شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_أقرت الحكومة الألمانية حزمة إصلاحات واسعة تستهدف إعادة صياغة دور جهاز الاستخبارات الخارجية، في خطوة تعكس تحولاً جوهرياً في العقيدة الأمنية لبرلين، مع تصاعد المخاوف من التهديدات الروسية وتزايد الهجمات السيبرانية وعمليات التخريب التي تستهدف البنية التحتية الأوروبية، إلى جانب سعي ألمانيا إلى تقليص اعتمادها على المعلومات الاستخباراتية القادمة من الولايات المتحدة.
ويمثل المشروع، الذي وافق عليه مجلس الوزراء، أكبر تعديل على صلاحيات جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني منذ تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية، إذ ينقل مهامه من الاكتفاء بجمع المعلومات إلى امتلاك أدوات عملياتية تتيح له تنفيذ إجراءات هجومية واستباقية ضد ما تصفه الحكومة بالتهديدات الهجينة.
وبموجب الإصلاح المقترح، سيُسمح لعناصر جهاز الاستخبارات الخارجية بتنفيذ عمليات تخريب موجهة، وشن هجمات إلكترونية، وإجراء عمليات تجسس أكثر نشاطاً، فضلاً عن اتخاذ تدابير مباشرة لإحباط الهجمات قبل وقوعها، وهي صلاحيات لم تكن متاحة للجهاز طوال العقود الماضية بسبب القيود القانونية التي فُرضت بعد سقوط النظام النازي لمنع تكرار تجاوزات أجهزة الاستخبارات في تلك الحقبة.
وترى الحكومة الألمانية أن البيئة الأمنية تغيرت بصورة جذرية، وأن البلاد أصبحت تواجه بصورة شبه يومية محاولات تجسس واختراق إلكتروني وعمليات تأثير سياسي وحملات تضليل تستهدف مؤسسات الدولة والرأي العام، ما يفرض تحديث أدوات الاستخبارات لتتلاءم مع طبيعة التهديدات الجديدة.
وأكد وزير الداخلية الألماني أن بلاده أصبحت هدفاً دائماً لعمليات تجسس وتخريب وهجمات إلكترونية تنفذها قوى أجنبية بهدف زعزعة الاستقرار الداخلي والتأثير على القرار السياسي، مشيراً إلى أن مسؤولية الدولة تقتضي تطوير أدواتها الأمنية بما يتناسب مع هذه المخاطر المتزايدة.
ويأتي هذا التحول في وقت تتهم فيه برلين موسكو بتكثيف ما يعرف بالحرب الهجينة ضد الدول الأوروبية، والتي تشمل الهجمات السيبرانية، ومحاولات التخريب، والتجسس الصناعي، والتأثير على الانتخابات، واستهداف البنية التحتية الحيوية.
كما عززت المخاوف الأمنية حادثة العثور مؤخراً على طائرة مسيّرة محملة بمواد متفجرة قرب مطار لايبزيغ هاله، بجوار طائرة أوكرانية كانت تستخدم لنقل ذخائر، وهي الواقعة التي دفعت مسؤولين ألمان إلى التحذير من تصاعد مستوى التهديدات، رغم استمرار التحقيقات دون إعلان رسمي عن الجهة المسؤولة.
ويرى مسؤولون ألمان أن هذه التطورات تؤكد ضرورة امتلاك أجهزة الاستخبارات صلاحيات تسمح لها بالتدخل السريع لمنع الهجمات، بدلاً من الاكتفاء بجمع المعلومات وإحالتها إلى الجهات المختصة.
ويتضمن المشروع أيضاً منح الجهاز صلاحيات تقنية أوسع في مجال تحليل البيانات، بما في ذلك استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرف على الوجوه، مع تخفيف القيود المتعلقة بحماية البيانات والسماح بالاحتفاظ بالمعلومات لفترات أطول، بما يتيح تعقب الشبكات المعادية بصورة أكثر فاعلية.
كما يسمح الإصلاح بتنفيذ إجراءات مضادة ضد منفذي الهجمات، مثل تعطيل المعدات المستخدمة، أو إحباط المتفجرات قبل تشغيلها، أو تنفيذ عمليات تضليل استخباراتي تستهدف الخصوم، على أن تبقى هذه التدابير مرتبطة مباشرة بالتهديد الأصلي وألا تعرض حياة المدنيين للخطر.
وتعكس هذه التعديلات أيضاً توجهاً ألمانياً لتقليل الاعتماد التقليدي على أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بعدما اعتمدت برلين لعقود على واشنطن في الحصول على معلومات استخباراتية متقدمة بسبب القيود القانونية المفروضة على جهازها الخارجي.
وترى الحكومة أن التغيرات الدولية، وعدم اليقين بشأن مستقبل التعاون الاستخباراتي عبر الأطلسي، يفرضان على ألمانيا بناء قدرات مستقلة تمكنها من حماية أمنها القومي دون الاعتماد المفرط على الحلفاء.
وفي هذا السياق، أكدت المستشارية الألمانية أن البلاد اعتمدت خلال السنوات الماضية بصورة كبيرة على شركائها في ملفات أمنية عديدة، معتبرة أن الوقت حان لتطوير قدرات وطنية أكثر استقلالية في جمع المعلومات وتنفيذ العمليات الاستخباراتية.
ويتطلب المشروع موافقة مجلسي البرلمان قبل دخوله حيز التنفيذ، وهو ما تتوقع الحكومة إنجازه خلال العام المقبل، على أن يبدأ تطبيق الصلاحيات الجديدة اعتباراً من عام 2027.
وترافق هذه الإصلاحات زيادة كبيرة في تمويل جهاز الاستخبارات الخارجية، إذ رفعت الحكومة ميزانيته بنحو 26% لتصل إلى أكثر من 1.5 مليار يورو، في مؤشر على أن برلين لا تكتفي بتوسيع الصلاحيات القانونية، بل تستعد أيضاً لاستثمار موارد مالية وتقنية كبيرة لبناء جهاز استخباراتي أكثر قدرة على مواجهة التحديات الأمنية التي باتت تعتبرها جزءاً دائماً من المشهد الأوروبي في ظل استمرار المواجهة مع روسيا.
أوروبا بالعربي

