شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_مع تصاعد التوترات بين روسيا وحلف الناتو، في إطار المعارك الحالية بين روسيا وأوكرانيا، يعود بحر البلطيق إلى الواجهة مجددًا كساحة حرب محتملة بين موسكو والغرب، في ظل المخاوف من أن تصبح دول البلطيق في مرمى الهجمات الروسية. ومنذ بداية حرب أوكرانيا في 24 فبراير 2022، شهد بحر البلطيق توترات على فترات متفرقة، بعد تشديد العقوبات الغربية على روسيا، واستخدامها له للالتفاف على العقوبات، إضافة إلى وقوع حوادث تخريبية للبنية التحتية والتحركات العسكرية لحلف الناتو هناك، الأمر الذي يجعل بحر البلطيق ضمن دائرة المواجهات المحتملة بين الناتو وروسيا في المرحلة المقبلة.
عوامل الاستقرار
– الردع المتبادل: يتفوق حلف الناتو على روسيا في قوة الردع، ما يجعل أي خطوة عسكرية روسية محفوفة بالمخاطر. ويؤكد الأدميرال بريت غرابي، من البحرية الأمريكية، أن الناتو حقق تفوقًا استراتيجيًا ملحوظًا على روسيا في بحر البلطيق، على السطح أو الغواصات بنسبة نحو (3-4) مقابل (1) لصالح الناتو، واصفًا بحر البلطيق بـ “بحيرة مليئة بغواصات الناتو”، ما يشير إلى أن سيطرة الحلف تحت الماء تشكل رادعًا قويًا. يقول العقيد المتقاعد من البحرية الروسية، فاسيلي دانديكين، إن “تدريبات الناتو في 2025 في بحر البلطيق تبدو وكأنها محاكاة لسيناريوهات تهدف لعزل كالينينغراد وسانت بطرسبرغ”، منوهًا إلى إشارات غير معتادة بالمنطقة تتمثل في رصد ما يقارب من (18) ألف سفينة تعرف باسم السفن الشبحية، المسؤولة عن بث إحداثيات بعيدة عن مواقعها الحقيقية.
ومن الناحية الجغرافية، جعل انضمام فنلندا للناتو في 2023 والسويد في 2024، بحر البلطيق بحرًا يفرض الناتو سيطرته عليه، وحصر الوصول لروسيا عبر جيب كالينينغراد ومدينة سانت بطرسبرغ، في المقابل لدى السويد والدنمارك نظريًا القدرة على إغلاق الطرق المؤدية إليه. ولدى الناتو نحو (10) غواصات و(400) طائرة. بينما تمتلك روسيا ما بين غواصة أو غواصتين وأكثر من (10) طائرات مقاتلة. وتنشر روسيا في جيب كالينينغراد بشكل دائم منظومة “إسكندر- إم” البالستية القابلة لحمل رؤوس نووية، بمدى يصل حتى (500) كم، ما يهدد وارسو وبرلين في حال شن أي ضربة. وتضم المنطقة نظام “باستون- بي” المضاد للسفن والذي يطلق صواريخ “أونيكس” بسرعة تفوق (2.5) ماخ ومدى يصل لنحو (210) أميال بحرية، إضافة إلى صواريخ “كروز خ-35″، ومنظومات دفاع جوي متقدمة (إس-400) ومدافع صواريخ “بانتسير- إس”، ما يعرض مساحات واسعة من المجال الجوي لبولندا وليتوانيا للخطر.
ومع بداية الحرب، حرصت روسيا على نشر طائرات “ميغ-31” القادرة على حمل صواريخ كينجال فرط الصوتية التي يصل مداها (2000) كم.، ما يجعل صواريخ إسكندر وكينجال قادرين على تغطية شمال ووسط أوروبا بالكامل. رغم محاصرة الأسطول الروسي البحري في المنطقة، إلا أن الأسطول يضم نحو (69) سفينة سطحية من بينها كورفيتات من طراز ستيريغوشي المزودة بصواريخ كروز، وكورفيتات من طراز بويان تحمل صواريخ كاليبر (Kalibr) للهجوم البري، ما يمنح روسيا ما يعرف بقدرات منع الوصول وحرمان المنطقة.
– المادة الخامسة للناتو: تمثل قوة ردع للناتو، حيث تحول هذه المادة أي هجوم روسي على دولة في بحر البلطيق (إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا) إلى هجوم مباشر على الحلف الذي يضم الولايات المتحدة وقوتين نوويتين أوروبية (بريطانيا وفرنسا). وتنص المادة (5) من ميثاق الحلف على أن أي هجوم على أي دولة عضو بالناتو يعد هجومًا على الحلف. تشير مناورات الناتو في بحر البلطيق إلى أن هذه المادة ليست مجرد تعهد نظري، حيث يجري الحلف مناورات مثل “بالتوبس” و”كوادريغا” لتعزيز الحضور العسكري وقوة الردع هناك.
– ارتفاع تكلفة الحرب: يصبح هذا العامل عنصرًا رئيسيًا في منع تفاقم الأوضاع بالمنطقة، نظرًا لانشغال أغلب الدول بتعزيز قدراتها العسكرية، ما يجعل ثمن الدخول في أي تصعيد مكلفًا. وبلغ الإنفاق الدفاعي لليتوانيا (5.33%) من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، وهو الأعلى بين كل دول الناتو، تأتي بعدها إستونيا بنسبة (5.1%) ولاتفيا بنسبة (4.92%). تشير تقديرات الناتو إلى أن هناك دولًا مثل بولندا واليونان في طريقها لتجاوز عتبة (3.5%) من الناتج المحلي للإنفاق الدفاعي في 2026، متفوقة على الهدف المحدد لعام 2035. ارتفع الانفاق الدفاعي لدول الاتحاد الأوروبي من (218) مليار يورو في 2021، إلى (381) مليار يورو في 2025.
يعد بحر البلطيق شريانًا اقتصاديًا حيويًا لروسيا، ويشكل ميناءا بريمورسك وأوست-لوغا منفذين لصادرات النفط الروسي، ويعالج ميناء أوست-لوغا نحو (700) ألف برميل يوميًا من الخام الروسي، وكميات كبيرة من المنتجات المكررة. أدت ضربات أوكرانية في مارس 2026 على الميناءين، إلى انخفاض صادرات النفط فيهما بنسبة (43%) مقارنة بالأسبوع السابق له، وخسائر نحو مليار دولار عن عائدات النفط الروسية خلال أسبوع واحد فقط، ما يكشف عن هشاشة الميناءين لتحمل أي تصعيد مستقبلي. ويعاني الأسطول الروسي في البلطيق من العقوبات الغربية، ومن استنزاف قدراته من مشاة البحرية بسبب استمرار حرب أوكرانيا.
– سوء التقدير والحوادث البحرية والجوية: شهدت السنوات الأخيرة حوادث متصاعدة بمنطقة البلطيق، وفي سبتمبر 2025، اخترقت نحو (19) مسيرة روسية وبيلاروسية المجال الجوي البولندي وانتهكت (3) مقاتلات روسية المجال الجوي الإستوني لمدة (12) دقيقة. ما بين (مارس- مايو 2026) تسللت مسيرات مجهولة إلى إستونيا ولاتفيا وفنلندا، وسط تشويش روسي مكثف، حتى أن مقاتلة رومانية أسقطت مسيرة فوق الأراضي الإستونية في مايو 2026. ووثق الناتو في أغسطس 2026، انتهاكات جوية ضد بولندا ورومانيا، وحمل روسيا المسؤولية عنها. من المرجح استمرار هذا النمط من الحوادث وتصاعده حتى عام 2030، كونه جزءًا من الحرب النفسية واختبارًا لقوة الردع لدى الناتو، في ظل تصاعد حرب المسيرات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا.
– استهداف البنية التحتية: خلال الفترة (نوفمبر 2024- يناير 2025)، تعرضت نحو (10) كابلات بحرية بالمنطقة للقطع، ومن أبرز هذه الحوادث قطع كابل “Estlink-2” بين فنلندا وإستونيا، وسحبت سفينة “Yi Peng 3” مرساتها عبر نحو (300) كم من قاع البحر ما تسبب في قطع كابل بين السويد وليتوانيا، وآخر بين فنلندا وألمانيا. من المحتمل استمرار هذه الحرب الهجينة لدى روسيا لأنها منخفضة التكلفة وصعب إثباتها، وفي أغلب الحوادث تحمل السفن المشتبه بها أعلام دول ثالثة. في المقابل خصص الاتحاد الأوروبي (347) مليون يورو لتطوير بنية تحتية بديلة ومرنة للكابلات، ويجري الناتو مناورات دورية في المنطقة.
– التغيرات في مسار حرب أوكرانيا: تتصاعد حرب المسيرات بين موسكو وكييف، وسط ترقب لتبعات زيارة مبعوثي الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لروسيا وأوكرانيا وطرح مسألة وقف إطلاق النار بينهما في (5-6) سبتمبر 2026. وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في سبتمبر 2026، إن العمليات العسكرية تسير بوتيرة متسارعة دون تراجع. يرى الخبير العسكري يوري كنوتوف، أن زيادة وتيرة التقدم الروسي قد تسمح للقوات الروسية بالسيطرة الكاملة على دونباس بحلول مارس 2027، بينما تحدث مسؤولون أوكرانيون عن أن موسكو لا تخطط لتوقيع أي اتفاق قبل السيطرة الكاملة على دونيتسك. كما توقع الخبير العسكري أليكس ليونكوف انتهاء القتال في 2027.
– التحولات في السياسة الأمريكية: أطلق البنتاغون في يوليو 2026، مراجعة شاملة لمدة (6) أشهر للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، حيث يتواجد حوالي (80) ألف عنصر، مقارنة بـ (100) ألف عقب حرب أوكرانيا، وذلك في إطار مبادرة تعرف باسم “الناتو 3.0” التي تحمل أوروبا المسؤولية الأساسية عن دفاعها التقليدي، بينما تحتفظ واشنطن بالضمانات النووية وقدرات تمكينية محدودة. وجرى تخفيض عدد الألوية الأمريكية في أوروبا من (4) إلى (3)، وتم إلغاء بعض عمليات الانتشار المخطط لها مسبقًا.
في الوقت نفسه، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مايو 2026، عن إرسال (5) آلاف جندي إضافي لبولندا واصفًا إياها بـ “الحليف النموذجي”، خاصة وأن الكونغرس وضع صمام أمان تشريعي بتحديد حد أدنى لعدد القوات في قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، حيث يحظر خفض القوات الأمريكية في أوروبا دون العودة إليه. كما أثار استقبال وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف في الولايات المتحدة، خلال اجتماع مجموعة العشرين يومي (31 أغسطس – 1 سبتمبر 2026) غضبًا أوروبيًا واسعًا، كونها المشاركة الأولى في اجتماع العشرين منذ بداية الحرب.
ثلاثة مسارات محتملة
– المسار الأول: استمرار الحرب الهجينة
أشار استطلاع “المخاطر العالمية على الاتحاد الأوروبي لعام 2026” الصادر عن معهد الاتحاد الأوروبي لدراسات الأمن “EUISS”، إلى أن الهجمات الهجينة على البنية التحتية الحيوية للاتحاد تتصدر قائمة المخاطر من حيث احتمالية الحدوث والتأثير، بينما لا يتوقع الخبراء حربًا مباشرة بين الناتو وروسيا، ولكن تكمن الخطورة في الحوادث المتفرقة التي تضعف البيئة الأمنية الأوروبية تدريجيًا. أوضح مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “CSIS”، أن هذا النمط من الحرب سلوك روسي متعمد لتشتيت انتباه الناتو واستنزاف قدراته دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة يدرك الكرملين أنه سيخسرها. حذرت مؤسسة “RAND” البحثية من اعتبار بحر البلطيق بحيرة للحلف، بل لاتزال تشكل روسيا تهديدًا رغم الخسائر في الحرب. يعد هذا المسار الأكثر ترجيحًا في الفترة (2026-2028) طالما استمرت حرب أوكرانيا.
– المسار الثاني: أزمة محدودة نتيجة حادث أو سلسلة حوادث
أشار معهد “مونتين” الفرنسي إلى حوادث انتهاك المجال الجوي لإستونيا في 2025، كنموذج واقعي على هذا النوع من التصعيد المحدود بين روسيا والناتو. كما توقع مركز “بلفر” بجامعة هارفارد، تصاعد النشاط الرمادي ما قد يؤدي لتوغل محدود للاستيلاء على أراضٍ محدودة، بشكل تدريجي وليس مفاجئًا. اعتبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “CSIS”، أن استخدام روسيا للألغام البحرية قرب سواحل دول الناتو، حتى لو بدأ كإشارة تحذيرية، ولكن قابل للتطور إلى تحركات فعلية عبر دول البلطيق. يعني هذا المسار الدخول إلى منطقة رمادية للخطر الحقيقي واحتمالية وقوع حوادث منفصلة، ويصبح تطورها مرهونًا بعوامل تماسك الناتو وقدرات روسيا العسكرية وأهدافها في الوقت الراهن.
– المسار الثالث: مواجهة بين روسيا والناتو
أجرى مسؤولون سابقون في الناتو وألمانيا ما بين (ديسمبر 2025- يناير 2026)، تدريب محاكاة لسيناريو هجوم روسي على دول البلطيق متوقع في أكتوبر 2026، تحت ذريعة أزمة إنسانية في كالينينغراد للسيطرة على مدينة ماريامبولي الليتوانية، مرجحين إمكانية أن تحقق روسيا معظم أهدافها خلال أيام بقوة أولية لا تتجاوز (15) ألف جندي، في حال غياب قيادة أمريكية واضحة وتردد من دول الناتو. أشار رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، إلى أن روسيا والصين قد تصبحان قويتين بما يكفي لتحد منسق ضد الناتو والولايات المتحدة بحلول 2027، بينما قدر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس الموعد بحلول 2029. حذر مركز “بلفر” من هجوم روسي تقليدي واسع للاستيلاء على ممر سوالكي، لعزل دول البلطيق عن باقي الحلف، في حال قيمت روسيا وحدة الناتو بأنها هشة، أو انشغلت واشنطن بصراع آخر يبعد انتباهها عن أوروبا. يعد هذا المسار الأقل احتمالًا في الفترة (2026-2027)، نظرًا لاستنزاف الموارد الروسية في حرب أوكرانيا وتفوق الناتو في بحر البلطيق.
كالينينغراد ومؤشرات الإنذار المبكر
تعد كالينينغراد مقياسًا لمعرفة اتجاه التصعيد في بحر البلطيق، كونها المكان الذي تتقاطع فيه كل مؤشرات الإنذار المبكر نظرًا لموقعها الجغرافي المحاط بأراضي الناتو “بولندا وليتوانيا”. وترى روسيا في كالينينغراد نقطة قوة في ظل المنافسة البحرية مع الناتو في بحر البلطيق. رغم نفي روسيا نشر أسلحة نووية في كلينينغراد، فإنها تحتفظ بمنشآت تخزين نووية هناك، ما يجعله سلاح ردع في يد روسيا. كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولي استخبارات غربيين، أن ضباطًا روس سافروا من سانت بطرسبرغ إلى كالينينغراد في يوليو 2026، للإشراف على تدريبات تختبر جاهزية المنطقة لتعبئة عسكرية جديدة، في سياق نقص القوى البشرية الروسية بسبب المعارك بأوكرانيا. يمثل هذا التحرك إنذارًا مهمًا، لأن أي تصعيد بين روسيا والغرب، قد تتجه فيه روسيا للاستيلاء على جزء من ممر سوالكي الرابط بين كالينينغراد وبيلاروسيا عبر أراضي ليتوانيا وبولندا.
أثار مقترح وزارة الدفاع الروسية، في مايو 2024، جدلًا دوليًا، عندما نُشرت مسودة مشروع قانون لإعادة تعريف خطوط الأساس التي تقيس بها روسيا عرض مياهها الإقليمية، ومنطقتها المتاخمة، وجرفها القاري في بحر البلطيق. ووصفته الخارجية الليتوانية وقتها بـ “عملية هجينة روسية”، بهدف نشر الخوف والشك حول نوايا موسكو، التي نفت سريعًا أي نية لتعديل الحدود. تتلخص العقيدة النووية الروسية المعدلة في نوفمبر 2024، في تخفيض عتبة استخدام الأسلحة النووية، ما يتيح لروسيا خيارات أوسع للردع والرد العسكري، حيث شملت تهديدات وجودية غامضة التعريف، ونصت على أن أي هجوم من دولة غير نووية مدعومة بدولة نووية، يُعامل كهجوم مشترك يبرر ردًا نوويًا. خلال مايو 2026، أجرت روسيا تدريبين لقواتها النووية الاستراتيجية، وبحسب معهد “DGAP” الألماني، فإن توقيت التدريبات يتزامن مع تطورات سلبية في المعارك ضد روسيا. وحذر نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري ميدفيديف، من أن هزيمة قوة نووية في حرب تقليدية، قد تُشعل حربًا نووية، وقبل انضمام فنلندا والسويد للناتو، هدد بنشر أسلحة نووية قرب دول البلطيق.
يُعتبر النشاط البحري والجوي في بحر البلطيق أمرًا معتادًا، ولكن عند تصاعده يمثل خطورة. وتكررت اعتراضات الناتو لقاذفات ومقاتلات روسية مثل طائرة “سو -35” فوق البلطيق في 2025. تلجأ روسيا إلى التشويش الإلكتروني كوسيلة تكتيكية واستخباراتية. وتعد حادثة مسيرة “كاميكازي” التي دخلت المجال الجوي اللاتفي في أغسطس 2026، نموذجًا لهذا التكتيك الروسي. وتزداد المخاوف من التشويش المتزايد على أنظمة “GPS” والملاحة المدنية في كالينينغراد، ما يمنح روسيا فرص التوسع في الأنشطة العسكرية هناك.
تقييم وقراءة مستقبلية
– تنتقل تدريجيًا الحرب الهجينة بين روسيا والغرب إلى بحر البلطيق، في ظل التوترات بين روسيا وعدد من دول الناتو في مقدمتهم بريطانيا وألمانيا، لذا سيدفع الناتو بتعزيزات عسكرية أوسع لتحصين الحدود ومحاولة للضغط على روسيا، خاصة وأن قدراتها العسكرية أقل هناك مقارنة بالتواجد العسكري للناتو، الأمر الذي يدفع روسيا لتوسيع عمليات استهداف البنية التحتية الحيوية في بحر البلطيق، وتكرار عمليات اختراق المجال الجوي لدول البلطيق بالطائرات المسيرة مجهولة الهوية.
– رغم اختلاف أدوات روسيا والناتو في التصعيد في بحر البلطيق، إلا أن الطرفين يتفقان على أن هذه المنطقة تمثل ساحة ردع وإرسال رسائل سياسية وعسكرية، ويدركان جيدًا أن تكلفة الحرب لا يستطيع أحد تحملها. وفي حالة انتقال المواجهات العسكرية المباشرة إلى هناك، قد يضطر الناتو لتفعيل المادة (5) من ميثاقه، ما يعني توسع دائرة حرب أوكرانيا وتحمل الدول تكلفة حرب بجانب الأعباء التي تتحملها جراء رفع الإنفاق العسكري، إضافة إلى مخاوف الناتو من تفعيل روسيا السلاح النووي في كالينينغراد من ناحية. ومن ناحية أخرى، ستفقد روسيا الكثير من نفوذها حول مسألة الالتفاف حول العقوبات أو السيطرة في حرب أوكرانيا، وتزداد عزلتها الاقتصادية والدبلوماسية نظرًا لدخولها حربًا جديدة، ما يستنزف قدراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وهو أمر تتجنبه روسيا طوال تاريخها.
– يسير المشهد بين روسيا والناتو في بحر البلطيق إلى ثلاثة سيناريوهات خلال الفترة (2026-2030):
- السيناريو الأول: يتعلق بالبقاء في دائرة المنطقة الرمادية دون الاتجاه إلى مواجهة مباشرة، واعتماد روسيا على الحرب الإلكترونية والتشويش وتهديد البنية التحتية تحت المياه، بضرب كابلات الاتصالات وخطوط الطاقة البحرية، وعلى الجانب الآخر يكثف الناتو تدريبات المحاكاة لحروب محتملة ويعزز تواجده العسكري في دول البلطيق، ويعد هذا السيناريو الأقرب.
- السيناريو الثاني: يرتبط بارتفاع وتيرة حوادث اختراق المجال الجوي لدول البلطيق وتكرارها من قبل روسيا، وقد تؤدي هذه المواجهات غير المباشرة إلى تصعيد غير محسوب، ما قد يجبر الناتو على اتخاذ رد فعل عسكري قوي، ويعد هذا السيناريو مستبعدًا، لرفض الطرفين الدخول في حرب مباشرة وتكبد خسائر جديدة، ولكنه يظل السيناريو الأخطر.
- السيناريو الثالث: يتعلق بتراجع سياسات الردع المتبادل بين روسيا والناتو، نظرًا لتخوف روسيا من الانتقال من مواجهة دول البلطيق إلى مواجهة تحالف نووي يضم (32) دولة، إضافة إلى الانقسامات بين ضفتي الأطلسي نظرًا لمواقف واشنطن من حماية أوروبا أمنيًا، ما قد يؤخر خطوات الناتو في المناورات والحشد العسكري. وتعد فرص حدوث هذا السيناريو متوسطة وفقًا لتطورات المعارك في أوكرانيا، والخلافات الأمريكية الأوروبية حول حرب أوكرانيا.
– أصبح المشهدان في مقاطعة كالينينغراد وممر سوالكي مؤشرات للإنذار المبكر لأي تصعيد محتمل بين روسيا والغرب، خاصة وأن بسط النفوذ على المنطقتين يمثلان نقطة تحول كبيرة في مسار المعارك في حرب أوكرانيا والتوترات في بحر البلطيق. وتعد التحركات الروسية في كالينينغراد والتقارير الاستخباراتية الألمانية حول التخطيط لهجوم روسي محتمل في بحر البلطيق، دليلًا واضحًا إلى اتجاه الأمور إلى التصعيد بين الجانبين في إطار قواعد الاشتباك المحدودة.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب
