شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تداولت وسائل الإعلام الغربية أوصافاً حادة مثل زلزال وصدمة عظمى وكارثة سياسية لوصف فوز حزب البديل من أجل ألمانيا في انتخابات ولاية سكسن-أنهالت. ورغم تأكيد استطلاعات الرأي سابقاً على هذا الفوز، تعامل الحدث كأنه انقلاب عالمي هائل. الحقيقة تشير إلى محدودية الأهمية السياسية للحدث، إذ يتعلق الأمر بفوز إحدى جماعات أقصى اليمين الأوروبي في ولاية ألمانية لا يتجاوز عدد سكانها المليونين ونصف المليون نسمة. يمثل هذه الولاية في مجلس النواب الألماني ستة عشر نائباً فقط من أصل ستمئة وثلاثين نائباً.
لا يفوتنا أن سبب الضجة الإعلامية الكبيرة يكمن في وقوع الحدث في ألمانيا، مهد النازية التاريخي. لكن المفارقة تكبر عند مقارنة رد الفعل الغربي مع تعامل الإعلام نفسه مع عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم عام 2022 بجماعتين وصفتهما صحيفة هآرتس بأنهما تتألفان من نازيين جدد. ناهيك عن تبرير معظم الوسائل الغربية للإبادة الجماعية في غزة بحجة حق إسرائيل في الدفاع عن النفس. ينبغي أن يصدم المراقبين تشكيل حكومة أكثر تطرفاً وخوض حرب إبادة بدولة تدّعي التعويض عن مجازر النازيين أكثر من فوز حزب يميني متطرف في ولاية صغيرة.
أسرعت أحداث السابع من أكتوبر بانعطاف المجتمع والدولة الإسرائيليين نحو اليمين الأقصى، وهو مسار طويل بدأ مع فوز الليكود عام 1977. بقي هذا الحزب محتفظاً بالحكم طوال معظم السنوات المنصرمة بمشاركة جماعات يمينية صهيونية بما فيها أقصاها. انزلق المشهد السياسي الإسرائيلي برمته يميناً بحيث تقلص حزب العمل الذي أسس الدولة وحكمها لعقود إلى حزب ثانوي صغير لا يحوز سوى أربعة مقاعد من أصل مئة وعشرين في الكنيست.
المراهنة على التأثير في السياسة الإسرائيلية باللعب على التوازنات هي مراهنة محكومة بالفشل. المنافسان اللذان ينظر إليهما الإعلام كأكثر حظاً في الانتخابات القادمة هما نفتالي بينيت وغادي أيزنكوت. بينيت يميني متطرف كان عضواً في الليكود قبل انشقاقه إلى يمينه الديني. أما أيزنكوت فهو جنرال شارك في كافة الحروب الإجرامية التي خاضتها الدولة، بما فيها قمع الانتفاضتين في الأراضي المحتلة عام 1967.
ارتبط اسم أيزنكوت باستراتيجية الضاحية التي تعمد تدمير البيئة المدنية كجريمة حرب أشرف عليها في عدوان عام 2006 على لبنان. مهّد ذلك لحرب الإبادة الشاملة في غزة التي شارك هو بالإشراف عليها في أشهرها الأولى. إذا كان يصعب على منافسي نتنياهو المزايدة عليه في الشأن الفلسطيني، فإنهم يزايدون عليه بلا حرج في الشأنين الإيراني واللبناني. حتى يائير لبيد الذي يُنظر إليه كوجه اعتدال طالب بتدمير البنية التحتية الإيرانية بالكامل.
لا يؤيد أي من منافسي نتنياهو انسحاب الجيش من غزة أو إدانة استمرار الإبادة أو قيام دولة فلسطينية. الانزلاق اليميني لم يقتصر على الأحزاب اليهودية بل طال حزباً عربياً هو القائمة الموحدة المنحدرة من الحركة الإسلامية ويتزعمها منصور عباس. شاركت الجماعة في الحكومة الصهيونية عام 2021 وعادت لتتمثل بإنجاز بإدراج مرشح صهيوني سابق في الشرطة في القائمة العربية.
بينما تفهم إحجام الأحزاب المناهضة للصهيونية عن التخوين لتجنب الشرخ، تبقى حقيقة خيانة جماعة عباس للمناضلة الفلسطينية والعربية واضحة للعيان. المراهنة على التوازنات بين الأحزاب الصهيونية بدلاً من تشجيع انسلاخ اليهود عن الصهيونية تجربة فاشلة لم تحل دون انزلاق المجتمع الصهيوني إلى أقصى اليمين.
أوروبا بالعربي
