شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_رغم صعوبة التنبؤ بمآلات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومسار المباحثات الحالية، وتداعيات الوضع على البرنامج النووي الإيراني، وقدرات إيران الصاروخية، وشبكة نفوذها بالشرق الأوسط، فإن هذه الحرب تعد نقطة فاصلة في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية، وأدوات طهران في التعامل مع واشنطن وتل أبيب، خاصة وأن إيران تنظر إلى الهجمات الأمريكية الإسرائيلية كتهديد وجودي، مما سيدفعها إلى تطوير قدراتها العسكرية، وتعزيز دور وكلائها بالمنطقة بصورة أوسع.
العقيدة الاستراتيجية الإيرانية
_ مفهوم الردع: روجت إيران إلى تأسيس عقيدتها العسكرية منذ 1979، على الدفاع وليس الهجوم، وحماية أراضيها من أي تهديدات، لاسيما وأنها صنفت العدو لـ (3) فئات، ويعد العدو المطلق لها الولايات المتحدة وإسرائيل، وتنظر إلى الدول الحليفة لهما كدول عدوة، وتعتبر المعارضة الإيرانية وحركة “الأحواز” ومنظمة “مجاهدي خلق” أعداء داخليين. حرصت إيران على تأسيس الحرس الثوري ووحدة فيلق القدس، للقيام بمهام استخباراتية وعسكرية والتعامل مع أي تهديدات. وأسست حركات خارج أراضيها مثل حزب الله اللبناني، والحشد الشعبي وحزب الله بالعراق، والحوثيين باليمن، وحركتي “الفاطميين والزينبيون” التي كانت تعمل في سوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد.
بعد حرب الـ 12 يومًا بين إسرائيل وإيران، صدرت الأخيرة فكرة أن التأخر في الرد على الضربات، يعد تكتيكًا في العقيدة الدفاعية، مما يسمح بتأجيل أو تغيير معايير الرد العسكري على العدو، وترى أن حماية مصالحها والاحتفاظ بتوازنات القوة بالشرق الأوسط أولوية. يرى كبير مستشاري المرشد الإيراني للشؤون العسكرية يحيى رحيم صفوي، أن عمق الدفاع الاستراتيجي لإيران خارج الحدود في البحرين الأحمر والمتوسط. وتعتمد هذه الاستراتيجية على تطوير قدرات الردع العسكري، واستخدام أدوات الحرب غير التقليدية كالهجمات السيبرانية ونشر جواسيس، وتطوير الصناعات الدفاعية مثل المسيرات والصواريخ، ودعم وكلائها.
_ المزج بين الأيديولوجيا والواقعية: بانتهاء حرب الـ (12) يومًا، تغير توجه العقيدة الدفاعية لإيران، ويقول جون فيليبس، مستشار السلامة والأمن والمخاطر البريطاني، “حولت طهران عقيدتها العسكرية من استراتيجية احتواء دفاعية في المقام الأول، إلى موقف هجومي متكافئ بشكل صريح”. قارن فيليبس بين يونيو 2025، ومارس 2026، قائلًا ” تبدو إيران اليوم أكثر عدوانية في عقيدتها، وتستخدم بشكل مبكر وأكثر شمولية الصواريخ والطائرات بدون طيار، والهجمات الإلكترونية والهجمات على قطاع الطاقة، ولكنها تظل مقيدة عمليًا بأضرار المعارك والعقوبات وعدم الاستقرار الداخلي”. ما يعني استبدال المواجهة بالوكلاء إلى المواجهات المباشرة عالية الكثافة بين إيران من ناحية، وإسرائيل والولايات المتحدة من ناحية أخرى، الأمر الذي يشير إلى أن القيادة الحالية بإيران تميل أكثر للتصعيد وتقبل المخاطر.
يوضح جون فيليبس، أن استراتيجية إيران الآن، تتمثل في الصمود أمام الضغوط الأمريكية الإسرائيلية، بإعادة بناء قدراتها العسكرية، والردع من خلال التصعيد غير متكافئ المعاير، عبر الصواريخ والمسيرات والوكلاء، بجانب إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، لزيادة المخاطر الاقتصادية العالمية والضغط على واشنطن وأوروبا ودول المنطقة، نظرًا لأن المضيق يشحن ما بين (20%-30%) من إمدادات الطاقة العالمية. تسبب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وكبار المسؤولين الإيرانيين، في تشديد طهران ضرباتها العسكرية ضد إسرائيل ودول الخليج، بهدف الحفاظ على بقاء النظام الإيراني، وتبنى الحرس الثوري خطابًا متشددًا، بشن أعنف العمليات الهجومية ضد إسرائيل والقواعد الأمريكية بالمنطقة، خاصة وأن خطاب واشنطن وتل أبيب ركز على أن أهداف الحرب إسقاط النظام الإيراني. يرى حميد رضا عزيزي، باحث زائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) في برلين، أن تحركات إيران الحالية رد فعل على نموذج الردع الذي اتبعته قبل الحرب، واعتمدت على نهج هجين يجمع بين الردع بالمنع، المبني على عمق استراتيجي عبر شبكة الوكلاء والحلفاء الإقليميين، والردع بالعقاب عبر الهجمات الصاروخية واسعة النطاق. ويفسر هذه الاستراتيجية بأنها محاولة لإرساء قواعد ردع جديدة تحت الضغط العسكري، لرفع تكلفة الحرب الحالية وأي هجمات مستقبلية.
مستقبل البرنامج النووي
_ سيناريو التصعيد: في حال فشل الاتفاق الراهن بين واشنطن وطهران، والعودة للمواجهات العسكرية، من المرجح أن تتواصل الضربات الأمريكية الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية. مع بداية الحرب الراهنة، أعلنت إيران تعرض منشأة نطنز للهجوم الأمريكي الإسرائيلي. وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 3 مارس 2026، استمرار الضربات لإزالة التهديد النووي الإيراني، وشدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن الهدف من الحرب، منع امتلاك إيران سلاحًا نوويًا. في حرب الـ( 12) يومًا، أدت الضربات الإسرائيلية والهجمات الأمريكية، إلى تضرر نحو (15) ألف جهاز طرد مركزي بنطنز، وألحقت أضرارًا بمعامل تخصيب فوردو وأصفهان، ولكنها لم تكن كافية لوقف الخبرة التقنية أو الإضرار بمخزون اليورانيوم. قد أشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى امتلاك إيران نحو (440.9) كجم من اليورانيوم مخصبًا حتى (60%).
_ سيناريو تجميد الصراع: إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 8 أبريل 2026، بشأن التوصل لاتفاق لمدة أسبوعين مع إيران، يدفع إلى احتمالية إنهاء الحرب دون حل جذري، ما يؤدي إلى وصول البرنامج النووي الإيراني لحالة من الجمود، لاسيما وأن إيران ستكون مجبرة لإبداء انفتاحها على المفاوضات، مع الاحتفاظ بقدراتها في عملية التخصيب حتى (20%) وربما (60%) ولكن في مواقع أقل وضوحًا. قد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في 22 فبراير 2026، خلال المفاوضات مع واشنطن حول الملف النووي، استعداد بلاده لإرسال نصف مخزون اليورانيوم المخصب للخارج وتخفيض الآخر. يصبح احتمال حدوث هذا السيناريو مرتفعًا، لرغبة جميع الأطراف في وقف الحرب، بعد الخسائر الاقتصادية والعسكرية، وستواصل الولايات المتحدة وإسرائيل مراقبة البرنامج النووي، مع ضغط أوروبا على إيران للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
_ سيناريو العودة إلى الاتفاق النووي: صمود اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، وتحقيق تقدم في مباحثات إسلام آباد، سيحدد فرص العودة للاتفاق النووي أو إبرام اتفاق بديل، إذ أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى العمل مع إيران لاستخراج اليورانيوم المخصب. يعتمد هذا السيناريو على انتهاء الحرب باتفاق دبلوماسي جديد، واستعداد طهران لتقديم تنازلات هيكلية مثل إرسال جزء من اليورانيوم المخصب للخارج وتخفيف الكميات، مقابل مرونة واشنطن في اعترافها بحق طهران في التخصيب السلمي. من المتوقع أن يبرز دور دول “الترويكا” الأوروبية في هذه المسألة، بوضع قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني، وتخفيف جزءًا من العقوبات على إيران.
_ سيناريو الدولة على عتبة نووية: يرتبط هذا السيناريو بعدة عوامل، أن تنتهي الحرب باتفاق لصالح إيران، أو أن تعود الحرب بوتيرة هجمات أقل، ما يعني عدم التوصل لصيغة اتفاق حول الملف النووي، مما يسمح لإيران بإعادة بناء قدراتها لإنتاج قنبلة نووية بشكل سري. ولكن هذه الخطوة تتطلب وقتًا لتعافي إيران من تداعيات الحرب، وإعادة بناء البنية التحتية للطاقة ومختبرات إنتاج الأسلحة النووية. ربما سيتولى الحرس الثوري هذه المهمة لتطوير الجاهزية العسكرية.
الصواريخ الباليستية
_ تطور القدرات: ركزت إيران العقود الماضية على تطوير برنامج الصواريخ الباليستية، حتى أصبح البرنامج الأقوى والأكثر تنوعًَا بالشرق الأوسط. وتعتمد عليه في عقيدتها العسكرية، كأداة ردع لبسط نفوذها الإقليمي. استثمرت في بناء صناعة صواريخ مكتفية ذاتيًا، باستخدام التصاميم الحديثة وقودًا صلبًا ورؤوسًا حربية موجهة، وعناصر من تكنولوجيا فرط الصوت، لتعويض التأخر التكنولوجي في أنظمة الأسلحة التقليدية. تتألف ترسانة الصواريخ الإيرانية، من صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى تعمل بالوقود الصلب، وتحدد مدى أسلحتها بنحو (2000) كم. رغم تلقيها دعمًا من الصين وكوريا الشمالية، لكنها تعتمد على تصاميمها الخاصة. تحمل الصواريخ الإيرانية رؤوسًا حربية تقليدية شديدة الانفجار، أو شديدة الانفجار مجزأة أو عنقودية، وتحتوي بعض الطرازات على رؤوس حربية مضادة للسفن ومضادة للرادار.
بلغت طهران ذروة قوتها الصاروخية، خلال حرب الـ (12) يومًا، إذا استخدمت ما يقرب من (550) صاروخًا باليستيًا طوال المواجهات، ولكن خلال الحرب الحالية، انخفضت هذه القوة تدريجيًا، حيث أطلقت في 28 فبراير 2026، (170) صاروخًا يوميًا، وبحلول 4 مارس 2026، انخفضت عمليات الإطلاق اليومية بنسبة (86%)، ووصل النشاط الصاروخي أدنى مستواه بحلول 10 مارس 2026. يعود التراجع في القدرات، لفقدان عدد من منصات الإطلاق المتنقلة، ما أجبر الحرس الثوري على عمليات إطلاق متفرقة، وأضرت الضربات الأمريكية والإسرائيلية بالمنشآت تحت الأرض في خوجير وشاهرود، وبمراكز الخدمات اللوجستية، ما عطل سلاسل الإمداد ودمر مخزونات كبيرة من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى.
وفقًا للرواية الإسرائيلية، أعلن متحدث عسكري إسرائيلي، في 5 مارس 2026، أن إيران قد تتمكن من بناء ترسانة تصل إلى (8) آلاف صاروخ باليستي بحلول 2027، إذا واصلت بناء برنامجها الصاروخي عقب حرب يونيو 2025، بإعادة بناء (2500) صاروخ عبر الإنتاج المتجدد. وأوضحت إسرائيل تعطيل أو تدمير (300) منصة إطلاق صواريخ من أصل (450) منصة إطلاق صواريخ إيرانية. بينما قال وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، إنه تم تدمير نحو (90%) من قدرات إيران الصاروخية.
_ التحديات الدولية: تزيد العزلة الدولية والعقوبات من صعوبة صنع الصواريخ، حيث تستطيع إيران إنتاج آلاف الطائرات المسيرة شهريًا، لكن إنتاج الصواريخ الباليستية أصعب. تعاني أيضًا من ضغوط على سلسة إمداداتها للتكنولوجيا، بعد تراجع إمدادات دول مثل كوريا الشمالية وروسيا لها. يخضع تطوير الصواريخ الإيرانية لقيود دولية صارمة، نظرًا لأن أي تعاون مع دولة أو شركة خارجية، سيضعها تحت طائلة العقوبات الأممية.
_ دورها في توازن القوى: تمثل الصواريخ أداة للتصدي لأي تهديدات، باختلاف أنواعها بين باليستي وكروز ومسيرات. تستخدمها إيران لتهديد خطوط إمدادات الطاقة العالمية وأهداف عسكرية استراتيجية للخصوم. في الحرب الراهنة، شنت ضربات صاروخية على البنية التحتية للطافة ومواقع نفطية بدول الخليج. وتدعم قوات البحرية بصواريخ كروز مضادة للسفن، خاصة أثناء سيطرتها على مضيق هرمز. وتزود وكلائها بالمنطقة بالصواريخ، لمساندتها بالحرب.
الحرس الثوري الإيراني
_ دوره في النظام السياسي: تأسس الحرس الثوري الإيراني في 1979، بهدف حماية مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني، وتدريجيًا أصبح قوة موازية متجاوزة الحكومة وخاضعة لسلطة المرشد مباشرة. ويلعب دورًا محوريًا في السياسة الداخلية لإيران، حيث يدير برنامج الصواريخ الباليستية ويوجه الدعم لشبكة الوكلاء. كانت الحرب الإيرانية العراقية (1980- 1988) البداية للحرس، الذي تحول فيها لقوة قتالية نظامية، ذات هيكل مشابه للجيوش الغربية. يتألف الحرس الثوري من (5) فروع رئيسية، ويبلغ قوامه نحو (200) ألف جندي موزعين على (3) أفرع: القوات البرية، والقوات البحرية، التي تتولى مسؤولية مراقبة مضيق هرمز، بجانب قوات الباسيج، ووحدة فيلق القدس، والقوات الجوية.
يتبنى الحرس الثوري أفكار متشددة بشأن السياسة الخارجية والبرنامج النووي. وقد تفوق صلاحياته صلاحيات الرئيس الإيراني. قبل التصعيد الحالي، فوض الحرس صلاحيات واسعة لضباطه كاستراتيجية لتعزيز الصمود. وباغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، برز دور الحرس في إدارة الحرب ضد واشنطن وتل أبيب، باتباع استراتيجية متشددة وأكثر عنفًا في إطلاق الصواريخ والميسرات. يقول كسرى عرابي، رئيس قسم الأبحاث المتعلقة بالحرس الثوري في منظمة “متحدون ضد إيران النووية”، “إذا توقف الصراع فجأة وبقي النظام، فهذا يعني أن الحرس يلعب دورًا أكثر أهمية”، موضحًا أن اللامركزية جزء من عقيدة الحرس في حالة الهجوم، للحفاظ على سلطة النظام وحكمه.
_ نفوذه الاقتصادي: برز دور الحرس الثوري اقتصاديًا، بنهاية الحرب الإيرانية العراقية، ببناء قدرات هندسية وإنشائية هائلة، لأغراض الدعم اللوجستي العسكري. كلفته الحكومة بإعادة بناء البلاد بعد الحرب، لتظهر “شركة خاتم الأنبياء”، التي تعد من أكبر شركات المقاولات الإنشائية والصناعية بإيران. ووصلت نفوذه للخدمات المصرفية والشحن والتصنيع واستيراد السلع الاستهلاكية. مع تفاقم العقوبات المفروضة على المشروع النووي، حصلت شركة خاتم الأنبياء على عقود في قطاع الطاقة ذي الأهمية البالغة. بات الحرس القوى المسيطرة على جميع القطاعات الاقتصادية الهامة بإيران، بحسب تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية لعام 2020. يعزز نفوذه الاقتصادي، تمويل الأسلحة والعمليات السرية. أسهمت العقوبات الغربية على إيران، في انقطاع الشركات الإيرانية عن التمويل والتجارة المشروعة، وأتاحت للحرس الثوري فرصة أكبر في السوق السوداء.
_ موقعه في مرحلة ما بعد الحرب: قد يتصاعد نفوذ الحرس الثوري بعد هذه الحرب، بالسيطرة المباشرة على كافة المناصب الرئيسية بإيران، والبنية التحتية للطاقة والقطاعات الحيوية، لاسيما وأن له دورًا في اختيار المرشد وتجمعه علاقة قوية بالمرشد الحالي مجتبى خامنئي. من المتوقع أن يتبنى قادة الحرس سياسة أكثر تشددًا مقارنة بحقبة علي خامنئي. واستخلص الحرس من خسائره في (2025-2026) ضرورة تطوير هيكله وتعيين عدة خلفاء لأدوار القيادة الرئيسية، مع تصدير صورة أمام الرأي العام الإيراني، بأنه هو من قاد الحرب للدفاع عن أمن البلاد. وسيواصل تطوير قدراته الصاروخية ودعم الوكلاء تحسبًًا لأي تهديدات.
أذرع إيران في الخارج
اعتمد الحرس الثوري على فتح قنوات اتصال مع وكلاء بالمنطقة، وبرز دور “فيلق القدس” كذراع فعلي للشؤون الخارجية للحرس، وتولى التنسيق مع هؤلاء الوكلاء في العراق ولبنان وغزة واليمن وسوريا، بتوفير التدريبات والتسليح والتمويل والمشورة العسكرية، لبسط النفوذ الإيراني بالمنطقة. صعد “حزب الله العراقي” و”الحشد الشعبي” في العراق كجماعات موالية لإيران بعد 2003 بالعراق، ومع احتجاجات مارس 2011، برز دور الحرس وحركتي “الفاطميون والزينبيون” بسوريا، حتى سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024. بالتزامن مع صعود تنظيم “داعش” في 2014، عزز فيلق القدس وجوده بالعراق وسوريا. تزايدت الروابط بين إيران ووكلائها بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، بتقديم مساعدات للحلفاء بالعراق ولبنان واليمن، لشن هجمات على أهداف إسرائيلية تضامنًا مع حركة حماس. لعب الحوثيون باليمن دورًا في عرقلة حركة الملاحة بالبحر الأحمر ردًا على حرب غزة. في الحرب الراهنة، أعلن حزب الله اللبناني في 2 مارس 2026، دخوله على خط المواجهات ضد إسرائيل، لمساندة إيران عقب اغتيال المرشد، وشنت فصائل عراقية، في مارس وأبريل 2026، هجمات متكررة على القواعد الأمريكية والمطارات بالعراق. شن الحوثيون في 28 مارس 2026، هجمات على إسرائيل، معلنين دخولهم الحرب لدعم إيران ولبنان. وهدد الحرس الثوري بورقة الحوثيين، في إغلاق باب المندب في حال توسع الهجمات.
مستقبل الشبكات الإقليمية
_ سيناريو الاستمرار والتوسع: تواصل إيران دعم وكلائها في لبنان والعراق واليمن، لاسيما وأن دورهم برز بشكل كبير مؤخرًا، أكدت إيران في 8 أبريل 2026، على ضرورة أن يشمل اتفاق وقف إطلاق النار لبنان، مهددة بالانسحاب من الاتفاق، بعد أن شنت إسرائيل أعنف الغارات الجوية على لبنان. رغم إصرار واشنطن وتل أبيب، على تخلي طهران عن الجماعات الموالية لها، كشروط لإنهاء الحرب، فإن إيران ترفض هذا البند، فهي تنظر لهذه الجماعات، كقوة ردع وأداة ضغط تعزز تحركاتها العسكرية بالمنطقة. يصبح هذا السيناريو وارد الحدوث، مما سيؤدي إلى اشتعال جبهة لبنان بصورة أوسع وعودة المواجهات للعراق.
_ سيناريو إعادة الهيكلة والتكيف: في حال استمر الضغط الأمريكي الإسرائيلي على إيران، لتقليص نفوذها بالمنطقة، فمن المتوقع أن تلجأ إيران إلى إعادة تنظيم شبكاتها الإقليمية بصورة غامضة، وخلق تحالفات جديدة سرية، ودعم حزب الله لإعادة بناء قدراته العسكرية، والاعتماد على خلايا مستقلة عن الحزب، ومساندة الجماعات بالعراق، بتوسع نفوذها في تشكيل الحكومة العراقية المرتقبة. يعد احتمال حدوث هذا السيناريو متوسطًا، وقد يؤدي إلى انخفاض الهجمات المباشرة من الوكلاء على إسرائيل ودول المنطقة، ولكنها ستظل أهداف في مرمى هجمات الحوثيين وحزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي.
_ سيناريو التراجع تحت الضغط: مواصلة هجمات إسرائيل على لبنان، والضغط الأمريكي على الحكومة اللبنانية، لسحب السلاح من حزب الله، سيؤدي إلى ضعف ذراع مهم لإيران بالمنطقة، لاسيما وأنه تكبد خسائر بشرية ومادية كبيرة منذ 2024، ما يرجح تفككه جزئيًا وانحساره على المستويين العسكري والسياسي. بالمثل ستشهد الفصائل العراقية ضغطًا من حكومة بغداد، لمنع انزلاق البلاد في دائرة الصراع، ما يحجم نفوذها. ويعد احتمال حدوث هذا السيناريو متوسطًا على المدى البعيد.
سيناريوهات القوة الإيرانية
_ تعزيز الردع: استند خطاب المسؤولين الإيرانيين، منذ 28 فبراير 2026، على أنهم في حرب وجودية، مشددين على الرد على أي اعتداء. وحين هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 7 أبريل 206، بتدمير إيران، ردت الأخيرة باستهداف كافة النقاط الحيوية بالمنطقة. تستخدم طهران الممرات المائية ورقة ضغط في المفاوضات الحالية، وتضمنت الشروط الإيرانية استمرار السيطرة على مضيق هرمز، والمرور عبره بالتنسيق مع القوات الإيرانية. ومن المحتمل اتباع إيران نهج الردع، في حال عودة المواجهات أو التوصل لاتفاق غير مرضي في مباحثات إسلام آباد.
_ إعادة التموضع: يرتكز هذا المسار على حجم الخسائر البشرية والمادية، التي تكبدتها إيران في الحرب الراهنة. وبعيدًا عن التصعيد المباشر، ستلجأ إلى تنويع نفوذها بالمنطقة، بتقوية الوكلاء التقليديين، وإعادة هيكلة حزب الله والحشد الشعبي بقادة أصغر سنًا، وتجنيد خلايا جديدة لصالحها، خاصة في سوريا التي فقدت نفوذها فيها. وستعمل إيران على إعادة تطوير برنامجها الصاروخي، وتقوية اقتصادها وتنويع مصادره. يؤدي هذا السيناريو إلى تحول الصراع إلى أكثر دبلوماسية وأقل عنفًا.
_ الانكفاء النسبي: إذا طالت الحرب وتصاعدت وتيرتها في حال فشل المباحثات، ستستهدف إيران المصالح الأمريكية والبنية التحتية للطاقة والنقل والكهرباء بالمنطقة، وتكثف الضربات بجانب حزب الله على إسرائيل. هذا السيناريو سيدفع إلى حرب استنزاف لجميع الأطراف، وربما سيصبح خيار العملية الأمريكية البرية في إيران وارد الحدوث، ما قد يهدد النظام السياسي والاقتصادي ويزيد من الضغوط الداخلية، الأمر الذي سيؤثر على مكانة إيران إقليميًا على المدى الطويل.
تقييم وقراءة مستقبلية
– إن النسخة الحالية من إيران تختلف كثيرًا عن نسخة العقود الماضية، ومن المتوقع أن تكون أكثر تشددًا وحذرًا وأكثر براغماتية، بجانب استمرار دعمها للوكلاء ومشروعها الإقليمي بالمنطقة، والتمسك بتطوير برنامجها الصاروخي، واستكمال العمل في البرنامج النووي، عبر استراتيجية الضغط على الخصوم، واستغلال الممرات البحرية في إدارة الأزمة والمباحثات الحالية.
– أدت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلى تغير المعادلة الجيوسياسية بالمنطقة، وفرضت واقعًا سياسيًا وأمنيًا جديدًا يتمثل في أن إيران قوة إقليمية دائمة، وتعد وتيرة التهديدات الإيرانية والتلويح باستمرار الهجمات على نقاط حيوية بالمنطقة، وإغلاق مضيق باب المندب، دليلًا على أن أوراق الضغط موزعة بين طهران من جانب، وواشنطن وتل أبيب من جانب، ومن المحتمل أن تشهد المفاوضات تعقيدات كثيرة، نظرًا لتمسك كل طرف بشروطه.
– من المرجح استعداد إيران لخوض حرب استنزاف، لتغيير حسابات الخصم في الربح والخسارة، ما يعني استيعابها لدروس حرب الـ 12 يومًا، حول أن الهدف ليس تحقيق انتصار بميدان المعركة، بل فرض معادلة استراتيجية جديدة، تجبر الخصم على إعادة التفكير في مهاجمتها مجددًا، وقد تعتمد على مزيج من أدوات ضغط متكاملة، أساسها استهداف الاقتصاد العالمي.
– برز دور الحرس الثوري الإيراني عقب اغتيال المرشد وكبار القادة، ومن الواضح أن الخطة كانت مصممة لضمان استمرار الحرس الثوري، كرأس حربة رئيسي للرد العسكري الإيراني على الهجمات الخارجية، وكقوة إنفاذ للأمن الداخلي بإيران. ويبدو أن هذا النهج نجح، لقدرة الحرس على التماسك الاستراتيجي رغم شدة الضربات الأمريكية الإسرائيلية.
– تدرك إيران أهمية موقف أوروبا الراهن الرافض للتصعيد ودخولها على خط المواجهة، حيث وضع واشنطن في مأزق سياسي وعسكري، لعدم تشكيل تحالف في مضيق هرمز، ومن المتوقع أن تستغل إيران هذا الموقف لتمارس استراتيجية أكثر عقلانية تجاه أوروبا، لاسيما وأنها تطالب برفع العقوبات الغربية عنها ضمن شروط المباحثات.
– تعاني إيران من العزلة الدولية والعقوبات، ورغم اعتمادها على الحلفاء مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية لدعمها بشكل غير معلن، فإن وضعها الاقتصادي وتبعات الحرب، تمثل تحديات جسيمة على النظام، الأمر الذي قد يدفعها لكسب الوقت في المباحثات، كمحاولة لترتيب أوراقها بالداخل للتعامل مع سيناريوهات التصعيد المحتملة الفترة المقبلة.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

