما تطلبونه مني.

فالأبناء لا يتعلمون مما يسمعونه بقدر ما يتعلمون مما يرونه.

أريد أبًا أستطيع أن أعتبره صديقًا عندما تضيق بي الدنيا.

وأمًا تحتوي ضعفي قبل أن تحاسبني عليه.

أريد من يوجهني لا من يتحكم بي.

ومن يمسك بيدي لا من يقيدها.

لقد أقنعتم العالم أن هذه المرحلة هي مرحلة التمرد والمشكلات والصدامات.

بينما ربما كانت في حقيقتها مرحلة البحث عن الذات.

مرحلة يحاول فيها الإنسان أن يعرف من يكون.

وأن يكتشف مكانه في هذا العالم.

لقد كان الشاب في مثل هذا العمر قديمًا يُمنح الثقة قبل الشك.

والمسؤولية قبل الاتهام.

ويُنظر إليه باعتباره مشروع رجل أو امرأة قادرين على البناء والعطاء.

أما اليوم فنحن نقف في منطقة غريبة…

أكبر من أن نُعامل كأطفال.

وأصغر من أن يُعترف بنا كراشدين.

فلا تجعلوا هذه السنوات معركة بيننا وبينكم.

اجعلوها رحلة نعبرها معًا.

فأنا لا أحتاج إلى مزيد من الأوامر…

أنا أحتاج إلى مزيد من الفهم.
ماذا يحدث داخل عقل المراهق؟

قد يظن البعض أن المراهق يبالغ في مشاعره، أو يتمرد لمجرد التمرد، لكن علم النفس يرى الأمر بصورة مختلفة.

فالمراهقة ليست مرضًا، وليست أزمة يجب القضاء عليها، بل مرحلة طبيعية من مراحل النمو يمر بها الإنسان في رحلته نحو النضج.

ويرى عالم النفس إريك إريكسون أن أهم ما يميز هذه المرحلة هو البحث عن الهوية.

فالمراهق لا يسأل نفسه: ماذا أريد أن أكون؟

بل يسأل سؤالًا أعمق:

من أنا؟

من هنا تبدأ محاولاته لاكتشاف شخصيته، وتكوين آرائه الخاصة، واختيار القيم التي سيؤمن بها، ولذلك يصبح أكثر ميلًا للنقاش ورفض التقليد الأعمى.

أما عالم النفس جان بياجيه فيرى أن المراهق ينتقل إلى مرحلة جديدة من التفكير، حيث يصبح قادرًا على التفكير المجرد والتحليل والاستنتاج، لذلك يبدأ في التساؤل عن القوانين والأفكار والعادات التي كان يقبلها سابقًا دون نقاش.

لهذا فإن كثرة الأسئلة ليست علامة تمرد، بل علامة نمو عقلي.

كما تشير الدراسات النفسية إلى أن المناطق المسؤولة عن الانفعالات والمشاعر تنضج أسرع من المناطق المسؤولة عن ضبط النفس واتخاذ القرار، وهو ما يفسر كثيرًا من التقلبات الانفعالية التي تظهر خلال هذه المرحلة.

لذلك فإن المراهق لا يحتاج إلى العقاب بقدر حاجته إلى التوجيه.

ولا يحتاج إلى السيطرة بقدر حاجته إلى الاحتواء.

ولا يحتاج إلى من يتحدث طوال الوقت، بل إلى من يستمع أيضًا.
استبدلوا الأوامر بالحوار
فكلما شعر المراهق أن رأيه مسموع، أصبح أكثر استعدادًا للاستماع للآخرين.
امنحوه مسؤوليات حقيقية
لا تطلبوا منه تحمل المسؤولية نظريًا، بل اجعلوه يشارك في اتخاذ بعض القرارات المناسبة لعمره.
افصلوا بين الخطأ والشخص
أخطاؤه لا تعني أنه شخص سيئ، بل تعني أنه ما زال يتعلم.
كونوا قدوة قبل أن تكونوا موجهين
فالأبناء يتعلمون مما يرونه أكثر مما يسمعونه.
احترموا حاجته للاستقلال
الاستقلال لا يعني التمرد، بل هو جزء طبيعي من رحلة تكوين الشخصية.
المراهق لا يطلب حياة بلا حدود، بل يطلب مساحة آمنة يكتشف فيها نفسه دون خوف من السخرية أو الرفض
في النهاية…

المراهقة ليست عيبًا يحتاج إلى إصلاح.

وليست تمردًا يجب كسره.

وليست حربًا ينتصر فيها الآباء أو الأبناء.

إنها جسر يعبر عليه الطفل نحو الرشد.

وكلما كان هذا الجسر مليئًا بالفهم والثقة والحوار، كان العبور أكثر أمانًا.

وربما كان المراهق طوال هذا الوقت لا يطلب أكثر من شيء واحد:

أن يُفهم.

أن يُسمع.

أن يُعامل بما يناسب مرحلته العمرية.

فهو لم يعد ذلك الطفل الذي يحتاج إلى من يفكر بدلًا منه.

ولم يصبح بعد ذلك الراشد الذي يستطيع مواجهة الحياة وحده.

إنه يقف في المنتصف…

يمد يده طالبًا الإرشاد لا السيطرة.

والاحتواء لا التوبيخ.

والثقة لا الشك.

فإذا صادفتم مراهقًا يرفع صوته، أو يكثر من أسئلته، أو يرفض بعض ما اعتاد عليه بالأمس…

فلا تسارعوا إلى الحكم عليه.

فربما لم يكن يتمرد عليكم…

بل كان يحاول أن يجد نفسه.

وما بين طفل الأمس ورجل الغد…

تولد شخصية الإنسان التي سترافقه بقية عمره. **

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code