بقلم الدكتور محمود علي بك
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_ليست الكارثة في أن ترتفع نسبة النجاح في امتحان، وليست المشكلة في الرقم وحده؛ فالأرقام قد تكون بشارة حين تكون انعكاسًا حقيقيًا لمستوى أبنائنا، لكنها تتحول إلى كارثة حين تصبح ستارًا يخفي انهيارًا في منظومة التعليم والتقويم.
وحين تصل نسب النجاح إلى أرقام مرتفعة بصورة تثير علامات الاستفهام، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: من المسؤول عن الرقم؟ بل: ماذا يعني هذا الرقم فعلًا؟
هل نجح أبناؤنا لأن مستوى التعليم ارتفع؟
أم لأن معايير الامتحان انخفضت؟
أم لأن الغش أصبح جزءًا من المشهد؟
أم لأن بعض الأسر والمعلمين وأعضاء اللجان قرروا أن النتيجة أهم من الحقيقة؟
هذه أسئلة مؤلمة، لكنها أكثر فائدة من الاحتفال بأرقام لا نعرف ماذا تخفي وراءها.
لقد أصبح الغش في بعض الحالات منظومة متكاملة: ولي أمر مستعد لدفع المال، ومعلم مستعد لبيع ما تبقى من ضميره، وطالب يدخل الامتحان وهو يعلم أن هناك من سيتكفل له بالإجابة، وعضو لجنة يغض الطرف، ومجتمع يصفق للنتيجة ثم يشتكي غدًا من ضعف الخريجين.
ثم نبحث عن مذنب واحد اسمه: وزارة التعليم!
لا، الوزارة والمركز الوطني للامتحانات مسؤولان عن كل خلل في منظومة الامتحانات، وأي تقصير أو تهاون يجب أن يحاسب عليه صاحبه. لكن اختزال المأساة كلها في المؤسسة الرسمية هروب من الحقيقة.
فالوزارة لا تستطيع أن تضع ضميرًا في صدر كل معلم، ولا أن تقف داخل كل بيت، ولا أن تمنع ولي أمر من شراء إجابة لابنه.
الفساد التعليمي لا يبدأ دائمًا من مكاتب المسؤولين؛ أحيانًا يبدأ من بيتٍ يريد النجاح بأي ثمن.
وهنا تبدأ الفاتورة الحقيقية.
لأننا حين نمنح طالبًا شهادة لا يستحقها، فنحن لا نمنحه ورقة فقط؛ نحن نرسله إلى الجامعة وهو يحمل نقصًا في المعرفة، ثم نرسله غدًا إلى سوق العمل وهو يحمل شهادة أكبر من قدرته.
وهكذا يتحول الغش من مخالفة في لجنة امتحان إلى قنبلة مؤجلة.
طبيب لا يمتلك ما يكفي من العلم،
ومهندس لا يجيد ما يفترض أن يجيده،
ومعلم يدرّس أبناءنا ما لم يتعلمه هو نفسه،
وموظف يتولى مسؤولية لا تؤهله لها معرفته،
ومؤسسات تتكدس فيها شهادات، بينما تتناقص فيها الكفاءة.
وعندها سندفع الثمن جميعًا.
فاتورة انهيار التعليم لا يدفعها وزير التعليم وحده، ولا الطالب وحده، ولا الأسرة وحدها؛ يدفعها الوطن.
يدفعها من اقتصاده، ومن صحته، ومن بنيته التحتية، ومن إدارته، ومن أمنه، ومن مستقبله.
والأخطر من ذلك أن انهيار التعليم لا يُرى في يومه؛ إنه يشبه تسرب الماء من أساسات البيت. قد يبدو البناء قائمًا لسنوات، ثم يأتي يوم ينهار فيه كل شيء دفعة واحدة.
لهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نخدع أنفسنا.
لا نريد نسب نجاح تُرضي الشارع وتُغضب الحقيقة.
ولا نريد شهادات كثيرة وقيمة علمية قليلة.
ولا نريد أن يصبح الرسوب فضيحة والنجاح بطولة، مهما كانت وسيلته.
نريد طالبًا يرسب إذا لم يستحق النجاح، وينجح إذا استحقه، دون خوف من غضب الأسرة، ودون تدخل مسؤول، ودون هاتف مخبأ، ودون معلم يبيع ضميره، ودون لجنة تفتح أبوابها للغش.
التعليم ليس موسمًا لإعلان الأرقام، بل هو صناعة الإنسان الذي سيحمل الوطن بعدنا.
ومن يستهين اليوم بورقة امتحان، قد يجد نفسه غدًا أمام فاتورة وطن كامل.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست مع نسبة نجاح مرتفعة أو منخفضة؛ إنها مع انهيار قيمة الحقيقة نفسها.
فإذا أصبحت الشهادة بلا علم، والنجاح بلا استحقاق، والتفوق بلا معرفة، فنحن لا نُنجح أبناءنا…
نحن نؤجل فشلهم، وننقل كلفته من مقعد الدراسة إلى مستقبل الوطن.
وهذه هي الفاتورة التي أخشى أن تكون باهظة إلى درجة لا نستطيع دفعها.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_
