د. صلاح الشاردة ((ليبيا ))
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_عندما زرت قصر الحمراء ، لم أكن أدخله كسائح فقط . كنت أدخله كفنان تشكيلي ، و استاذ جامعي يدرس ويبحث في تاريخ الفن ، وخاصة الاسلامي . غير أني كنت محملا بتاريخ حفظناه في المدارس ، وعرفناه في الكتب ، وتخيلناه في الأفلام … دخلت وأنا أعرف غرناطة ، وبني الأحمر ، وعبد الله الصغير ، وطارق بن زياد ، وموسى بن نصير ، وخرجت وأنا أعرف أنني لا أعرف شيئا تقريبا .
ليس لأن تاريخ الأندلس كله كذبة ، بل لأن الحكاية التي رويت لنا عنه كانت أبسط من التاريخ ، وأكثر رومانسية منه ، وأحيانا أكثر كذبا … قيل لنا إن الأندلس دخلها الإسلام في قصة واضحة : طارق بن زياد يعبر البحر ، يحرق السفن ، يخطب في جيشه ، يهزم القوط ، ثم يلحق به موسى بن نصير ، وبعد قرون يخرج آخر ملوك المسلمين من غرناطة باكيا وهو يلتفت إلى المدينة .
قصة كاملة تصلح للرواية .. لكن التاريخ ، للأسف ، لا يحب القصص الكاملة … نعم ، هناك فتح والبعض يراه إحتلال وقع في سنة 711 ميلادية ، أو 92 هجرية . ولا يوجد سبب علمي لإنكار الحدث نفسه . . فقد وصلتنا أخبار عنه من تقاليد تاريخية متعددة ، عربية ولاتينية ، وإن كانت المصادر العربية المبكرة التي بين أيدينا متأخرة عن الحدث بنحو قرن ونصف . وأقدم رواية عربية مهمة هي رواية ابن عبد الحكم ، المتوفى سنة 871 ، ثم جاءت روايات البلاذري وابن حبيب ومصادر أندلسية لاحقة ، وكلها تروي الحدث من زوايا مختلفة .
لكن المشكلة تبدأ من التفاصيل .. فالروايات لا تتفق على أصل طارق بن زياد . هل كان عربيا ؟ أم أمازيغيا ؟ أم من الموالي ؟ هل كان اسمه طارق بن زياد فقط ، أم طارق بن زياد بن عبد الله ؟ وما القبيلة التي ينتمي إليها ؟ ولماذا تضطرب الروايات حول نسب الرجل الذي ينسب إليه واحد من أعظم أحداث التاريخ الإسلامي ؟ .. المصادر لا تعطينا الجواب نفسه .
وهذا لا يعني أن طارق شخصية وهمية ، بل يعني أن التاريخ فقد كثيرا من صورته الحقيقية ، ثم جاء الرواة فملأوا الفراغ .
الأمر نفسه يتعلق بموسى بن نصير .نحن نعرف أنه كان شخصية تاريخية كبرى ، وواليا أمويا على إفريقية ، وأن دخوله الأندلس ارتبط بالحملة التي بدأت في سنة 711 . لكن قصة الخصام الشهيرة بينه وبين طارق ، واستدعائهما إلى دمشق ، وما يروى عن نهايتهما المأساوية الغامضة في حواري دمشق ، ليست بهذه البساطة التي تقدمها كتب الحكايات . بعض الروايات التاريخية نفسها تنقل أن موسى غضب من توسع طارق ، وبعضها يجعل بينهما حسدا وصراعا ، لكننا نقرأ هذه الأخبار في مصادر كتبت بعد الحدث ، وبدرجات مختلفة من الموثوقية . أما السفن التي أحرقها طارق بن زياد ، فالقصة التي أصبحت أشهر من طارق نفسه لا نجد لها ذكرا موثوقا في المصادر المبكرة التي تؤرخ للفتح . . والخطبة الشهيرة : البحر من ورائكم والعدو أمامكم ، هي أيضا جزء من الذاكرة الأدبية التي صنعت صورة البطل ، أكثر من كونها وثيقة عسكرية سجلها شاهد عيان … لقد كان التاريخ أقل شاعرية من كتب المدرسة .
ثم نصل إلى لغة الأندلس .. و هنا أيضا ، خدعتنا الكتب .. حين نقرأ ابن زيدون ، وابن حزم ، ولسان الدين بن الخطيب ، وابن خلدون ، نتخيل أن أهل قرطبة وغرناطة وإشبيلية كانوا يمشون في الأسواق ويتحدثون بالفصحى كما نقرأها في الكتب . وهذا غير صحيح .. كانت الفصحى لغة الكتابة ، والعلم ، والفقه ، والشعر ، والرسائل الرسمية. أما الحياة اليومية فكانت تتحدث لغة أخرى : العربية الأندلسية ، وهي لهجة عربية متميزة ، عاشت في اتصال عميق مع لهجات محلية ومع لغات أمازيغية حملها القادمون من شمال إفريقيا واهمها المغرب . وتشير الدراسات اللسانية الحديثة إلى أن المجتمع الأندلسي عرف تعددا لغويا واسعا ، وأن العربية الأندلسية لم تكن الفصحى التي نقرأ بها التراث .. بمعنى آخر ، لو خرج ابن زيدون إلى السوق ، فربما لم يفهمه قارئ عربي معاصر لو سمع حديثه اليوم . مثلما يحدث اذا زار عراقي او اردني المغرب ، او تحدث المصري مع الجزائري بلهجته .
ثم نصل إلى أكبر صورة مأساوية في الرواية كلها : عبد الله الصغير .. قيل لنا إن الرجل هزم لأنه كان ضعيفا ، وإنه خان الإسلام ، وإنه سلم غرناطة ، ثم خرج باكيا ، فالتفتت إليه أمه وقالت عبارتها الشهيرة : ابك مثل النساء ملكا لم تحافظ عليه مثل الرجال .. لكن التاريخ أكثر تعقيدا .
أبو عبد الله محمد الصغير ، أو بوعبديل كما يسميه الإسبان ، لم يكن مجرد رجل استيقظ صباحا فقرر تسليم الأندلس .. كان أميرا ناصريا عاش في ظل حرب أهلية ، وصراع على العرش ، وتحالفات متبدلة مع القوى المسيحية ضد خصومه من المسلمين ، في تشابه يكاد يكون متطابقا مع ما يحدث اليوم في ليبيا ، من حرب أهلية بين قادة الشرق والغرب ، وتحالفهم مع الأجنبي ضد أبناء جلدتهم ووطنهم .
وقد تحالف بوعبديل (Boabdil) أبو عبد الله محمد الصغير في مراحل من صراعه مع خصومه ومع القوى القشتالية ، مثلما تحالف أمراء أندلسيون آخرون ، مسلمون ومسيحيون ، بعضهم مع بعض ، في عصر كانت فيه السياسة أقوى من الشعارات … وفي 2 يناير 1492 سلم مفاتيح غرناطة إلى فرديناند وإيزابيلا بعد حصار طويل وانهيار عسكري وسياسي . ثم لم يقتل في الميدان ، ولم يسق إلى السجن كما نتصور ، بل انتهى به الأمر إلى الرحيل بعد ان اطلقت سراحه ايزابيلا ، وأقام أولا في مناطق داخل شبه الجزيرة قبل أن يعبر إلى شمال إفريقيا . وتبقى تفاصيل السنوات الأخيرة من حياته موضع اختلاف بين المصادر ، وهو نفسه دليل آخر على أن التاريخ الحقيقي أقل وضوحا من الحكاية المدرسية .
أما تلك العبارة التي تنسب إلى أمه المشكوك فيها ، فقد أصبحت أشهر من آخر ملك في الأندلس نفسه ، مع أن شهرتها الأدبية لا تعني بالضرورة أن الأم قالتها بالفعل .
هكذا كانت الأندلس .. دخلت إلينا في كتب المدرسة بوجه واحد ، وخرجت منا بوجه واحد . طارق بطل لا يسأل عنه أحد .
وموسى قائد لا نشك في تفاصيل قصته . وأهل الأندلس يتحدثون بالفصحى بينهم . وعبد الله الصغير خائن يبكي .
لكن التاريخ ، حين نفتح أبوابه القديمة ، يبتسم لنا ساخرا .
لأن الأندلس لم تكن كذبة .. الكذبة هي أننا حولنا تاريخا معقدا ، كتبه المنتصرون والرواة والشعراء والسياسيون بعد الحدث ، إلى قصة واحدة لا يجوز لمسها .
زرت الحمراء وأنا أحمل تاريخا محفوظا .. وخرجت منها وأنا أتعلم أن أخطر ما يمكن أن نفعله بالتاريخ ، ليس أن نكذبه …
بل أن نصدقه دون أن نسأل من الذي كتبه .
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
