شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تواجه الجيوش الأوروبية تحديًا متزايدًا في استقطاب الأفراد بالتزامن مع خطط التوسع العسكري وزيادة الإنفاق الدفاعي.لاوتتحول حملات التجنيد من الخطاب الوطني التقليدي إلى رسائل تركز على التطور الشخصي والانتماء، مع توظيف واسع لمنصات التواصل الاجتماعي.
عودة الإعلانات العسكرية للتجنيد
مع استثمار الحكومات مليارات الدولارات في إعادة بناء القدرات العسكرية الأوروبية، بدأت تكتشف أن تحديث الترسانات لا يمثل سوى جزء واحد من التحدي، أما الجزء الآخر فيتمثل في العثور على الأفراد اللازمين لتشغيلها. تريد ألمانيا زيادة حجم قواتها المسلحة من نحو 180 ألف جندي إلى 260 ألفًا، مع مضاعفة قوام قوات الاحتياط. وتخطط فرنسا لزيادة عدد أفراد الاحتياط من نحو 47 ألفًا إلى 100 ألف بحلول نهاية العقد. كما أعلنت إيطاليا خططًا لزيادة عدد أفراد قواتها المسلحة، فيما تبحث هولندا وبولندا أيضًا عن سبل لتوسيع قواتهما. وبالتالي، أصبحت عملية التجنيد معركة اتصالية، تُخاض بصورة متزايدة عبر التلفزيون، واللوحات الإعلانية، ومنصات تيك توك وإنستغرام ويوتيوب.
في صدى للحضور اللافت لحملات التجنيد في بداية القرن العشرين، تعود الإعلانات العسكرية مرة أخرى لتصبح حضورًا مألوفًا في مختلف أنحاء أوروبا، بدءًا من جوانب الحافلات ذات الطابقين في لندن، مرورًا بالطرق السريعة اليونانية، وصولًا إلى شاشات دور السينما في باريس. وبين عامي 2025 و2026، أطلقت عدة دول حملات جديدة، إلا أن الرسائل التي تحملها هذه الحملات تغيرت، مقارنة بالقرن الماضي، من التركيز على الواجب الوطني إلى التركيز على النمو الشخصي. وتقدم حملة الجيش البريطاني “You Belong Here” التي أطلقت للمرة الأولى عام 2023 ويتم تحديثها سنويًا، الخدمة العسكرية باعتبارها مجتمعًا يمكن للأفراد أن يجدوا فيه الهدف والشعور بالانتماء. ويستحضر أسلوب التصوير من منظور الشخص الأول، المستخدم في عمليات الإنقاذ، اللغة البصرية لألعاب الفيديو الحربية الحديثة، إذ يضع المشاهد مباشرة في منظور الجندي.
أما حملة فرنسا “Peux-tu le faire?”، أي “هل يمكنك القيام بذلك؟”، التي انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي وشاشات دور السينما، فتقدم الانضمام إلى الجيش باعتباره تحديًا شخصيًا يتمحور حول القدرة على الصمود وتطوير الذات. كما تتضمن الحملة نسخة باللغة الإنجليزية من محتوى الفيديو الخاص بها. وتتبنى أحدث حملات الجيش الإيطالي نبرة أكثر مؤسسية، وتدور حول مسألة الأمن الوطني. وتقوم الحملة، التي تحمل رسالة “Esercito Italiano, al tuo fianco, ogni giorno”، أي “الجيش الإيطالي، إلى جانبك كل يوم”، على استخدام صور للمدن الإيطالية والحياة اليومية، بهدف تقديم الجنود باعتبارهم حضورًا مستمرًا في المجتمعات المحلية. كما أطلقت القوات المسلحة البلجيكية حملتها الجديدة في يناير من العام 2026، وأعلنت في أوائل أغسطس أنها حققت هدفها المتمثل في تجنيد 500 شاب وشابة ضمن برنامج الخدمة العسكرية التطوعية الجديد لمدة عام.
الحالة الأيرلندية: استهداف جمهور جديد
أطلقت قوات الدفاع الأيرلندية مؤخرًا حملة جديدة بعنوان “Yes. You. Can.” وينتقل الفيديو بعيدًا عن الصور العسكرية التقليدية، ليتابع شابة تتغلب على لحظات من الشك في الذات، مع التركيز على الثقة بالنفس والإمكانات الشخصية. يقول روب ماغواير، المدير الإبداعي التنفيذي في وكالة “Public House” الأيرلندية التي صممت الحملة، لموقع “Euractiv”، إن هذا التغيير يعكس تحولًا أوسع في الطريقة التي يُنظر بها إلى الدفاع. وقال: “عندما نتحدث عن الدفاع، فإن اللغة مختلفة تمامًا عما كانت عليه قبل 10 سنوات، وحتى قبل أربع سنوات”. وصُممت الحملة الأيرلندية خصيصًا لمعالجة فجوة التجنيد بين الشابات.
تابع ماغواير: “كان عميلنا يريد تحديدًا استهداف تجنيد النساء، لأنه كان يعلم أن أعدادهن لم تكن كبيرة تاريخيًا”. وأظهر البحث الذي أجرته الوكالة أن الرسائل الوطنية التقليدية لم تكن بالضرورة الطريقة الأكثر فاعلية للوصول إلى الجماهير الأصغر سنًا أو النساء. وركزت الحملة على ما وصفه ماغواير بـ”الاستبعاد الذاتي”، أي ميل بعض المتقدمات المحتملات إلى استبعاد أنفسهن قبل التقدم بطلبات الالتحاق. وصُممت الحملة أيضًا منذ البداية بهدف توليد التفاعل والمشاركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقال ماغواير إن الوكالة تلقت معلومات تفيد بأن طلبات الالتحاق المقدمة من النساء ارتفعت بصورة حادة منذ إطلاق الحملة.
ألمانيا تراهن على تيك توك
ربما تكون ألمانيا قد ذهبت بالتحول الرقمي إلى مدى أبعد، إذ حولت قنوات التجنيد التابعة للقوات المسلحة الألمانية “Bundeswehr” إلى واحدة من أبرز الأمثلة على تكيف مؤسسة عسكرية مع ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى منصة تيك توك، يمزج حساب “Bundeswehr Karriere” المخصص للمسار المهني في القوات المسلحة، بين رسائل التجنيد والفكاهة ومقاطع الفيديو غير الرسمية ومحتوى من وراء الكواليس يعرض الحياة اليومية في الجيش. وبدلًا من تقديم القوات المسلحة من خلال المراسم الرسمية أو صور المعدات العسكرية فقط، تركز الاستراتيجية على الأشخاص أنفسهم: جنود يشرحون وظائفهم، ويعرضون روتين التدريبات، ويقدمون رؤية أكثر سهولة للحياة العسكرية. وفي عام 2026، سجلت ألمانيا ارتفاعًا في الاهتمام بقواتها المسلحة عقب إطلاق حملة التجنيد، مع زيادة بنسبة 20% في أعداد المتقدمين مقارنة بالعام الماضي.
وسائل التواصل الاجتماعي كأداة رئيسية للوصول إلى المجندين
تشترك هذه الحملات في قدرتها على التكيف مع منطق وسائل التواصل الاجتماعي. فلم تعد الجيوش تكتفي بوضع إعلانات التجنيد على الإنترنت، بل تعمل على إنشاء قنوات مخصصة للوصول إلى المجندين المحتملين في الأماكن التي يستهلكون فيها المعلومات بالفعل. وتقدم إسبانيا مثالًا آخر أكثر حداثة. ففي مايو، أطلق الجيش الإسباني حسابًا رسميًا على تيك توك إلى جانب قناة على واتساب، وربط هذه الخطوة صراحةً بـ”الاستجابة للحاجة إلى تكييف الاتصال المؤسسي مع أنماط استهلاك المعلومات الحالية، مع التركيز بصورة خاصة على الجماهير الأصغر سنًا”. وتُستخدم هذه القنوات لعرض الأنشطة العسكرية، وشرح الفرص المهنية، وتقريب المؤسسة العسكرية من الجمهور. وقال الجيش إن الهدف يتمثل في تقديم معلومات “صحيحة وشفافة وفي الوقت المناسب”، مع استخدام منصات أصبحت بالفعل جزءًا من الحياة اليومية للأجيال الأصغر سنًا، وتعمل على بناء منظوماتها الرقمية الخاصة.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

