الأربعاء. أغسطس 26th, 2026
helicopter on display at aerospace exhibitionPhoto by Aseem Borkar on <a href="https://www.pexels.com/photo/helicopter-on-display-at-aerospace-exhibition-31351478/" rel="nofollow">Pexels.com</a>
0 0
Read Time:12 Minute, 51 Second

 الدكتورة سماء سليمان

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_لم تعد القوة العسكرية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين تُبنى داخل مؤسسات الدولة ومصانعها وحدها، كما لم تعد الحرب تُدار من داخل وزارة الدفاع الأمريكية بمعزل عن القطاع الخاص. فقد تطور في الولايات المتحدة نموذج بالغ التعقيد تتداخل داخله الدولة مع شركات الصناعات الدفاعية، ومراكز الأبحاث، وشركات التكنولوجيا، وسلاسل التوريد، والمؤسسات الاستثمارية، بحيث أصبحت القدرة على إنتاج السلاح وتطوير التكنولوجيا العسكرية جزءًا أصيلًا من مفهوم القوة الاستراتيجية الأمريكية.

في هذا النموذج، تحتفظ الدولة بقرار الحرب، وتحديد الاحتياجات العسكرية، وتوفير التمويل، بينما يمتلك القطاع الخاص جزءًا كبيرًا من القدرات الصناعية والتكنولوجية التي تجعل تنفيذ هذه القرارات ممكنًا. ومن ثم لم تعد العلاقة بين الدولة والشركات الدفاعية مجرد علاقة تعاقدية تقليدية بين حكومة ومورد، وإنما أصبحت علاقة أكثر عمقًا، يرتبط فيها الأمن القومي الأمريكي بقدرة الشركات الخاصة على الإنتاج والتطوير والتوسع والاستجابة السريعة للمتطلبات العسكرية.

وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة عند النظر إلى الحرب الأمريكية ضد إيران التي بدأت في 28 فبراير 2026. فقد كشفت العمليات العسكرية منذ بدايتها أن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بعدد الطائرات والسفن والصواريخ الموجودة في المخازن، وإنما بقدرة الدولة على تعويض ما تستهلكه من أسلحة، وتحويل الاقتصاد الصناعي، عند الضرورة، إلى مستويات أعلى من الإنتاج العسكري. ومن هنا تصبح العقود التي أبرمتها الإدارة الأمريكية مع شركات الصناعات الدفاعية خلال الحرب وبعدها مؤشرًا مهمًا لفهم طبيعة الاستعدادات الأمريكية للمرحلة المقبلة، وربما لفهم الطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى احتمالات استمرار الصراع في الشرق الأوسط أو تجدده.

الدولة والقطاع الخاص: من يملك القوة العسكرية؟

لا تعتمد الولايات المتحدة في إنتاج أسلحتها على مؤسسات الدولة وحدها. فشركات مثل Lockheed Martin وRTX، المالكة لشركة Raytheon، وNorthrop Grumman وGeneral Dynamics وBoeing تمثل أعمدة رئيسية في القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية. وهي شركات خاصة، وليست مؤسسات حكومية، لكنها ترتبط بعقود ضخمة وطويلة الأجل مع وزارة الدفاع الأمريكية. وتشير بيانات العقود الدفاعية إلى أن خمس شركات فقط، هي Lockheed Martin وRTX وBoeing وGeneral Dynamics وNorthrop Grumman، حصلت خلال الفترة من 2020 إلى 2024 على نحو 771 مليار دولار من عقود وزارة الدفاع، من إجمالي يقارب 2.4 تريليون دولار حصلت عليها الشركات الخاصة.

لكن اختزال هذه العلاقة بالقول إن شركات السلاح “تابعة للدولة” سيكون تبسيطًا غير دقيق. فهذه الشركات شركات مساهمة خاصة، وتملك أسهمها ملايين المستثمرين والمؤسسات الاستثمارية وصناديق التقاعد وغيرها. غير أن خصوصيتها تنبع من طبيعة العميل الرئيسي لمنتجاتها؛ فالحكومة الأمريكية هي، في حالات كثيرة، أكبر مشترٍ لما تنتجه هذه الشركات.

وهنا تختلف العلاقة جذريًا عن العلاقة بين الحكومة وشركة تنتج السيارات أو الهواتف أو السلع الاستهلاكية. فالدولة تحدد احتياجاتها العسكرية، ويعتمد الكونغرس التمويل، وتبرم وزارة الدفاع العقود، ثم تتولى الشركات تصميم السلاح أو إنتاجه أو تطوير خطوط إنتاج جديدة لتلبية الطلب. وبذلك تتشكل سلسلة واضحة: قرار سياسي وعسكري، ثم تمويل، ثم تعاقد، ثم إنتاج. هذه السلسلة تجعل الشركة الخاصة جزءًا من القدرة العسكرية للدولة، حتى وإن ظلت ملكية المصنع والكيان القانوني خارج القطاع الحكومي. ومع ذلك، لا تتخلى الولايات المتحدة عن قدراتها الحكومية المباشرة في مجال الإنتاج الدفاعي. فهي تمتلك ترسانات ومنشآت صناعية عسكرية، وبعضها تديره الحكومة بصورة مباشرة، بينما يعمل بعضها وفق نموذج “Government-Owned, Contractor-Operated”، أي أن المنشأة تكون مملوكة للحكومة، في حين تتولى شركة خاصة تشغيلها. ويعكس هذا النموذج إدراكًا أمريكيًا بأن بعض القدرات الصناعية لا يمكن تركها بالكامل لقواعد السوق، لأنها ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي وبالقدرة على خوض حرب طويلة.

الحرب الحديثة واختبار القدرة على التعويض

أظهرت الحرب مع إيران بصورة أكثر وضوحًا أن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة العسكرية المستدامة. فقد بدأت عملية “Epic Fury” باستخدام مجموعة واسعة من القدرات الأمريكية، شملت القاذفات والطائرات المقاتلة والسفن والغواصات وصواريخ Tomahawk وPrSM، إلى جانب منظومات الدفاع الجوي والصاروخي مثل Patriot وTHAAD، فضلًا عن قدرات الاستطلاع والحرب الإلكترونية والطائرات المسيرة. وفي شهر أبريل2026 ، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أن قواتها نفذت أكثر من 10,200 طلعة جوية وضربت أكثر من 13 ألف هدف. لكن الأرقام العملياتية لا تكشف وحدها حجم التحدي الذي واجهته واشنطن. فالحروب الحديثة تستهلك كميات ضخمة من الذخائر الدقيقة، وخاصة الصواريخ، بينما تحتاج عملية إعادة بناء المخزونات إلى وقت طويل إذا ظل الإنتاج عند معدلات زمن السلم.

وقدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS أن الولايات المتحدة استهلكت خلال الأسابيع الأولى من الحرب أعدادًا كبيرة من صواريخ Tomahawk وJASSM وPrSM، إلى جانب صواريخ الدفاع الجوي والصاروخي SM-3 وSM-6 وTHAAD وPatriot. ووفق تقديرات المركز، كان المخزون الأمريكي قبل الحرب يضم نحو 3,100 صاروخ Tomahawk، بينما تجاوز الاستهلاك ألف صاروخ، فضلًا عن استهلاك أعداد كبيرة من صواريخ JASSM وPatriot وTHAAD وغيرها.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية: لا يمكن زيادة إنتاج الصواريخ بقرار إداري فحسب.

إن رفع الإنتاج يتطلب توسيع المصانع، وزيادة أعداد العمالة، وشراء معدات وآلات جديدة، وتأمين المواد الخام، وتوسيع قدرات الموردين، وزيادة إنتاج المحركات وأنظمة التوجيه والإلكترونيات، ثم إخضاع المنتجات للاختبارات والحصول على الاعتماد اللازم.ومن ثم فإن القدرة على إنتاج السلاح بعد استهلاكه أصبحت في حد ذاتها عنصرًا من عناصر القوة العسكرية.

عندما يتحول المصنع إلى جزء من الاستراتيجية العسكرية

بدأت الإدارة الأمريكية، مع تصاعد الحرب، في التعامل مع شركات الدفاع باعتبارها جزءًا مباشرًا من المجهود الحربي. عقد الرئيس دونالد ترامب اجتماعًا مع رؤساء عدد من شركات الدفاع الكبرى في السادس من شهر مارس 2026، ، بينها RTX وLockheed Martin وBoeing وNorthrop Grumman وL3Harris وHoneywell. وأعلنت الإدارة أن الشركات ستعمل على رفع إنتاج الذخائر الدقيقة إلى أربعة أضعاف، مع تركيز خاص على الصواريخ الاعتراضية.

أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في 25 مارس، اتفاقات مع BAE Systems وLockheed Martin و Honeywellلتوسيع إنتاج مكونات وأنظمة أساسية، بما في ذلك زيادة القدرة على إنتاج باحثات صواريخ THAAD، وتسريع إنتاج Precision Strike Missile، وزيادة إنتاج عدد من المكونات الحيوية للذخائر. أعلنت Honeywell استثمارًا متعدد السنوات يقدر بنحو 500 مليون دولار لزيادة القدرة الإنتاجية لبعض المكونات.

ويكتسب ملف THAAD أهمية خاصة في هذا السياق، لأن الحرب مع إيران أظهرت حجم الضغط الذي يمكن أن تتعرض له منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية. حصلت Lockheed Martin  في يونيو2026، على عقد متعدد السنوات تصل قيمته إلى 35.327 مليار دولار لإنتاج صواريخ THAAD خلال الفترة الممتدة حتى عام 2032، في خطوة تستهدف زيادة القدرة الإنتاجية بصورة كبيرة.

لكن المثال الأكثر دلالة ربما يتمثل في صاروخ Tomahawk

قدرت CSIS أن الولايات المتحدة استخدمت أكثر من ألف صاروخ من هذا النوع خلال الحرب. وبعد أشهر، أعلنت البحرية الأمريكية في 17 أغسطس 2026 عقدًا مع Raytheon بقيمة 22.9 مليار دولار ولمدة سبع سنوات، بهدف رفع الإنتاج من نحو 60 صاروخًا سنويًا إلى أكثر من ألف صاروخ سنويًا. وهذا الرقم لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد عملية تعويض لمخزون استُهلك في حرب واحدة.

إن الانتقال من إنتاج عشرات الصواريخ سنويًا إلى أكثر من ألف صاروخ يعني بناء قدرة صناعية جديدة، وليس فقط شراء كمية إضافية من الأسلحة. إنه استثمار في القدرة على الإنتاج المستمر، بما يسمح بإعادة بناء المخزونات بسرعة أكبر في حال نشوب صراع جديد أو اندلاع أكثر من أزمة في الوقت نفسه. وهنا تكمن الدلالة الاستراتيجية الحقيقية.

هل تستعد واشنطن لحرب جديدة؟

يطرح هذا التطور سؤالًا سياسيًا مهمًا: هل تعني هذه العقود أن الإدارة الأمريكية تتوقع استمرار الحرب مع إيران؟ الإجابة تحتاج إلى قدر من التحفظ. إن زيادة الإنتاج العسكري لا تعني بالضرورة أن واشنطن قررت مواصلة الحرب. فالولايات المتحدة لا تخطط لإيران وحدها، وإنما تنظر في الوقت نفسه إلى روسيا والصين وكوريا الشمالية، وتلتزم بتوفير احتياجات إسرائيل وأوكرانيا وحلفائها في مناطق مختلفة من العالم.ومن ثم يمكن تفسير جزء كبير من هذه العقود باعتباره محاولة لإعادة بناء المخزون الأمريكي بعد الاستهلاك الكبير الذي شهدته حرب إيران، وليس بالضرورة استعدادًا لحرب جديدة معها. لكن قراءة الأرقام مجتمعة تقدم إشارة أكثر عمقًا.

عقود تمتد حتى 2032 و2033، وتوسيع إنتاج   THAAD، ورفع إنتاج Tomahawk إلى أكثر من ألف صاروخ سنويًا، وتسريع إنتاج Patriot وPrSM، والاستثمارات الكبيرة في سلاسل توريد الذخائر، كلها تشير إلى أن واشنطن لا تبني استراتيجيتها الدفاعية على افتراض أن مرحلة الصراعات العسكرية الكبرى قد انتهت.بل على العكس، يبدو أن الولايات المتحدة تستعد لبيئة أمنية أكثر اضطرابًا، تتسم باحتمال اندلاع صراعات متزامنة أو متعاقبة، وتحتاج فيها الدولة إلى امتلاك القدرة على تعويض استهلاكها العسكري بسرعة. وتزداد دلالة ذلك عند النظر إلى حجم الإنفاق الدفاعي الأمريكي، إذ طلبت إدارة ترامب لميزانية عام 2027 نحو 1.5 تريليون دولار من الموارد الدفاعية، بزيادة كبيرة عن المستويات السابقة، مع تخصيص موارد ضخمة للذخائر ولتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية.

القوة الأمريكية ليست في السلاح فقط… بل في القدرة على إعادة إنتاجه

تكشف هذه التطورات إحدى أهم خصائص النموذج الأمريكي. فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى امتلاك كل مصانع السلاح بصورة مباشرة حتى تتمكن من زيادة إنتاجه. يكفيها أن تزيد الطلب، وتوفر التمويل، وتبرم عقودًا طويلة الأجل، وتستخدم أدواتها القانونية والمالية لمنح الأولوية للطلبات الدفاعية، وتساعد الشركات على توسيع المصانع وسلاسل التوريد. وبذلك يتحول القطاع الخاص إلى امتداد صناعي للقوة العسكرية الأمريكية. لكن هذا النموذج يطرح في الوقت نفسه إشكالية سياسية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها.

تحقق شركات الصناعات الدفاعية إيرادات وأرباحًا من العقود العسكرية، والمصانع والمنشآت الدفاعية توفر فرص عمل في ولايات ومناطق مختلفة، والمستثمرون يستفيدون من نمو الشركات، بينما تحقق الولايات والنواب فوائد اقتصادية وسياسية من وجود المنشآت الدفاعية داخل دوائرهم الانتخابية. ومن ثم ينشأ حول الإنفاق الدفاعي ما يشبه شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والسياسية.

ولا يعني ذلك أن شركات السلاح هي التي تقرر الحرب، أو أنها تستطيع إصدار الأوامر العسكرية للرئيس أو وزارة الدفاع. فالقرار السياسي والعسكري يظل من اختصاص مؤسسات الدولة. لكن وجود قطاع صناعي ضخم يعتمد بدرجة كبيرة على العقود الدفاعية يجعل استمرار الإنفاق العسكري أقل تكلفة سياسيًا في بعض الأحيان، كما يخلق جماعات ضغط وشبكات مصالح قادرة على التأثير في النقاش العام والكونغرس وصنع السياسات.

من تصنيع السلاح إلى امتلاك البنية التحتية للحرب

وتأخذ هذه المسألة بعدًا أكثر تعقيدًا عندما ننتقل من شركات تصنيع الأسلحة إلى شركات التكنولوجيا. وهنا تكتسب الواقعة المرتبطة بإيلون ماسك وStarlink، والتي أوردتها صحيفة Los Angeles Times، أهمية خاصة. فبحسب الرواية التي نقلتها الصحيفة عن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أُبلغ زيلينسكي بأن Elon Musk وافق على توسيع استخدام Starlink لدعم عمليات أوكرانية بعيدة المدى داخل روسيا، فنقل هذه المعلومة إلى ترامب، قبل أن يتضح من التواصل المباشر مع ماسك أنه لم يمنح هذه الموافقة. ووفق الرواية نفسها، واجه ترامب زيلينسكي لاحقًا بشأن المعلومات التي نقلها إليه. لكن أهمية هذه الواقعة تتجاوز الخلاف السياسي أو الإحراج الدبلوماسي. إنها تكشف ظاهرة استراتيجية جديدة: بعض القدرات التي أصبحت ضرورية للحرب الحديثة لم تعد مملوكة للدولة، وإنما لشركات خاصة. فـStarlink ليست دبابة ولا صاروخًا ولا طائرة، لكنها أصبحت بنية اتصالات ذات أهمية عسكرية كبيرة.

وإذا كان استخدام هذه البنية في مهمة عسكرية يمكن أن يتأثر بقرار مالك الشركة، فإننا أمام تحول جوهري في طبيعة القوة. فالقطاع الخاص لم يعد مجرد مصنع ينتج السلاح للدولة، بل أصبح في بعض الحالات مالكًا للبنية التحتية التي تعتمد عليها الجيوش نفسها.

نحو قاعدة عسكرية ــ تكنولوجية جديدة

يمكن وصف هذا التحول بمفهوم أوسع هو “القاعدة العسكرية ــ التكنولوجية الشبكية”. فالولايات المتحدة لا تعتمد اليوم فقط على شركات تصنيع الطائرات والصواريخ والدبابات، وإنما على منظومة واسعة تشمل شركات الأقمار الصناعية والاتصالات والذكاء الاصطناعي والحوسبة والإلكترونيات والبرمجيات والطاقة والمواد المتقدمة. وبذلك أصبحت الحدود بين الشركة التكنولوجية والشركة العسكرية أكثر ضبابية. وقد تكون هذه النقطة أهم تحول في طبيعة القوة العسكرية خلال العقود المقبلة؛ لأن الجيوش الحديثة لن تحتاج فقط إلى الأسلحة التقليدية، وإنما إلى شبكات الاتصالات، والبيانات، والحوسبة، والذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية، والبرمجيات، وأشباه الموصلات، والطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا أصبح القطاع الخاص الأمريكي عنصرًا من عناصر القوة الوطنية الشاملة. الدولة تملك قرار الحرب، والكونغرس يملك سلطة التمويل، والبنتاغون يحدد الاحتياجات العسكرية، لكن الشركات الخاصة تمتلك جزءًا أساسيًا من القدرة على تنفيذ هذه القرارات بسرعة وعلى نطاق واسع.

ماذا يعني ذلك بالنسبة للشرق الأوسط؟

عند إسقاط هذه الصورة على الشرق الأوسط، تصبح المسألة أكثر وضوحًا. فحتى إذا توقفت العمليات العسكرية المباشرة، ستظل الولايات المتحدة بحاجة إلى إعادة بناء مخزوناتها من الصواريخ الاعتراضية والهجومية، والاستعداد لاحتمال تجدد المواجهة مع إيران، وفي الوقت نفسه المحافظة على قدراتها لمواجهة أزمات أخرى في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

وهذا يعني أن انتهاء جولة عسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء سباق الإنتاج العسكري الذي نتج عنها. فالحرب تستهلك السلاح بسرعة، بينما يحتاج المصنع إلى سنوات لبناء القدرة على إنتاجه بكميات كبيرة. ولهذا قد تكون عقود ما بعد الحرب، في بعض الأحيان، أكثر دلالة من العقود التي أُبرمت أثناء العمليات؛ لأنها تكشف كيف تنظر الدولة إلى المستقبل، وما السيناريوهات التي تستعد لها. وعند قراءة عقود Tomahawk وTHAAD وPatriot، والاستثمارات في سلاسل توريد الذخائر، والزيادة الكبيرة في طلبات الميزانية الدفاعية، يمكن الوصول إلى استنتاج أكثر تحفظًا: واشنطن تستعد لعصر من الصراعات المتكررة والممتدة، وليس لعودة سريعة إلى بيئة استراتيجية مستقرة.

وهذا لا يثبت أن الإدارة الأمريكية تريد حربًا دائمة مع إيران، لكنه يثبت أنها لا تريد أن تجد نفسها مرة أخرى أمام وضع تستنزف فيه مخزوناتها بسرعة أكبر من قدرة مصانعها على التعويض. ومن هنا يصبح ما يجري داخل المصانع الأمريكية جزءًا من الاستراتيجية العسكرية ذاتها.

مستقبل الحروب: من الجيوش إلى المنظومات

إن التحول الجاري لا يتعلق بالولايات المتحدة وحدها، وإنما يحمل دلالات أوسع على مستقبل الحروب في العالم. فالحرب المقبلة لن تكون فقط مواجهة بين جيشين، وإنما مواجهة بين منظومات إنتاج وتكنولوجيا وبيانات وطاقة واتصالات وسلاسل إمداد. قد تكون الطائرة أو الصاروخ هي الأداة التي تظهر في المشهد، لكن خلفها توجد شبكة هائلة من الشركات والمصانع والموردين والمبرمجين ومراكز الأبحاث والمستثمرين. ومن ثم فإن قدرة الدولة على خوض حرب طويلة ستعتمد بصورة متزايدة على قدرتها على تعبئة اقتصادها التكنولوجي والصناعي، وليس فقط على حجم قواتها المسلحة. وهذا يطرح سؤالًا جديدًا حول مفهوم السيادة العسكرية: إذا كانت الدولة تعتمد في اتصالاتها أو أقمارها الصناعية أو قدراتها الحاسوبية أو أنظمة الذكاء الاصطناعي على شركات خاصة، فإلى أي مدى تستطيع الدولة أن تضمن أن القرار العسكري النهائي يظل حكوميًا بالكامل؟ هذه ليست مسألة أمريكية فقط. إنها مسألة ستواجهها دول كثيرة مع اتساع الدور الذي تلعبه الشركات التكنولوجية في المجال الأمني والعسكري.

الخلاصة

من يملك القدرة على مواصلة الحرب؟

إن جوهر القوة العسكرية الأمريكية لا يكمن فقط في امتلاك واحدة من أكبر الترسانات العسكرية في العالم، وإنما في القدرة على إعادة إنتاج هذه الترسانة. وهذه هي الميزة التي يمنحها القطاع الخاص للولايات المتحدة.فالدولة لا تمتلك كل المصانع، لكنها تستطيع تعبئة رأس المال والتكنولوجيا والعمالة وسلاسل التوريد خلف قرار استراتيجي واحد. وبذلك تصبح القدرة الصناعية الخاصة جزءًا من القوة العسكرية للدولة، حتى دون أن تتحول الشركات نفسها إلى مؤسسات حكومية.ولهذا فإن قراءة السياسة الأمريكية تجاه إيران من خلال تصريحات البيت الأبيض وحدها قد تكون مضللة. أما قراءة العقود الصناعية، وحجم الإنتاج المطلوب، ومدد العقود، والاستثمارات في المصانع، ومعدلات استهلاك الصواريخ، وحجم الإنفاق الدفاعي، فإنها تقدم صورة أعمق عن حسابات واشنطن.

قد تتحدث السياسة عن التهدئة، وقد تتحدث الدبلوماسية عن التفاوض، لكن عندما تنفق الولايات المتحدة عشرات المليارات لإعادة بناء مخزوناتها، وتعمل على مضاعفة إنتاج منظومات دفاعية وهجومية، وتنتقل في حالة Tomahawk من إنتاج عشرات الصواريخ سنويًا إلى أكثر من ألف، فإن الرسالة الاستراتيجية الأوضح هي أن واشنطن تريد أن تكون مستعدة لحرب طويلة، أو لحرب جديدة، أو لسلسلة من الصراعات المتزامنة.

وبذلك لم يعد القطاع الخاص مجرد مقاول ينفذ أوامر الدولة، بل أصبح أحد الأعمدة التي تقوم عليها القدرة العسكرية الأمريكية. الدولة تحدد الحرب، والكونغرس يمولها، والبنتاغون يخطط لها، لكن المصانع والشركات الخاصة تمنح الولايات المتحدة القدرة على مواصلة الحرب عندما تبدأ مخازن السلاح في الانخفاض.

وهنا تكمن إحدى أهم حقائق القوة الأمريكية المعاصرة:

قد يكون قرار الحرب حكوميًا، لكن القدرة على الاستمرار فيها أصبحت موزعة بين الدولة والقطاع الخاص والتكنولوجيا ورأس المال وسلاسل الإنتاج العالمية.

وهذا التحول لا يغير فقط طبيعة القوة الأمريكية، بل يعيد تعريف الحرب نفسها؛ فالحروب المستقبلية لن تُحسم فقط في ساحات القتال، وإنما أيضًا في المصانع، ومراكز البيانات، وشبكات الأقمار الصناعية، وسلاسل التوريد، وأسواق رأس المال.

ومن يملك القدرة على إنتاج القوة العسكرية وإعادة إنتاجها بسرعة، قد يمتلك في النهاية القدرة الأكبر على تحديد شكل النظام الدولي الذي ستدور فيه حروب القرن الحادي والعشرين.

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code