شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تُمثّل أيديولوجية “ولاية الفقيه” واحدة من أكثر التحولات السياسية والفقهية جذرية في التاريخ الإسلامي الحديث؛ إذ نقلت الفقه الشيعي الاثنا عشري من مرحلة “الانتظار السلبي” للإمام الغائب إلى مرحلة “العمل الثوري الاستباقي” وتأسيس الدولة. ولم يكن هذا التحول فقهيًّا بحتًا، بل ارتكز على خطاب أيديولوجي متكامل صُمم لإدارة الدولة، وتعبئة الجماهير عابرة الحدود الجغرافية، وصياغة عقيدة أمنية وسياسية تواجه النظام الدولي. تستعرض هذه الدراسة البنية الفكرية لهذا الخطاب، وآلياته التعبوية، وموقعه مقارنة بتيارات الإسلام السياسي الأخرى.
ما هو الخطاب الأيديولوجي؟
يُعرَّف الخطاب الأيديولوجي بأنه منظومة نسقية من الأفكار، والمفاهيم، والرموز، والقيم التي تنتجها سلطة أو جماعة سياسية ما، بهدف تفسير الواقع الاجتماعي والسياسي وتبريره، وتوجيه سلوك الأفراد نحو أهداف محددة. لا يقتصر الخطاب الأيديولوجي على كونه أداة معرفية، بل هو أداة سلطوية تهدف إلى صياغة الوعي الجمعي، وتأطير المفاهيم حول “الذات” و”الآخر”. وفي سياق الأنظمة الثورية الشمولية، يُعد الخطاب الأيديولوجي عصب شرعية النظام وآليته الرئيسية لتبرير السياسات الاستراتيجية، وتحويل العقائد النظرية إلى سلوكيات تعبوية في الميدان.
وتجسد الجمهورية الإسلامية ظاهرة الأيديولوجيا البيروقراطية من خلال بنيتها كنظام ثيوقراطي يعزز مفهوم “السيادة الإلهية” للولي الفقيه، وهو دور يتجسد في الصلاحيات الواسعة للمرشد الأعلى. وفي حين تلتزم الجمهورية الإسلامية بالتفسير الشمولي للإسلام السياسي الشيعي، فإن السلطة المطلقة داخل النظام تقع في يد المرشد الأعلى، الذي يجمع بين السلطة السياسية والدينية على حد سواء.
وخلال فترة حكمه، أصدر الخميني فتواه الشهيرة بأنه إذا رأى الولي الفقيه (المرشد الأعلى) ضرورة لذلك، يمكن تعليق حتى الممارسات الإسلامية الواجبة مثل الصلاة والصيام. وقد تمسك خامنئي بهذه الرؤية الموسعة لسلطات المرشد الأعلى، ويمارسها دون مساءلة. وتعتمد هذه السلطة التي لا تخضع للرقابة على فكرة “ما وراء القانون” أي أنها ممنوحة بإرادة إلهية، وهي فكرة يتبناها أنصار خامنئي دون تردد، حيث يرون أن حكمه بمثابة امتداد لتقاليد الأنبياء وأئمة الشيعة. كما تمنحه هذه الصلاحيات الواسعة الكلمة الفصل في الشؤون الخارجية.
مرتكزات خطاب ولاية الفقيه
الحاكمية الدينية: تتمثل الحاكمية الدينية في خطاب ولاية الفقيه في نيابة الفقيه الجامع للشرائط عن الإمام المعصوم في قيادة الأمة وإدارة الدولة، وتستند إلى حاكمية الله المطلقة، وتتضمن صلاحيات استثنائية لتنظيم المجتمع الإسلامي.
وتنبثق الحاكمية الدينية في خطاب ولاية الفقيه من فرضية أن التشريع والحكم هما حق حصري لله سبحانه وتعالى، وأن هذا الحق انتقل من الرسول إلى الأئمة المعصومين، ثم إلى “الفقيه الجامع للشرائط” خلال عصر الغيبة الكبرى، وتؤكد المادتين (5) و(107) من الدستور الإيراني لعام 1979 المعدل عام 1989 هذه الحاكمية المطلقة؛ حيث يتولى الفقيه صلاحيات الإمامة وقيادة الأمة، وبذلك يُصبح التمرد على قرارات الولي الفقيه أو انتقاد سلطته بمثابة عصيان للتشريع الإلهي، مما يمنح النظام حصانة فقهية مطلقة تتجاوز آليات الديمقراطية الوضعية.
الثورة المستمرة: يرفض خطاب ولاية الفقيه فكرة انقضاء الفعل الثوري بمجرد سقوط النظام الملكي السابق عام 1979؛ بل يُكرس سردية “الثورة المستمرة” داخليًّا وخارجيًّا. وتتجسد هذه المرتكزات في عقيدة “تصدير الثورة” (المادة 154 من الدستور)، والتي تنص على دعم النضال المشروع لـ “المستضعفين” ضد “المستكبرين” في أي مكان في العالم. هذا المفهوم يُبرر استمرار الحالة الثورية داخل المجتمع الإيراني، ويُشرعن إنشاء أذرع وفصائل عسكرية مسلحة عابرة للحدود كالحرس الثوري الإيراني (IRGC) والفصائل الحليفة له في العراق واليمن ولبنان.
وتُكرّس الهيكلية الدستورية التي صاغها تعديلا عامي 1979 و1989 مفهوم “الثورة المستمرة” عبر مأسسة “ولاية الفقيه” في قمة الهرم السياسي والديني؛ حيث يمنح الدستور (لا سيما المادة 110) للمرشد الأعلى—الذي يُشترط فيه الكفاءة الفقهية والبصيرة السياسية دون ضرورة المرجعية العليا—صلاحيات سيادية وتشريعية وعسكرية مطلقة تخوّله رسم السياسات العامة وإدارة القوات المسلحة. وبذلك، يتحول المنصب من مجرد قيادة سياسية إلى رمزية عقائدية مقدسة تدمج الشرعية الثورية بالنيابة الدينية عن الإمام الغائب، مما يضمن استمرار الحالة الثورية وهيمنتها الاستراتيجية على كافة سلطات ومؤسسات الدولة.
المستضعفون: أجرى آية الله الخميني عملية “تسييس ممنهجة” للمصطلحات القرآنية، وفي مقدمتها مصطلح “المستضعفين” (الذين وُعدوا بالإمامة والوراثة الأرضية)، محولًا إياه من دلالته الأخلاقية الروحية إلى أداة سوسيولوجية وسياسية. ويُقسّم الخطاب العالم إلى فسطاطين: فسطاط “المستضعفين” المحرومين سياسيًّا واقتصاديًّا، وفسطاط “المستكبرين” الطغاة؛ وبموجب هذا التقسيم، يطرح نظام ولاية الفقيه نفسه كقائد عالمي ومدافع حصري عن حقوق المحرومين، متجاوزًا الانقسام المذهبي التقليدي لجذب حركات تحررية متعددة.
وطرح الإمام الخامنئي في كلمته بتاريخ 11/6/2023 خلال لقاء مع العلماء والمتخصصين والخبراء والمسؤولين في الصناعة النووية مفهومًا آخر من المفاهيم القرآنيّة المكوّنة للحضارة. ولفت إلى دخول مفردة «مستضعف» و«استضعاف» إلى الأدبيّات السياسيّة لإيران مع انتصار الثورة الإسلاميّة وفسّرها، وشرح مفهوم «المستضعف» القرآني وعلاقته مع «المقاومة» وتحقيق النصر النهائي و”وراثة الأرض” . وتُعدّ مفردة الاستضعاف، واحدة من المفردات المستخدمة كثيرًا في الثورة الإسلاميّة ولها جذورٌ في آيات القرآن الكريم. وحيث إنّ هذه المفردة عبارةٌ عن اشتراك لفظي، فإنّ لها معانٍ عديدة ينبغي أن يتمّ تعيين حدّ وتعريف كلٍّ منها. كما جرى استخدامها في العُرف القديم والحالي ضمن إطار معانٍ خاصّة. لكن حيث إنّ هذه المفردة مفردةٌ قرآنيّة، فإنّه من الضروري تحليلها من منظار آيات القرآن وعرض المعنى الصحيح لها.
مقاومة الهيمنة: تُعد “مقاومة الهيمنة” أو “مناهضة الاستكبار العالمي” المحور الحركي لخطاب ولاية الفقيه، وهي الصياغة الأيديولوجية لسياسة إيران الخارجية. ويرتكز هذا المفهوم على أن النظام الدولي محكوم ببنية إمبريالية ظالمة تسعى للسيطرة على مقدرات الشعوب الإسلامية وثرواتها. وبناءً على ذلك، يُلزم الخطاب الأيديولوجي الدولة بتأسيس “محور المقاومة” كتحالف عسكري وفكري لمواجهة المشاريع الغربية، وتبرير الكلفة الاقتصادية والعسكرية الباهظة التي تتحملها الدولة في رعاية هذا المحور.
وأكد الدستور الإيراني على مواجهة القوى الكبرى بوصفها قوى استكبار وهيمنة، وَعَدَّ ذلك وظيفة أساسية لنظام الحكم، إذ نَصّ الدستور في المادة (2) بند (6) على أن النظام الإسلامي الثوري يقوم على “رفض جميع أشكال الاضطهاد، سواء بفرضه أو الخضوع له، وجميع أشكال الهيمنة، سواء بفرضها أو بقبولها”، كما نصّت المادة (3) بند (5) على “طرد الاستعمار كلية ومكافحة النفوذ الأجنبي”، وهو الأمر الذي يعكس طبيعة علاقة النظام الإيراني بالنظام الدولي القائم.
وأكدت المادة (152) من الدستور الإيراني مبدأ الاستقلالية في السياسة الخارجية، إذ نصَّت على أن “تقوم السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية على رفض كل أشكال التسلط، سواء ممارسته أو الخضوع له، والمحافظة على الاستقلال الكامل ووحدة أراضي البلاد، والدفاع عن حقوق جميع المسلمين، وعدم الانحياز لأي من القوى العظمى المتسلطة، والاحتفاظ بعلاقات سلمية متبادلة مع جميع الدول غير المعادية”، ونصت المادة (153) على تأكيد مواجهة النفوذ الأجنبي، إذ أكدت أنه “يمنع عقد أي معاهدة تؤدي إلى السيطرة الأجنبية على الثروات الطبيعية للبلاد أو اقتصادها أو جيشها أو ثقافتها أو أي مظهر آخر في حياتها الوطنية”.
الهوية الإسلامية: يتحرك الخطاب في دائرة مزدوجة تجمع بين القومية الفارسية وبين “الأممية الإسلامية”؛ إذ يسعى لتجاوز الحدود الضيقة للدولة الوطنية نحو فضاء “الأمة الإسلامية” الواحدة. ويطرح الخطاب أيديولوجية عابرة للمذاهب تركز على القضايا الإسلامية الجامعة- وفي مقدمتها القضية الفلسطينية- لبناء هوية إسلامية موحدة تقودها طهران، مما يمنحها القدرة على النفاذ إلى المجتمعات السنية والشيعية على حد سواء، وتوظيف هذه الهوية كأداة نفوذ جيوسياسي في الشرق الأوسط.
ولا يرتبط الخطاب الأيديولوجي لولاية الفقيه بإسلامية النموذج الإيراني بقدر ما ترتبط بالتفسير الإيراني لما هو إسلامي، فقد قامت أيديولوجية الحكومة الإسلامية على رؤية الخميني لماهية الإسلام كتطبيق يشمل علاقات المجتمع داخليًّا وخارجيًّا، وقد مثلت الرؤية السابقة مدخلًا أساسيًّا لتبنِّي الثورة الإيرانية منطلقًا فكريًّا وحركيًّا يميل إلى تعريف الدولة كمحرك أو أداة مصدِّرة للأيديولوجيا خارج الحدود كما صرح الخميني في عيد الثورة الأول قائلًا: “سوف نصدر الثورة إلى الأركان الأربعة لأن ثورتنا إسلامية”.
وقد تضمنت مهامّ الدستور، تحقيق التضامن بين دول العالم الإسلامي، إذ تنص المادة (11 ) على أنه “وفقًا للآية الكريمة (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) يشكِّل المسلمون أمة واحدة، ويتعين على حكومة جمهورية إيران الإسلامية صياغة سياستها العامة على أساس تضامن الشعوب الإسلامية ووحدتها، ومواصلة السعي لتحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية للعالم الإسلامي”. وهكذا فإن الصورة التي يقدِّمها الدستور هي لدولة صاحبة رسالة تستند إلى أيديولوجيا دينية مذهبية ذات أبعاد عالمية.
بناء الشرعية
الشرعية الدينية: تتأسس الشرعية الدينية لولاية الفقيه على التكييف الفقهي لمفهوم “النيابة العامة” عن الإمام المهدي (الإمام الثاني عشر لدى الشيعة الإمامية)؛ فالولي الفقيه لا يستمد مشروعيته من صناديق الاقتراع أو الرضا الشعبي كأصل، بل من التعيين الإلهي العام المعتمد على توفر صفات العدالة، والشجاعة، والفقاهة. هذا البناء الفقهي يجعل طاعة الولي الفقيه واجبًا دينيًّا تكليفيًّا، وتُعد ولايته امتدادًا لولاية الرسول والأئمة، مما يمنح قراراته السياسية والعسكرية صبغة قدسية لا تجوز مخالفتها.
وتأصيلًا للشرعية الدينية والإلهية لولاية الفقيه، شرع الإمام الخميني، في سنٍّ مبكرة (40) عامًا، في وضع اللبنات الأولى لنظرية “ولاية الفقيه العامة” عبر كتابه (كشف الأسرار)، لا سيما في المقالتين الثالثة والرابعة، حيث استند فيهما إلى قوة الأدلة النقلية والشرعية التي تستمد عراقتها من النص المعصوم، لإثبات أن ولاية الفقيه في عصر الغيبة هي تكليف شرعي وحق أصيل للفقيه الجامع للشرائط. وكان لمفهوم “الشرعية الدينية” أساسه الرئيس في نمط الحكم الإيراني، إذ يشير إلى الأساس العقائدي والسياسي الذي يستمد منه النظام في إيران سلطته وحقه في الحكم، وتستند هذه الشرعية بشكل رئيسي إلى مفهوم “ولاية الفقيه”.
الشرعية الثورية: ظهر مصطلح (الشرعية الثورية) مع البدايات الأولى للجمهورية الاسلامية الإيرانية في فبراير 1979، وهي المرجعية السياسية والدستورية التي تستمد منها إيران استمراريتها وسلطتها، والتي ترتكز على مبدأ (ولاية الفقيه)، وتأسست معها كيانات موازية لضمان حماية النظام وتحقيق أهدافه، أبرزها (الحرس الثوري الذي يمثل مؤسسة عقائدية وعسكرية لحماية المكتسبات الثورية داخليًّا وخارجيًّا، وكانت الشرعية الثورية هي المصدر الوحيد للدولة في كل تشريعاتيها وأدوات تنفيذها ووسائل ديمومتها والمرجع الأول في كل ما يتعلق بأصول سياستها الداخلية وعلاقتها الدولية والإقليمية وفي إدارتها لشؤون الحياة، وأصبحت الثورة جزءًا من هوية الدولة وليس المصدر الوحيد لشرعيتها، وبه لا تتخلى إيران عن خطاب المقاومة لكنها تجعله احد أدوات السياسة الخارجية ولكنه ليس المعيار الذي يحدد به شرعيتها الداخلية مع اعتماد عنصر المقاومة خيار استراتيجي يخضع لحسابات المصلحة الوطنية والقدرات الاقتصادية في تطور إيجابي تنتقل به إيران من إدارة الأزمات الى إدارة التنمية.
الرموز الدينية: يوظف الخطاب الأيدولوجي الرموز الدينية الشيعية الكبرى ووظائفها المذهبية لخدمة الأهداف السياسية المعاصرة، فيتم إسقاط مفاهيم “كربلاء” و”عاشوراء” و”غيبة الإمام” على الواقع السياسي؛ ويُصبح الفقيه القائد هو “حسين العصر”، وتُصبح القوى المعارضة له بمثابة جبهة “يزيد ابن معاوية”. هذا التوظيف الممنهج للرموز المقدسة يُحيل الصراعات السياسية والجيوسياسية الراهنة إلى معارك عقائدية وجودية لا تقبل الحلول الوسط.
والفكر الإيراني يجمع بين البُعدين العقائدي والتنظيمي، عبر توظيف الرموز الدينية لإنتاج بيئات أكثر قابلية للتأثر بالرؤية السياسية الإيرانية، بما يمنحه قدرة على بناء نفوذ يتجاوز الإطار المذهبي التقليدي، حيث يستدعي الخطاب الأيدولوجي لولاية الفقيه الرموز الدينية وإعادة تدويرها بمنظور معاصر كامتداد لخطاب الشهادة والتضحية والمقاومة في مواجهة الاستبداد، وكونها طريقًا للنضال من أجل إعادة كرامة الأمة الإسلامية وفرض وجودها في كل أنحاء المعمورة.
بناء صورة الآخر
الغرب: يُصوَّر الغرب في أيديولوجية ولاية الفقيه ككيان استعماري فاسد أخلاقيًّا ومضاد للقيم الروحية الإسلامية؛ فهو مصدر “الغزو الثقافي” (شبیخون فرهنگی) الذي يستهدف إفساد شباب الأمة وسلخهم عن هويتهم العقائدية، ويرى الخطاب أن المؤسسات الدولية والقوانين العالمية ليست سوى أدوات استعمارية ناعمة صاغها الغرب للحفاظ على تفوقه واستنزاف مقدرات العالم الإسلامي.
إسرائيل: تُمثل إسرائيل في هذا الخطاب الأيديولوجي “الآخر المطلق” و”الشر المحض”؛ حيث وُصمت بـ “الغدة السرطانية” التي يجب استئصالها من جسد الأمة. ولا ينظر خطاب ولاية الفقيه إلى إسرائيل كدولة ذات سيادة أو خصم سياسي عادي، بل ككيان مغتصب فاقد للمشروعية الوجودية، وجرى زرعه في قلب العالم الإسلامي لتقسيمه، مما يجعل تحرير القدس واجبًا عقائديًّا ثابتًا غير قابل للمساومة أو السلام والتفاوض.
ويتبنى نظام ولاية الفقيه شعار عدم مشروعية وجود إسرائيل والعمل على إزالتها من الوجود، ويجعل من العداء لإسرائيل وإلغاء شرعيتها ركيزة أساسية، إلى جانب بناء شبكة تحالفات مسلحة محيطة بإسرائيل وتطوير قدرات نووية وصاروخية تساهم في تهديد أمنها القومي، بالإضافة إلى دعم وتمويل فصائل مسلحة مناهضة لإسرائيل في المنطقة مثل حزب الله وحماس والحوثيين تحت مظلة “محور المقاومة”.
الولايات المتحدة: منح الخطاب الأيديولوجي الإيراني الولايات المتحدة الأمريكية لقب “الشيطان الأكبر” (شیطان بزرگ)، وهو مصطلح يدمج بين البعد الديني والسياسي، وهو ما أعلنه الخميني- في نوفمبر 1979- مما كان له عظيم التأثير على النظرة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية؛ نظرا لقيمة الخميني عند الشيعة في داخل إيران وخارجها، فالولايات المتحدة هي رأس الاستكبار العالمي والمحرك الأساسي لكل المؤامرات التي تستهدف الثورة الإسلامية، من حرب الخليج الأولى (1980-1988) إلى فرض العقوبات الاقتصادية الصارمة، ويُبنى مفهوم التعامل مع واشنطن على الصراع الحتمي والعداء المستمر، معتبرًا أي تقارب أو ثقة بها بمثابة سذاجة سياسية أو خيانة للثورة.
الخصوم الإقليميون: يُصنّف الخطاب الخصوم الإقليميين في الشرق الأوسط (تحديدًا الأنظمة الملكية والمحافظة) كـ “أدوات ووكلاء” للمشروع الاستعماري الغربي، ويتم مهاجمتهم أيديولوجيًّا ووصفهم بتبني “الإسلام الأمريكي” – المصطلح الذي صاغه الخميني لوصف الإسلام الشكلي الخالي من المضمون الثوري ومقاومة الاستكبار- ويتهمهم الخطاب بالخيانة القضائية لقضايا الأمة بسبب تحالفاتهم الأمنية مع واشنطن وتطبيع بعضهم مع إسرائيل.
وبدوره أكد علي الخامنئي، في أحد المحافل الرمضانية في عام 2014، أن الإسلام الأمريكي يخدم الأهداف والمطامع الأمريكية والصهيونية تحت غطاء إسلامي، وقال “إن الإسلامی الأمریكي ورغم ظاهره الإسلامی إلا أنه یرضى بمساومة الطاغوت والصهیونیة، ویقبل بولایة المستكبرین ویكرس وجوده فی خدمة تحقیق أهداف الطاغوت وأمریكا”.
مفهوم التهديد في الخطاب: يتمحور مفهوم التهديد في خطاب ولاية الفقيه حول نظرية “المؤامرة الدائمة والحصار الوجودي”، فالنظام يطرح نفسه دائمًا في موقع المستهدف والمحاصر من قِبل قوى الاستكبار، ويُستخدم هذا المفهوم لتعبئة الجماهير وتبرير الإجراءات الأمنية الصارمة داخليًّا، واعتبار الأزمات الاقتصادية الناتجة عن العقوبات بمثابة “جهاد اقتصادي” وصمود في وجه الحصار، مما يحول التهديدات الخارجية إلى وقود لتعزيز اللحمة الأيديولوجية الداخلية.
آليات التعبئة الفكرية
الرموز والشعارات: تعتمد التعبئة الفكرية في نظام ولاية الفقيه على ترسانة من الرموز والشعارات البصرية واللفظية المكررة بعناية، ويُعد شعار “الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل” الشعار الهيكلي الناظم للمحافل الرسمية والتعبوية، كما تُرفع صور الولي الفقيه- الخميني ثم خامنئي- في كل الميادين والمؤسسات كرمز للوحدة والقيادة المطلقة؛ وتعمل هذه الشعارات كأدوات لشحن العواطف وتجديد الولاء الأيديولوجي اليومي.
المناسبات الدينية والذاكرة الجمعية: يستغل النظام الإيراني المناسبات الدينية الكبرى وتحويلها إلى تظاهرات سياسية تعبوية حاشدة، مثل “مسيرة الأربعين” ومجالس عزاء عاشوراء، بالإضافة إلى المناسبات المستحدثة كـ “يوم القدس العالمي”- الجمعة الأخيرة من شهر رمضان- وتُسهم هذه الفعاليات في دمج الذاكرة الجماعية الشيعية المتمحورة حول مظلومية آل البيت بالواقع الجيوسياسي المعاصر، مما يحول الممارسات الطقسية إلى أدوات استعراض قوة سياسية وقدرة على الحشد المليوني.
سرديات الشهادة: تُمثّل “عقيدة الشهادة” الركيزة التعبوية الأقوى لضمان تدفق المقاتلين نحو الجبهات؛ حيث يُعاد إنتاج سردية الاستشهاد في كربلاء لإضفاء القدسية على القتلى في المعارك الحديثة، وجرى مأسسة هذه السردية عبر “مؤسسة الشهيد وإيثارگران” التي تقدم امتيازات اقتصادية واجتماعية ضخمة لعائلات القتلى. وشهدت السنوات الأخيرة تحويل شخصية الجنرال قاسم سليماني- الذي قُتل في غارة أمريكية عام 2020- إلى “أيقونة استشهاد عالمية” تُوظف سرديته في الأدبيات والإعلام المدرج لتنشئة جيل جديد من المقاتلين المستعدين للتضحية في سبيل المشروع الأيديولوجي للولاية.
المقارنة بين ولاية الفقيه وتيارات الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين نموذجًا)
يتقاطع خطاب ولاية الفقيه مع بعض حركات الإسلام السياسي السنية- ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين- في السعي المشترك لدمج الدين بالسياسة وتأسيس الدولة الإسلامية، ورغم الاختلاف الجوهري في البنية الهيكلية ومفهوم القيادة والمرجعية الدينية وأدوات التنفيذ، إلا أن جماعة الإخوان ونظام الولي الفقيه يتشابهان ويلتقيان في المنطلقات الأيديولوجية الكبرى التي تهدف إلى تسييس الدين وأسلمة السياسة، والعداء المشترك للدولة الوطنية الموحدة ذات السيادة الشعبية والسياسية والجغرافية، حيث يطمح كل منهما للوصول إلى حكم المنطقة، فبينما يسعى فكر الولي الفقيه إلى تدويل الثورة وتجاوز حدود إيران الجغرافية لما هو أبعد، تظل أعين الإخوان معلقة في دولة الخلافة أو أستاذية العالم خلفًا للعثمانيين.
ويتشابه النظامان في مفهوم الحاكمية الإلهية أو الغيبية المقدسة كبديل للسيادة البشرية حيث يقوم نظام الولي الفقيه على مبدأ النيابة العامة في شخص الولي الفقيه أو المرشد الأعلى وله الولاء المطلق. في حين يرتكز مبدأ البيعة “للمرشد العام” لدى الإخوان وهي علاقة تعاقدية دينية تُبدّي الولاء والطاعة للتنظيم فوق الولاء للوطن وهو ما يكرس لدى أعضائهم والتابعين لهم “ازدواجية الولاء”.
عنصر تشابه آخر جدير بالاهتمام بين الولي الفقيه والإخوان وهو استخدام الوكلاء والأذرع العابرة للحدود، عبر بناء شبكات وخلايا عنقودية سرية ومعلنة، تتغلغل في مختلف فصائل المجتمع الدينية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، والإعلامية والخيرية والمؤسسية، أضف الى ذلك امتلاك كلا النظامين إلى الأجنحة العسكرية، حيث يمتلك الولي الفقيه “قوات الحرس الثوري” كذراع عسكري رغم وجود جيشٍ نظامي إيراني. بينما يمتلك الإخوان تاريخًا طويلًا مع الأجنحة والميليشيات المسلحة المتنوعة التي تظهر وتختفي وتنشط في كل دولة حسب الحاجة السياسية لها.
ويتمثل التقاطع الأبرز بين إيران والإخوان في أن كليهما ينطلق من تصور لا يجعل الدولة الوطنية الإطار النهائي للهوية والولاء، فالفقيه في إيران يطرح نفسه عبر مرجعية دينية ثورية ذات امتداد إقليمي، بينما يستند المرشد الإخواني إلى فكرة الجماعة والأمة الإسلامية بوصفهما إطارًا يتجاوز الدولة القطرية.
ويتقاطع النظامان أيضًا في توظيف الهوية أداةً سياسيَّة، فإيران تميل إلى تسييس الهوية المذهبية والرمزية الثورية ضمن مشروعها الإقليمي، ويوظف الإخوان الهوية الدينية العامة والخطاب الأخلاقي والاجتماعي لبناء قواعد تأثير ممتدة، ولا تبقى الهوية هنا مجرد انتماء ديني أو ثقافي، بل تتحول إلى أداة تعبئة وتوجيه سياسي واجتماعي.
ومع ذلك، فإن الاختلاف بين النظامين يظل جوهريًّا؛ فالنظام الإيراني يرتبط بدولة قائمة تمتلك مؤسسات سياسية وأمنية وعسكرية توظفها في دعم مشروعها الخارجي، بما في ذلك الحرس الثوري، والدبلوماسية، والإعلام، وشبكات الحلفاء. أما جماعة الإخوان فهي في الأصل حركة تنظيمية عابرة للحدود، تقوم على شبكة فكرية وتنظيمية مرنة تتكيف مع البيئات السياسية المختلفة.
ومع ذلك، تكمن الفجوة الجوهرية بين التجربتين في الأساس العقدي، فولاية الفقيه نموذج شيعي إمامي مغلق لا يمكن تطبيقه أو استنساخه في البيئات السنية، نظرًا لارتكازه على مفهوم “الإمامة والنيابة عن المعصوم”؛ في حين أن جماعة الإخوان المسلمين تنتمي للفضاء الفقهي السني الذي لا يقر بالمعصومية بعد الرسول، ويعتبر الحاكم وكيلًا سياسيًّا عن الأمة يسهل عزله أو انتقاده؛ وبالتالي، فإن ولاية الفقيه أسست نظامًا ثيوقراطيًّا سلطويًّا مدمجًا بالدولة، بينما بقيت حركة الإخوان المسلمين حركية سياسية دعوية تبحث عن التمكين داخل هياكل الدولة التقليدية.
تقييم وقراءة مستقبلية
– نجح الخطاب الإيديولوجي لولاية الفقيه في تحويل الطقوس والمظلوميات التاريخية من طاقة حزن سلبي إلى وقود سياسي وعسكري متحرك، ما يمنح القرار السياسي أو العسكري “قدسية فقهية” تجعل عقيدة الشهادة خيارًا عقلانيًّا داخل المنظومة العقائدية.
– من خلال إعادة تعريف مصطلحات مثل “المستضعفين” و”الاستكبار”، تمكّن النظام الإيراني من صياغة سردية جاذبة تتجاوز البعد المذهبي الضيق أحيانًا، مما أتاح لطهران بناء عمق استراتيجي إقليمي غير مسبوق عبر “محور المقاومة”.
– لضمان ديمومة “الشرعية الثورية”، استحدث النظام كيانات موازية، ما يحمي النظام من الانقلابات الداخلية، لكنه يخلق ترهلًا وصراعًا صامتًا بين “منطق الدولة” الذي يتطلب تنمية واستقرارًا، و”منطق الثورة” الذي يتغذى على الأزمات الدائمة والحصار الوجودي.
– عند غياب المرشد، سيواجه مجلس خبراء القيادة تحديًا هائلًا في إيجاد شخصية تجمع بين “المشروعية الفقهية العليا” و”البصيرة السياسية”، ما قد يدفع نحو “عسكرة المقعد”، حيث سيلعب الحرس الثوري الدور الحاسم في تسمية المرشد القادم، مما يحول النظام عمليًا من ثيوقراطية فقهية نقية إلى “ديكتاتورية عسكرية بعباءة دينية”.
– اتساع الفجوة بين “الخطاب الجامد للنظام” والواقع السوسيولوجي للشارع سيجبر النظام مستقبلاً على الاختيار بين: القمع الشمولي المستمر أو الانتقال التدريجي نحو إدارة التنمية وتقديم تنازلات في الهوية الثورية لصالح المصلحة الوطنية.
– بناء الشرعية على استعداء “الولايات المتحدة وإسرائيل” ووصفها بأنها شر محض يحرم النظام من مرونة المناورة الجيوسياسية الكاملة، وأن هذه الشعارات “أدوات تعبئة” للاستهلاك المحلي والإقليمي، لكن التطبيق العملي للسياسة الخارجية الإيرانية سيتجه أكثر نحو البراجماتية النفعية.
– وصلت ولاية الفقيه إلى مرحلة النضج البنيوي الأقصى، حيث لا يمكنها التمدد أكثر دون المخاطرة بانهيار المركز، فديمومة هذا النظام في المستقبل لن تعتمد على مدى قدرته على “التعبئة العقائدية”، بل على مدى مرونته في “التحول الوظيفي” من حالة الثورة إلى حالة الدولة، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي الداخلي بعيدًا عن القدسية المطلقة للفقيه.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
