الأحد. أغسطس 30th, 2026
0 0
Read Time:5 Minute, 25 Second

نجلاء السيد ((مصر ))

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_هناك مدنٌ تسكنها…
وهناك مدنٌ تسكنك أنت.
مدنٌ كلما ظننت أنك عرفت أسرارها، كشفت لك عن بابٍ جديد، وحكايةٍ أقدم، وحجرٍ ما زال يحتفظ بصوت الذين مروا من هنا منذ مئات السنين.
لا نريد أن نمرّ على الأماكن مرورًا عابرًا…
نريد أن نتوقف قليلًا، ننظر، نسأل، ونحاول أن نسمع ما يقوله الحجر.
واليوم تأخذنا الحكاية إلى كرموز…
إلى مكانٍ يبدو للعين جزءًا من مدينة الإسكندرية الحديثة، لكنه يخفي بين أحجاره بقايا مدينة أخرى، عاشت فيها حضارات متعاقبة، وتركت كل واحدة منها أثرًا فوق الأرض أو تحتها.
فماذا لو مشينا هنا قبل ألفٍ وسبعمائة عام؟
🏛️ عمود السواري…
حين بقي حجر واحد شاهدًا على مدينة اختفت
في منطقة كرموز، فوق هضبة مرتفعة، يقف عمود السواري شامخًا.
لا يبدو في صورته الحالية كجزء من معبد ضخم، بل كعمود منفرد يقاوم الزمن.
لكنه لم يكن كذلك في الماضي.
فالعمود أحد أهم بقايا المنطقة الأثرية التي ارتبطت بـ السرابيوم، ذلك المجمع الديني الكبير في الإسكندرية القديمة.
أما العمود نفسه، فيعود إلى العصر الروماني، في عهد الإمبراطور دقلديانوس، الذي حكم الإمبراطورية الرومانية بين عامي 284 و305م.
وتربط وزارة السياحة والآثار إقامة العمود بالأحداث التي شهدتها الإسكندرية في عهد دقلديانوس، بعد إخماده الثورة التي قادها القائد الروماني لوكيوس دوميتيوس، المعروف باسم أخيل.
وربما تكون أول مفاجأة حين تقترب منه…
أن هذا العمود ليس مجموعة أحجار صغيرة رُصّت فوق بعضها.
إنه قطعة جرانيت ضخمة واحدة، نقلت من أسوان إلى الإسكندرية، ويزيد ارتفاعه الكلي على 26 مترًا.
تخيل أن تنظر إلى حجر بهذا الحجم، ثم تتذكر أنه قُطع ونُقل وشُيّد في عصر لم تكن فيه الرافعات والآلات التي نعرفها اليوم.
هنا لا تسأل فقط:
كيف بنوه؟
بل تسأل أيضًا:
كيف استطاعوا أن يفعلوا ذلك؟
ومن أين جاء اسم «السواري»؟
الاسم الذي نعرفه اليوم لم يكن هو الاسم الذي ارتبط به العمود في الذاكرة الأوروبية.
وتذكر المصادر أن تسميته بـ «عمود السواري» ارتبطت بارتفاعه الشاهق في منطقة كانت تضم عددًا كبيرًا من الأعمدة، فشُبّهت بصواري السفن.
أما الاسم الآخر الذي اشتهر به في بعض المصادر الأجنبية، «عمود بومبي» أو Pompey’s Pillar، فهو اسم غير صحيح من الناحية التاريخية.
فالعمود ليس قبرًا لبومبي، ولم يُقم تكريمًا له.
وقد وثّق متحف المتروبوليتان للفنون أن العمود نُسب إلى بومبي في تسمية لاحقة، بينما كان مكرسًا للإمبراطور دقلديانوس.
وهكذا تحولت تسمية خاطئة، مع مرور الزمن، إلى واحدة من أشهر الحكايات المرتبطة بالمكان.
لكن الحقيقة…
أكثر إثارة من الأسطورة.
🏺 السرابيوم…
العمود الذي بقي من عالم أكبر
لو كنت تقف هنا منذ قرون طويلة، لما رأيت عمودًا وحيدًا في أرض مفتوحة.
كنت سترى جزءًا من مجمع ديني كبير ارتبط بعبادة سيرابيس.
وكان السرابيوم من أبرز المراكز الدينية في الإسكندرية القديمة.
ومع مرور القرون، تهدمت أجزاء كبيرة من هذا العالم، وتغيرت ملامح المدينة، ولم يبقَ لنا سوى أجزاء متفرقة من الموقع.
ولهذا فإن النظر إلى العمود باعتباره أثرًا منفردًا لا يعطيه حقه.
فهو ليس مجرد حجر مرتفع…
إنه شاهد على المكان الذي كان يقف فيه عالم كامل.
واليوم، ما زالت منطقة عمود السواري والسرابيوم جزءًا من المواقع الأثرية التي تعمل وزارة السياحة والآثار على تطويرها ورفع كفاءة مسارات الزيارة بها.
🦁 حراس من زمن آخر
وبالقرب من العمود، تظهر بقايا وتماثيل من الجرانيت، ومن بينها تماثيل أبي الهول.
وهنا يصبح المشهد أكثر غرابة…
فأنت في مدينة حديثة، تسمع أصوات السيارات والحياة اليومية، بينما أمامك أحجار صامتة عمرها قرون طويلة.
تضع يدك على حجر…
فتلمس شيئًا صنعه إنسان عاش في عالم مختلف تمامًا عن عالمنا.
ومع ذلك، بقي أثر يده.
⬇️ لكن الحكاية لا تنتهي فوق الأرض…
إذا كان عمود السواري يأخذك إلى الأعلى…
فإن كرموز تخفي في أعماقها طريقًا آخر.
طريقًا يأخذك إلى الأسفل.
إلى مقابر كوم الشقافة.
وهنا تتغير الحكاية تمامًا.
⚰️ كوم الشقافة…
مدينة الموتى تحت مدينة الأحياء
تعود أصول مقابر كوم الشقافة إلى أواخر القرن الأول الميلادي، واستُخدمت حتى القرن الرابع الميلادي.
واكتُشفت بالصدفة عام 1900.
وسُمّيت «كوم الشقافة» بسبب كثرة الشقف الفخارية التي كانت متراكمة في المنطقة.
لكن أكثر ما يجعلها مميزة ليس اسمها…
بل ما تخفيه تحت الأرض.
فهي مقابر منحوتة في الصخر، تتكون من ثلاثة طوابق، وتتميز بمزيج فريد من التأثيرات المصرية واليونانية والرومانية.
وهنا تحديدًا تشعر أن الإسكندرية كانت أكثر من مدينة…
كانت ملتقى حضارات.
🌀 السلم الذي يأخذك إلى الأعماق
تبدأ الرحلة بالنزول.
درجة…
ثم درجة…
ثم درجة أخرى.
كلما نزلت، ابتعد ضوء الشمس، وبدأت تشعر أن المدينة التي تركتها فوقك أصبحت بعيدة.
وتصل إلى عالم آخر:
ممرات منحوتة في الصخر…
الحجرة المستديرة…
صالة المآدب…
غرفة الدفن الرئيسية…
وتفاصيل معمارية تجمع بين عناصر مصرية ورومانية في مشهد نادر.
ولهذا فإن الاسم الشعبي «سرداب الموتى» يعبّر عن الإحساس الذي يتركه المكان، لكنه ليس الاسم الأثري الرسمي للموقع.
والمهم هنا ألا نحول المكان إلى قصة رعب…
فهو في الحقيقة شاهد على عادات الدفن والحياة الاجتماعية والفنية في الإسكندرية خلال العصرين اليوناني والروماني.
حتى الموت عندهم كان له طقس.
وكانت المقبرة بالنسبة لهم أكثر من مكان لدفن الجسد.
كانت مساحة تحفظ الذاكرة.
🎭 حضارات مختلفة… في مقبرة واحدة
ربما تكون أكثر الأشياء إثارة في كوم الشقافة هي تلك التفاصيل التي تجعلك تتوقف أمامها طويلًا.
زخارف مصرية…
وأشكال رومانية…
وتأثيرات يونانية…
كلها في مكان واحد.
وكأن صاحب المقبرة كان يقول:
أنا ابن هذه المدينة بكل ما فيها.
مدينة لم تكن مصرية فقط…
ولا يونانية فقط…
ولا رومانية فقط.
بل مدينة صنعت لنفسها هوية خاصة من كل الحضارات التي مرت بها.
وهذا هو سر الإسكندرية.
🌿 بين العمود والسرداب
والآن…
تخيل المشهد من جديد.
فوق الأرض:
عمود السواري…
يرتفع أكثر من 26 مترًا، قطعة واحدة من الجرانيت، شاهدًا على العصر الروماني ودقلديانوس.
وتحت الأرض:
كوم الشقافة…
ثلاثة طوابق منحوتة في الصخر، تحفظ مقابر وفنونًا جمعت بين مصر وروما واليونان.
وبين الاثنين…
كرموز.
حي يعيش يومه العادي، بينما تحت قدميه آثار أناس عاشوا منذ ما يقرب من ألفي عام.
وهنا ندرك أن التاريخ ليس دائمًا في المتاحف خلف الزجاج…
أحيانًا يكون تحت أقدامنا.
وأحيانًا يقف أمامنا في صورة عمود.
وأحيانًا يختبئ في سرداب.
وأحيانًا…
يمر بنا كل يوم دون أن ننتبه إليه.
ربما لهذا لا نستطيع أن نقول إننا زرنا الإسكندرية وانتهى الأمر.
فالإسكندرية لا تُزار مرة واحدة…
كلما ظننت أنك عرفت وجهها، اكتشفت وجهًا آخر.
وفي كرموز تحديدًا، تصعد عيناك إلى عمود يقاوم الزمن…
ثم تهبط قدماك إلى مقابر اختبأت تحت الأرض.
واحد يشهد على ما أراد الإنسان أن يبنيه ليبقى…
والآخر يحكي كيف واجه الإنسان فكرة الفناء.
وبين السماء والأرض…
وبين الحياة والموت…
تقف الإسكندرية.
لا تزال تروي.
ولا تزال تخبئ.
ولا تزال تقول لنا:
إن الحكاية لم تنتهِ بعد…
لأن مدينتي…
حكاية لا تنتهي.
نضيء زاوية من الماضي… لنرى مدينتنا بعيون جديدة.

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code