شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_ في كل مرة تظهر فيها حكاية فنان مع الخمر ، او المخدرات ، او علاقة غير سوية ، يراها الدين و المجتمع محرمة … يتكرر المشهد نفسه .. سؤال الناس : ماذا فعل ؟ بل يقول بعضهم في سريرة نفسه ، أو للمقربين منه : فنان … ماذا نتوقع منه ؟ . وهذه الجملة الصغيرة تحمل وراءها تاريخا طويلا .. فمنذ قرون ، ارتبطت صورة الفنان في المخيلة العامة بشيء من التمرد ، والسهر ، والشراب ، والعلاقات المضطربة ، والبحث عن اللذة ، والخروج على القواعد التي يعيش في داخلها الانسان العادي . ولا يتعلق الامر بالمغني والممثل وحدهما . حتى الرسام ، ذلك الرجل الذي قد لا يعرف اسمه سوى مئات قليلة من الناس من الجمهور النخبوي ، أو من المهتمين بفن الرسم والتلوين … نجد في تاريخ الفن التشكيلي عشرات الحكايات عن فنانين عاشوا على هامش السلوك الاجتماعي المألوف ، بعضهم مع الخمر ، وبعضهم مع المخدرات ، وبعضهم مع علاقات عاطفية وجسدية متشابكة ، وبعضهم مع اضطرابات نفسية حقيقية .
فلماذا ؟ .. هل الفن نفسه يدفع صاحبه الى ذلك ؟ ام ان هناك شيئا في الشخصية التي تختار الفن يجعلها اكثر استعدادا لهذه الحياة ؟
السؤال يستحق ان نخرج به من مجلس الفضائح ، وندخله الى غرفة علم النفس … ليست قاعدة … لكنها ظاهرة تستحق السؤال قبل ان يغضب القارئ ويقول : ( لا تعمم ، فهناك فنانون محترمون ومستقيمون ) ، فهذه حقيقة لا خلاف عليها … المقال لا يقول ان الفنان مدمن ، ولا ان الرسام منحرف ، ولا ان الممثل يعيش حياة منفلتة . بل العكس تماما . هناك ملايين الفنانين الذين يعيشون حياة متزنة ونظيفة ، وبعضهم كان شديد الانضباط والتدين .
لكن وجود الاستثناء لا يلغي الظاهرة . والسؤال هنا ليس : هل كل الفنانين يفعلون ذلك ؟ وانما : لماذا تكرر ظهور هذه السلوكيات بين نسبة ملحوظة من الفنانين ، وعبر اجيال وبلدان وفنون مختلفة ؟ هذه نقطة مختلفة تماما .
حتى الدراسات الحديثة في مجال الموسيقيين ، مثلا ، تشير الى تفاوت واسع في معدلات استخدام الكحول والمخدرات بين العينات المختلفة ، مع وجود عوامل نفسية ومهنية خاصة بهذه البيئة . مراجعة منهجية نشرت عام 2026 جمعت الدراسات المتاحة حول تعاطي الكحول والمخدرات لدى الموسيقيين ، وخلصت الى ان الظاهرة حقيقية لكنها شديدة التفاوت بحسب المادة ونوع الفن وطريقة القياس .
إذن نحن لا نتحدث عن اسطورة صحفية خالصة . ولكننا ايضا لا نتحدث عن قانون بيولوجي اسمه : ( الفنان مدمن ) . بين الاثنين توجد منطقة اكثر تعقيدا .. الفنان لا يرى العالم كما يراه الاخرون .. ربما تبدأ الحكاية من هنا .
الطفل العادي يرى كرسيا .. اما الفنان فقد يرى في الكرسي ذاكرة ، وخطوطا ، وفراغا ، وعلاقة بين اللون والظل .
الشخص العادي يرى وجها .. والفنان قد يقضي ساعة كاملة يتأمل انحناءة الفم ، او الحزن المختبئ في العين .
هذه القدرة على رؤية ما وراء الشيء ترتبط بصفة نفسية تسمى الانفتاح على الخبرة .. والانفتاح على الخبرة ليس مرضا ، بل من الصفات المرتبطة بالفضول والخيال والبحث عن التجربة الجديدة ، وهي صفات مهمة في الابداع . لكن هنا تبدأ المفارقة . الشخص الذي لا يخاف كثيرا من الجديد قد يكون مستعدا ايضا لتجربة اشياء يخاف منها الشخص شديد الالتزام بالقواعد . وهنا تدخل صفة اخرى : البحث عن الاثارة Sensation Seeking .. صاحبها لا يكتفي بما هو مألوف دائما .. يريد تجربة جديدة .. احساسا جديدا .. علاقة جديدة .. مشهدا جديدا .. مادة جديدة .. وحين تجتمع قابلية البحث عن التجربة مع الاندفاع وضعف ضبط النفس ، يمكن ان يصبح الفضول طريقا الى المخاطرة . ولا يعني ذلك ان الفنان اكثر اندفاعا بالضرورة من غيره ، لكن بعض السمات المرتبطة بالابداع قد تتقاطع مع سمات تزيد قابلية السلوك الادماني . وهذه هي النقطة التي يجب ان نتوقف عندها … الابداع لا يصنع الادمان ، لكن بعض الخصائص النفسية التي قد تساعد على الابداع يمكن ، في ظروف معينة ، ان تجعل صاحبها اكثر قابلية للمخاطرة . الفنان لا يحب الحدود كثيرا .. هناك شيء آخر .. الفنان بطبيعته المهنية يعيش على كسر القاعدة .
في الرسم ، لا يرضى بالحل الموجود .. يغير المنظور .. يكسر اللون .. يضع الاحمر حيث يتوقع الناس الازرق.
يترك الواقعية ويتجه الى التجريد . ثم يأتي ناقد فيقول له : هذا غير صحيح .. فيجيبه الفنان : ومن قال ان الصحيح هو ما اعتدتم عليه ؟ ..هذه الروح ضرورية للفن .. لكنها قد تصبح مشكلة عندما تنتقل من اللوحة الى الحياة .. فكسر القاعدة الفنية شيء . وكسر القاعدة الاخلاقية والاجتماعية شيء آخر . الفنان الذي يتعلم طوال حياته ان السؤال اهم من الاجابة ، وان الممنوع قابل للنقاش ، وان المألوف ليس مقدسا ، قد يكون اكثر استعدادا لمراجعة المحرمات الاجتماعية . مرة اخرى ، ليس معنى ذلك انه سيكسرها . لكن السلطة النفسية للعادات قد تكون اضعف عند بعض الشخصيات الابداعية . وهنا يصبح الفنان مختلفا عن الانسان الذي يحتاج الى القاعدة لكي يشعر بالامان .
المشكلة تبدأ حين يتحول البحث عن التجربة الى البحث عن الجرعة .. هناك مسافة قصيرة احيانا بين حب التجربة وحب الجرعة … الاول يبحث عن الجديد .. والثاني يبحث عن الاحساس .. وهنا يدخل الادمان .
الكحول او المخدر ليس مجرد مادة . انه عند بعض الناس طريقة لتغيير الحالة الداخلية . وهذه نقطة نفسية شديدة الاهمية .. فالفنان قد يعيش مشاعر مكثفة اكثر مما يستطيع احتماله : قلق ، وحدة ، حساسية ، غضب ، فرح ، خوف من الفشل ، صراع مع الذات ، او شعور دائم بعدم الاكتفاء . وقد تصبح المادة وسيلة سريعة لتغيير هذا العالم الداخلي . وهذا ما يسمى في علم النفس والادمان ( التنظيم الانفعالي بواسطة المادة ) . بدلا من ان يتعامل الانسان مع القلق ، يخفضه .. بدلا من ان يحتمل الوحدة ، يخدرها .. بدلا من ان يواجه الفراغ ، يملؤه .. وبدلا من ان يعيش مشاعره بكل ثقلها ، يطفئها مؤقتا .
وقد وجدت دراسة نوعية شملت 72 فنانا ان بعض المشاركين وصفوا استخدام الكحول او الحشيش بأنه وسيلة لتسهيل حالات نفسية يرونها مرتبطة بالعملية الابداعية ، مثل الاسترخاء او تغيير الحالة الشعورية ، بينما اصبح الاستخدام عند بعضهم جزءا من الحياة اليومية نفسها . وهنا تقع الكارثة … ما بدأ كوسيلة للخلق قد يتحول الى شرط للخلق . ثم ما كان شرطا للخلق يصبح شرطا للحياة .
ثم تصبح الحياة نفسها بلا المادة المخدرة شيئا ثقيلا . وهكذا يولد الادمان … الفنان لا يبحث دائما عن السعادة … احيانا يبحث عن الشدة
هذه ربما واحدة من اكثر النقاط اثارة .. بعض الناس يبحثون عن الراحة .. وبعض الشخصيات تبحث عن الشدة .
تريد ان تشعر اكثر .. ان تحب اكثر .. ان تكره اكثر .. ان تعيش اكثر .. ان تجرب اكثر . وهذه النفس لا تحب الحياة الرمادية . والمخدر او الخمر او العلاقات المتعددة قد تمنح صاحبها ، ولو بصورة مؤقتة ، ذلك الشعور بالكثافة . لكن هناك فرق كبير بين ان يكون الانسان عاشقا للحياة وبين ان يصبح اسيرا للاثارة .
في الحالة الاولى ، يصنع الفنان لوحة .. في الثانية ، قد يبدأ في صناعة الفوضى حوله .
وماذا عن العلاقات المحرمة ؟
هنا ينبغي ان نكون اكثر حذرا . ليس كل تعدد للعلاقات مرضا ، وليس كل علاقة خارج المألوف دليلا على اضطراب نفسي . لكن بعض العلاقات المتكررة والمندفعة قد تكون جزءا من النمط نفسه الذي يجعل الانسان يبحث باستمرار عن الجدة والاثارة والتأكيد الخارجي للذات … الجسد هنا قد يتحول الى مادة اخرى للبحث عن الشعور . كما تتحول الالوان الى مادة للفنان ، والصوت الى مادة للموسيقي ، والاداء الى مادة للممثل .. وهنا تظهر صلة نفسية محتملة بين البحث عن الجديد ، والاندفاع ، والحاجة الى التقدير ، وبين السلوك الجنسي القهري عند بعض الاشخاص . ولا يعني هذا ان الفنان شهواني بطبيعته .. بل يعني ان بعض الشخصيات التي تدخل عالم الفن قد تكون لديها اصلا قابلية مرتفعة للمخاطرة والتجربة والبحث عن الاثارة ، وهذه القابلية يمكن ان تظهر في اكثر من مجال . و هنا نصل الى كلمة خطيرة : ( النرجسية ) … الفنان يحتاج الى شيء لا يستطيع الانسان العادي ان يعيش عليه طويلا : ان يقول للعالم انظروا الي . الرسام يضع لوحة ويقول : انظروا الى ما صنعت .. الممثل يقول : انظروا الي وانا اتقمص هذه الشخصية . المغني يقول : اسمعوا صوتي . وهذا ليس مرضا .. انه جزء من طبيعة العمل الفني . لكن الحاجة الطبيعية الى الاعتراف قد تتحول عند بعض الشخصيات الى حاجة مرضية الى الاعجاب . وهنا قد يصبح المعجبون مصدرا دائما للشعور بالقيمة .
كل علاقة جديدة تقول للفنان : ما زلت مرغوبا .. كل حفلة تقول : ما زلت مهما .. كل اعجاب يقول : انت لست عاديا . وهكذا قد لا يكون البحث عن العلاقات بحثا عن الجنس وحده ، بل بحثا عن اثبات الذات . وهذه نقطة مهمة جدا .. بعض الناس لا يريد المرأة بقدر ما يريد الشعور الذي تمنحه له المرأة .. ولا يريد المخدر بقدر ما يريد الهروب الذي يمنحه المخدر .. ولا يريد الشهرة بقدر ما يريد ان يشعر انه مهم . وهنا
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_
