الخميس. سبتمبر 17th, 2026
0 0
Read Time:4 Minute, 55 Second

د / صلاح الشاردة

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_في فلورنسا ، كان الفن في ذلك الصباح أكثر توترا من المعتاد … في عام 1504 المدينة تعرف أن رجلين من أثقل الأسماء في إيطاليا يستعدان لخوض معركة لا سيف فيها .
الأول : ليوناردو دا فينشي .
والثاني : شاب لم يكن قد بلغ الثلاثين بعد … يدعى ميكيلانجلو بوناروتي .
كان ليوناردو قد تجاوز الخمسين ، يحمل في يده سنوات طويلة من الشهرة والتجربة ، ويجلس في المكان الذي يليق برجل ينظر إليه الجميع باعتباره عبقري عصره .
أما ميكيلانجلو ، فكان قد جاء من روما محملا بانتصاره الأخير .
كان تمثال داود قد أصبح حديث فلورنسا .. رجل من الرخام ، عار ، ضخم ، هادئ ، يقف في الساحة كأنه يعرف أنه هزم الجميع قبل أن تبدأ المعركة .
وكان ليوناردو يعرف ذلك .. لذلك لم تكن المسألة بين الرجلين مجرد لوحة ولوحة .. كانت مسألة مكانة .
قررت حكومة فلورنسا أن تمنح كل واحد منهما جدارا في قاعة المجلس الكبرى داخل قصر فيكيو ، ليرسم مشهدا من انتصارات فلورنسا العسكرية .. كان يمكن أن يكون الأمر احتفالا بالفن .. لكنه تحول إلى منافسة .
جلس ليوناردو أمام جدار ، وميكيلانجلو أمام الآخر .
كان كل واحد منهما يعرف أن المدينة ستقارن .. والفنان ، في مثل هذه اللحظات ، لا يقارن نفسه باللوحة التي أمامه فقط …
بل بالرجل الذي يقف على الجانب الآخر منها .. لم تكتمل أي من اللوحتين . لكن المنافسة بقيت في تاريخ الفن .
وبعد سنوات ، سيأتي شاب ثالث إلى روما ، وسيجد نفسه في قلب معركة أخرى … كان اسمه رافائيل .
وصل إلى روما عام 1508، وهناك وجد ميكيلانجلو يعمل على سقف كنيسة سيستينا بأمر البابا يوليوس الثاني .
كان ميكيلانجلو يعمل في الأعلى ، وحيدا ، غاضبا ، متعبا ، يرفع رأسه إلى السقف ساعات طويلة .
وفي مكان آخر من القصر كان رافائيل يرسم غرف البابا . كان الفرق بين الرجلين واضحا .. ميكيلانجلو كان عاصفا .. و رافائيل كان هادئا .
ميكيلانجلو يميل إلى القوة والكتلة والجسد . و رافائيل إلى الانسجام والجمال والتوازن . لكن الشهرة كانت ضيقة بما يكفي لرجلين فقط .. بدأت المنافسة . وكان ميكيلانجلو يرى أن رافائيل يحصل على إعجاب البلاط بسهولة لا يستحقها ، بينما كان رافائيل يعرف أن أمامه عملاقا لا يمكن تجاهله .
ومع ذلك ، هناك شيء غريب في علاقة الفنان بمنافسه ..
إنه الكره .
وربما كان هذا هو حال رافائيل مع ميكيلانجلو .. لكن الأمر لم يتوقف عندهما .
في فرنسا ، بعد ثلاثة قرون ، كانت معركة أخرى تدور بطريقة مختلفة . هذه المرة لم يكن الصراع بين شخصين يريد كل منهما أن يكون أشهر فنان في المدينة ، بل بين فكرتين عن الفن .
جان أوغست دومينيك إنغر كان يؤمن بالخط ، بالرسم الدقيق ، بالبناء ، وبالانضباط الذي تعلمه الفنانون في الأكاديمية .
وفي الجهة الأخرى وقف أوجين دولاكروا . لون .. حركة. .. انفعال .. وحياة تضرب سطح اللوحة بدلا من أن تجلس داخله بهدوء … كان الاثنان نقيضين في نظر جمهور الفن الفرنسي .
ومع مرور الوقت ، أصبحت الخصومة بينهما رمزا للصراع بين الكلاسيكية والرومانسية .
لكن الحقيقة أكثر تعقيدا من الحكاية التي حفظها الناس .
لم يكن إنغر ودولاكروا يعيشان طوال الوقت في حرب شخصية ، كما تحب كتب الحكايات أن تصور الأمر .
كانت بينهما مسافة فنية وفكرية حقيقية ، لكن المؤرخين اللاحقين جعلوا منهما خصمين مثاليين .
فالناس تحب الخصومة … والتاريخ يحب الشخصيات المتقابلة .
ثم جاءت لندن … وكان هناك رجل لا يعرف كيف يترك إهانة تمر … جيمس مكنيل ويسلر .
في عام 1877 عرض ويسلر لوحته Nocturne in Black and Gold: The Falling Rocket.
كانت لوحة غامضة ، فضفاضة ، تكاد تبدو كأن اللون فيها يتذكر المشهد بدلا من أن يصفه .. وقف الناقد جون راسكن أمامها .
ثم كتب نقدا قاسيا .. لم ير فيها عبقرية .. رأى ما يشبه رمي وعاء من الطلاء في وجه الجمهور .
كان بإمكان ويسلر أن يغضب في مرسمه وينتهي الأمر .. لكنه لم يفعل .. رفع دعوى تشهير .. وفي نوفمبر 1878 دخل الرجلان قاعة المحكمة العليا في لندن .
تخيلوا المشهد … قاض .. محامون .. جمهور .. ناقد أدبي .. وفنان .. ولوحة … وفجأة ، أصبحت المحكمة تناقش سؤالا لم تستطع الأكاديميات حسمه : كم تساوي اللوحة ؟
وهل يستطيع الفنان أن يطلب ثمنا مرتفعا لعمل يبدو بسيطا ؟
انتهت القضية لصالح ويسلر ، لكن النصر لم يكن كاملا .
فقد خرج منها مثقلا بتكاليفها ، وأعلن إفلاسه لاحقا .. كان يمكن أن تنتهي الحكاية هنا .. لكن تاريخ الفن لا يعرف كيف ينهي خصوماته .
لأنه بعد ذلك بقليل ، في جنوب فرنسا ، كان رجل آخر يعيش خصومة مختلفة تماما … مع نفسه .
فنسنت فان غوخ . في عام 1888 ، دعا فان غوخ ، بول غوغان إلى آرل . ..كان يحلم ببيت للفنانين .
مكان يعيش فيه الفنانون معا ، يأكلون معا ، يرسمون معا ، ويتحدثون عن الفن حتى الليل .. وصل غوغان إلى البيت الأصفر .. وفي البداية بدا الحلم ممكنا .. جلس الرجلان معا ..
رسما.. تحدثا .. واختلفا .. ثم اختلفا أكثر .. فان غوخ يريد الطبيعة أمام عينيه .. غوغان يريد أن يستعيدها من الذاكرة والخيال .. فان غوخ يرى العالم في الخارج .. غوغان يريد أن يعيد بناءه في الداخل … ومع الأيام ، صار المرسم أضيق من الرجلين .. وفي ليلة 23 ديسمبر 1888 انفجر التوتر .
غادر غوغان آرل . وبقي فان غوخ وحيدا … بعد تلك الليلة ، لم يعد البيت الأصفر كما كان .. ولا فان غوخ .
ومن هنا تأتي واحدة من أكثر الحقائق المؤلمة في تاريخ الفن :
أحيانا لا يكون الفنان غاضبا من الفنان الآخر لأنه يكرهه …
بل لأنه يرى فيه شيئا يخاف ألا يستطيع الوصول إليه .
وهذا هو الجانب الذي لا تقوله كتب الفن كثيرا . الفنان لا يحسد اللوحة وحدها .. قد يحسد اليد التي رسمتها .. والشهرة التي جاءت بعدها .. والجمهور الذي صفق لها .. والمال الذي دفع فيها . وقد يصل به الأمر إلى أن ينسى أن الرجل الذي أمامه ليس عدوه … بل زميله في المعركة نفسها .
ولهذا كان تاريخ الفن مليئا بالخصومات : ليوناردو وميكيلانجلو .. إنغر ودولاكروا .. فان غوخ وغوغان .. ويسلر وراسكين .
وغيرهم ممن تحول الاختلاف بينهم إلى قصص بقيت بعد أن رحل أصحابها .
لكن المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها هي أن هؤلاء جميعا ، رغم الخصومات ، تركوا للفن شيئا لم يكن موجودا قبلهم .. فالخط تطور .. واللون تحرر .. والتكوين تغير .. واللوحة خرجت من القصر والكنيسة إلى عالم أوسع .
وربما كانت المنافسة ، في لحظاتها النبيلة ، ضرورية للفن .
لكن هناك فرقا بين أن تنافس فنانا … وأن تتمنى ألا ينجح .
الأولى قد تصنع فنانا أفضل .. أما الثانية ، فلا تصنع إلا إنسانا أصغر .
وقد رأيت في عالم الفن ما يكفي لأعرف أن أخطر خصومة ليست تلك التي تقع بين فنانين مختلفين … بل تلك التي تقع داخل قلب الفنان نفسه ، عندما يصبح نجاح غيره دليلا في نظره على فشله هو .
وهنا لا يعود السؤال : من كان أفضل ؟
بل : من استطاع أن يحب فن منافسه ، دون أن يكره صاحبه ؟

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code