بسام عباس، باحث في المركز الأوروبي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_أحدثت “حرب إيران” والأزمات الإقليمية المتعاقبة، بدءاً من الحرب الروسية الأوكرانية واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر وصولاً إلى صراع غزة وأزمة مضيق هرمز، تحولاً جذرياً في بيئة الأمن الإقليمي والدولي. أدت هذه الأزمات إلى تعزيز التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول الاتحاد الأوروبي، وأتاحت فرصة استراتيجية لنقل العلاقات من نطاق التنسيق الدبلوماسي التقليدي إلى بناء شراكة أمنية ودفاعية عملية ومُستدامة، ويأتي هذا التحول في ظل مراجعة كلا الطرفين لاعتمادهما التاريخي على الولايات المتحدة كمزود وحيد للأمن.
الأمن أم الدفاع؟ منهجية التحصين والحماية
يمتد الممر الاستراتيجي الحيوي من الخليج العربي والبحر العربي مروراً بالبحر الأحمر وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط. ويشكل هذا الممر مساراً موحداً لتدفقات الطاقة، والغذاء، والتجارة العالمية، والكابلات البحرية للاتصالات.
– التهديدات الهجينة وتداخل الأمن بالدفاع: كشفت حرب إيران أن التهديدات الحديثة لم تعد عسكرية حصرية، بل أصبحت هجينة تجمع بين الأبعاد العسكرية، الاقتصادية، السيبرانية، والمعلوماتية، وبالتالي، أصبح الفصل التقليدي بين “الأمن” و”الدفاع” غير ذي جدوى عملية.
– نهج الحماية: يعزز هذا النهج الدفاع التقليدي عبر دمج الجوانب الأمنية الشاملة، ويعتمد على استراتيجية استباقية تهدف إلى منع وقوع التهديدات وتقليل آثارها، وتوليد منافع جماعية متبادلة.
– الاجتماع الوزاري الاستثنائي (5 مارس 2026): شكّل هذا الاجتماع بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، والذي عقد في أوج الهجمات الإيرانية على دول الخليج، محطة مفصلية أكد فيها الوزراء في بيانهم المشترك على حماية المجال الجوي، والممرات البحرية، وحرية الملاحة، وأمن سلاسل الإمداد واستقرار أسواق الطاقة.
– المؤسسية والتوجيه الاستراتيجي: يُوصى بإنشاء منتدى دائم على المستوى الوزاري بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي لتوفير التوجيه الاستراتيجي، تدعمه مجموعات عمل متخصصة في الأمن البحري، الدفاع الجوي، حماية البنية التحتية، والصناعات الدفاعية.
تعزيز القدرة على التكيف والصمود
أظهرت الأزمات الأخيرة في منطقة الخليج والمناطق المجاورة لأوروبا أن الضعف الاستراتيجي لم يعد ناتجًا فقط عن عدم التوازن العسكري، بل أصبح ناتجًا أيضًا عن الاختلالات في البنى التحتية والأنظمة التي تساهم في استمرارية الحياة الاقتصادية والاجتماعية. إن التهديدات المختلطة التي تؤثر على هذه الجوانب المترابطة تتطلب نهجًا متعدد التخصصات، يمكنه الاستفادة من المفاهيم المستخدمة في العلوم الإدارية مثل إدارة المخاطر وإدارة الأزمات والقدرة على التكيف مع التغيرات والحوكمة المتعددة المستويات. كما أن هذا النهج يتطلب مشاركة القطاعين العام والخاص.
ويجب أن يركز التعاون بين دول الخليج وأوروبا على بذل الجهود للتنبؤ بالمخاطر المستقبلية، ووضع آليات لمنع حدوث الأزمات والسيطرة على تصاعدها، وبالتالي تعزيز القدرة على التكيف والصمود. العامل الحقيقي الذي يمكن أن يغير الأوضاع هو تطوير قدرات مشتركة للتعامل مع الاضطرابات والتكيف معها والتعافي منها، ولذلك فإن تعزيز القدرات التحليلية لدول الخليج وأوروبا من خلال التخطيط الاستراتيجي ووضع سيناريوهات محتملة، سيساعد في تحسين القدرة المشتركة على تقييم المخاطر الجيوسياسية والتكنولوجية والمناخية والاقتصادية قبل حدوثها، وبالتالي دعم صنع السياسات بشكل أكثر فعالية.
حماية البنى التحتية الحيوية
في الممر الاستراتيجي الرابط بين الخليج والبحر الأبيض المتوسط، غدت شبكات الطاقة، ومحطات تحلية المياه، والمطارات، والموانئ، فضلاً عن الكابلات البحرية، والأقمار الصناعية، والأنظمة المالية، ومراكز البيانات والخدمات السحابية، مقوماتٍ أساسية ضمن مساحة استراتيجية مشترك، ما يتطلب مناهج أمنية تأخذ بعين الاعتبار غياب الفواصل بين الفضاءين المادي والرقمي، إذ إن تداخل البنى التحتية الواقعية والرقمية يجعلها عرضة لتهديدات هجينة تجمع بين الاختراقات الميدانية، والهجمات السيبرانية، وتكتيكات الضغط المعلوماتي.
ومن هذا المنطلق، يسهم التكامل بين الخبرات والأطر التنظيمية السيبرانية الأوروبية، والقدرات الاستثمارية لدول الخليج، في تحديث البنية التحتية وتأمينها ضد التخريب والهجمات الإلكترونية، ولأن مرونة الاستجابة لدى الجانبين لم تعد تقتصر على منع الهجمات فقط، بل باتت تعتمد على ضمان استمرارية الوظائف الحيوية عبر هذه الممرات أثناء الأزمات، فإن تحقيق ذلك يستوجب العمل وفق المحاور التالية:
– تأسيس إطار استراتيجي لإدارة الأزمات بين الخليج وأوروبا: لحماية البنى التحتية الحيوية وضمان استمرار الخدمات الأساسية عبر مظلة متكاملة تدمج أمن الطاقة والأمن البحري بالقدرات التقنية. ويتضمن ذلك إجراء تقييمات للمخاطر، واختبارات الجاهزية (اختبارات الضغط)، وتطبيق بروتوكولات أمنية وسيبرانية للاستجابة السريعة، إلى جانب اعتماد آليات مشتركة لتحديد مكامن الضعف الاستراتيجي.
– تبني نهج شمول متكامل لمواجهة التهديدات المختلفة: عبر تعزيز قدرات المراقبة البحرية والجوية، وتوسيع نطاق تبادل البيانات والمعلومات، وتوحيد منصات الرصد والتحليل بين الطرفين.
– تنفيذ تمارين ومناورات دورية لحماية البنى التحتية: بمشاركة قطاعات مدنية وعسكرية وممثلين عن المجال الصناعي من أوروبا ودول الخليج؛ لترسيخ منهجية تفكير شاملة وتكامل أساليب العمل لمواجهة التحديات المشتركة.
– تشكيل فريق عمل مشترك لأمن سلاسل الإمداد: يركز على ضمان استدامة تدفق المعادن الحيوية والأساسية في أوقات الأزمات، من خلال تقييم المخاطر المتعلقة بالمواد وطرق التجارة البحرية، ووضع خطط استباقية للطوارئ.
الأمن البحري
كشفت الاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة في البحر الأحمر، إلى جانب تداعيات الحرب مع إيران، أن أي توتر في المنطقة الممتدة بين الخليج والبحر المتوسط يمكن أن ينعكس سريعًا على أمن واستقرار خطوط التجارة بأكملها. وقد تتجسد التداعيات في ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتأخر وصول الشحنات، وزيادة الأعباء على الموانئ والمستهلكين، ما يجعل التخطيط المشترك لمواجهة الأزمات أولوية أساسية للتعاون البحري الخليجي الأوروبي.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تأسيس آلية دائمة للتنسيق البحري بين دول الخليج وأوروبا، سواء عبر الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي أو من خلال ترتيبات مشتركة أكثر مرونة. ويمكن لهذا الإطار أن يربط بين القوات البحرية وخفر السواحل وإدارات الموانئ والجمارك وقطاع النقل البحري، بما يتيح تطوير إجراءات موحدة للوقاية من المخاطر واحتواء تداعيات الأزمات على حركة التجارة.
وينبغي أن يركز هذا الإطار على تعزيز الوعي المشترك بالموقف البحري، وتسريع تبادل المعلومات، ورفع الجاهزية للتعامل مع تهديدات الطائرات المسيّرة والألغام البحرية، إلى جانب وضع قنوات اتصال واضحة وفعالة خلال حالات الطوارئ. والغاية الأساسية هي الحفاظ على استمرارية حركة السلع والخدمات الحيوية، وتقليل الاضطرابات التي قد تنتج عن الأزمات المفاجئة.
كما يمكن للمناورات البحرية المشتركة بين القوات الخليجية والأوروبية أن تتحول إلى أداة عملية لترجمة ترتيبات التنسيق إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، خصوصًا من خلال تدريبات تحاكي سيناريوهات الأزمات البحرية. وتساعد هذه المناورات على بناء الثقة، وتطوير آليات العمل المشترك، وترسيخ أنماط التنسيق بين القوات البحرية وخفر السواحل قبل وقوع أزمات حقيقية.
وبالتوازي مع ذلك، يتعين تطوير إجراءات دفاعية لحماية الأصول البحرية والتجارية الحيوية، وفي مقدمتها ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال، في ظل تنامي مخاطر الطائرات المسيّرة والصواريخ وتكتيكات الحرب الهجينة. ويمكن تعزيز حماية السفن عبر وسائل دفاعية غير عنيفة، تشمل الحرب الإلكترونية وتقنيات التشويش وأنظمة الكشف والإنذار، إلى جانب تقنيات الطاقة الموجهة كالليزر والموجات الدقيقة، مع مراعاة القانون الدولي ومعايير السلامة البحرية والتشريعات الوطنية.
الدفاع الجوي
تواجه دول الخليج منظومة متشابكة من التهديدات الجوية، تشمل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة، إلى جانب أنشطة جهات حكومية وغير حكومية مسلحة. وفي ظل هذه البيئة، لا تزال القدرات الدفاعية الخليجية والأوروبية تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الأمريكي. ومع ذلك، تمتلك الدول الأوروبية إمكانات متقدمة في الرادارات وأجهزة الاستشعار والإنذار المبكر والدفاع الجوي وأنظمة القيادة والسيطرة، بينما تدفع التهديدات الروسية أوروبا إلى تطوير مقاربات جديدة للدفاع الجوي.
وقد دفعت الحرب في أوكرانيا الدول الأوروبية إلى تعزيز التعاون مع كييف، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة وتقنيات التصدي لها وتطوير قدرات إنتاجها. وفي أعقاب الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي، أبرمت السعودية والإمارات وقطر اتفاقيات دفاع جوي طويلة الأمد مع أوكرانيا، تتضمن جوانب مرتبطة بالإنتاج المشترك، كما دخل اتفاق مماثل مع الكويت حيز التنفيذ، فيما تستمر المفاوضات بشأن اتفاقية مشابهة مع البحرين.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يشكل التعاون الخليجي الأوروبي في الدفاع الجوي أساسًا لبناء منظومة أكثر تكاملًا، تبدأ بتبادل المعلومات وتنسيق المراقبة الجوية والبحرية، وصولًا إلى تنفيذ تدريبات مشتركة. كما ينبغي تطوير خطط دفاعية متعددة الطبقات لحماية المواقع الأكثر أهمية، خصوصًا منشآت الطاقة والصناعة والموانئ وممرات النقل والإمداد التي ترتبط بالمصالح الاقتصادية الأوروبية في المنطقة.
وتوفر الخبرات المتراكمة لدى دول الخليج وأوروبا وأوكرانيا في مواجهة الطائرات المسيّرة فرصة لإجراء تدريبات مشتركة تحاكي سيناريوهات الأزمات، سواء على المستوى الثنائي أو ضمن إطار أوسع بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. ومن شأن هذه التدريبات اختبار جاهزية الأنظمة، وتبادل الخبرات والدروس المستفادة، وتحديد نقاط الضعف، وتحسين التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية والمدنية المعنية.
وبالتوازي مع التعاون الحكومي، تبرز أهمية توسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الدفاع الجوي، بما يدعم الابتكار ويعمق الروابط الصناعية والتجارية بين الخليج وأوروبا. ويمكن إطلاق مشروعات مشتركة متخصصة تستفيد من الأدوات الاستثمارية والاقتصادية المرتبطة بالدفاع، بما يعزز بناء قاعدة صناعية وتقنية مشتركة ويدعم شراكة أمنية طويلة الأمد.
صناعة الدفاع
في ظل توجه دول الخليج نحو تنويع اقتصاداتها وتطوير قدراتها الصناعية والتقنية، تتزايد فرص بناء شراكات طويلة الأمد مع الشركات الأوروبية التي تبحث بدورها عن أسواق مستقرة واستثمارات موثوقة وشركاء محليين. وينبغي أن يركز هذا التعاون على مراكز الصيانة والإصلاح والتحديث، والتدريب المتخصص، إلى جانب توسيع مشاريع البحث والتطوير والإنتاج المشترك، باعتبارها أدوات أساسية لتعزيز الثقة وتسهيل نقل التكنولوجيا والخبرات. كما يمكن الاستفادة من مفاوضات اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي لتطوير التعاون الدفاعي، وإزالة العقبات أمام مشاركة الشركات الخليجية في المبادرات الأوروبية ذات الصلة، خصوصًا في مجالات حماية البنية التحتية الحيوية، والقدرات البحرية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة.
ويتطلب بناء قاعدة صناعية دفاعية مشتركة توسيع التعاون في التعليم والابتكار ونقل المعرفة، من خلال إطلاق برامج أكاديمية تجمع الجامعات الخليجية والأوروبية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات المرتبطة بالدفاع، وتوفير فرص للتبادل بين الطلاب والباحثين والمهندسين. كما يمكن دراسة إنشاء مختبر بحث وتطوير مشترك يضم أوروبا وأوكرانيا ودول الخليج، يركز على التقنيات غير المأهولة، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يسمح بتبادل الخبرات وتسريع الابتكار. ويمكن أن يشكل هذا المسار، إلى جانب الاستفادة من الأدوات التمويلية الأوروبية والمشروعات الدفاعية المشتركة، أساسًا لشراكة صناعية وتقنية أكثر استدامة.
قراءة مستقبلية
– يمكن لحرب إيران أن تساهم في تعزيز العلاقات بين دول الخليج وأوروبا، فمثل هذه الأزمات تبرز المصالح المشتركة وسلاسل الإمداد المترابطة بين الطرفين. وفي ظل الضغوط والصدمات الناتجة عن الأزمات التي تؤثر على المنطقة الاستراتيجية بين الخليج العربي والبحر المتوسط، تلوح في الأفق فرصة حقيقية للاستثمار في التعاون الأمني المشترك، وبالتالي تعزيز الجانب الأمني والدفاعي.
– في سياق التعاون الاستراتيجي المتزايد بين دول الخليج وأوروبا، يجب إعطاء الأولوية لحماية البنية التحتية الحيوية، والأمن البحري، والدفاع الجوي، وصناعة الدفاع، مع التركيز على التعاون والتنسيق العملي.
– مع تزايد الصراعات والأزمات، يجب أن يركز التعاون بين دول الخليج وأوروبا على جهود التنبؤ بالمخاطر المستقبلية، وعلى آليات لمنع حالات الطوارئ وإدارة التصعيد، مما يعزز المرونة والقدرة على التكيف.
– مع اقتراب موعد القمة الثانية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في الرياض، يمكن للزخم القائم بين دول الخليج وأوروبا، أن يؤدي إلى إقامة شراكة أمنية ودفاعية أقوى وأكثر فعالية، وهذا بدوره سيساهم في تحقيق الحماية المشتركة للمنطقة.
– تعزيز القدرات التحليلية لدول الخليج وأوروبا بالتخطيط الاستراتيجي ووضع سيناريوهات محتملة، سيساعد في تحسين القدرة المشتركة على تقييم المخاطر الجيوسياسية والتكنولوجية والمناخية والاقتصادية قبل حدوثها، وبالتالي دعم صنع السياسات بشكل أكثر فعالية.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
