نجلاء السيد. ((مصر ))
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_أجلس هنا… في واحدة من أجمل بقاع الإسكندرية، معشوقتي المدللة، المدينة التي أشعر أنني كلما تنفست هواءها، عاد إليَّ شيء من روحي.
هنا، حيث يلتقي الماء العذب بماء البحر، في مشهدٍ بديعٍ أبدعه الخالق، يمتزج نسيم البحر برائحة اليود، فتغسل أنفاسك شيئًا من ضيق الصدر، وتمحو من روحك ضجيج الأيام.
أمام فنجان قهوة في مقهى بسيط وهادئ، كانت الأمواج تهمس، والنسيم يداعب الوجوه، وكأن الزمن نفسه قرر أن يجلس إلى جواري.
وفي اللحظة التي هممت فيها بتناول أول رشفة من قهوتي… لمحته.
كان يقف أمامي في صمتٍ مهيب.
لا يصرخ…
لا يشتكي…
لكنه كان يلوح لي، وكأنه يقول:
“لا تمر بي عابرًا… فما زلت أحمل حكايات لم تُروَ بعد.”
وقفت أمامه طويلًا…
أخذت أتأمل جدرانه المتعبة، وشرفاته الخشبية التي قاومت الزمن، وتخيلت كم عينًا مرت من هنا، وكم ضحكة سكنت هذا المكان، وكم وداعًا شهدته تلك النوافذ.
كنت أشعر أن لكل حجر فيه نبضًا، ولكل شق في جدرانه قصة، وكأن أنين السنين ما زال يتردد بين أروقته.
مددت يدي في خيالي، أنفض عنه غبار الزمن، لأراه كما كان يومًا…
شامخًا…
تملؤه الحياة، وتضيئه الألوان، وتزدحم شرفاته بالوجوه والضحكات.
أخرجت هاتفي أبحث عن حكايته…
فكلما عرفت شيئًا عنه، ازددت يقينًا أنني لا أقف أمام مبنى قديم…
بل أقف أمام صفحة من تاريخ الإسكندرية…
اسمها…
اللوكاندة الحمراء
أو كما أطلقوا عليه لاحقًا “بيت العصابة”…
ذلك الاسم الذي التصق به بعد ظهوره في عدد من الأفلام السينمائية، حتى ظن كثيرون أن هذه هي حكايته الحقيقية، وأنه لم يكن يومًا سوى وكرًا للعصابات في عالم السينما.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
فهذا المبنى لم يكن في الأصل بيتًا للعصابات، بل كان يومًا اللوكاندة الحمراء؛ فندقًا يستقبل العابرين وضيوف البحر، وشاهدًا على زمن كانت فيه الإسكندرية مدينةً تحتضن ثقافات متعددة وجاليات جاءت من شتى بقاع البحر المتوسط.
كم بحارٍ طرق بابه بعد رحلة طويلة؟
وكم غريبٍ وجد بين جدرانه مأوى قبل أن يكمل رحلته؟
وكم قصة حب، وكم لقاء، وكم وداع شهدته شرفاته المطلة على المكس؟
ثم مر الزمن…
رحل أصحابه، وتغيرت ملامح المدينة، وبقي هو واقفًا يقاوم النسيان، حتى جاءت السينما لتمنحه حياة أخرى.
فمرة كان منزلًا لزعيم عصابة…
ومرة ظهر في عالم إسماعيل ياسين…
ثم عاد بعد عقود ليقف أمام الكاميرا من جديد، وكأنه يرفض أن يغادر ذاكرة الإسكندرية.
لكنه، بالنسبة لي، لم يكن يومًا بيت العصابة…
بل كان بيت الحكايات.
وقفت أمامه طويلًا…
لم أكن أتأمل جدرانًا من حجر، بل كنت أقرأ صفحاتٍ من التاريخ، كتبتها الأيام، وأرهقها الإهمال.
اقتربت أكثر…
وضعت يدي على أحد جدرانه، وأغمضت عيني، وكأنني أحاول أن أستمع إلى ما عجزت الحجارة عن البوح به طوال سنوات.
وفجأة…
شعرت وكأن جدرانه تربت على كتفي في هدوء، ثم همس إليَّ بصوتٍ أثقله الزمن:
“لا تتركوني أنهار…
لا تتركوني أتصدع…
فأنا لست مجرد مبنى قديم، بل شاهدٌ على تاريخ مر من هنا، وعلى أناسٍ عبروا أبوابي، وضحكوا، وبكوا، ثم رحلوا.”
ثم عاد صوته يمتزج بنسيم البحر، وكأنه يروي حكايته للأمواج قبل أن يرويها لي:
“شهد لي البحر…
شهد كيف وقفت في وجه مياهه المالحة، ورياحه العاتية، وعواصفه التي لم تهدأ يومًا.
تعاقبت عليَّ الأعوام، وتبدلت الوجوه، ورحل من رحل، وجاء من جاء… أما أنا، فبقيت هنا، أحرس ذاكرة المكان، وأحمل بين جدراني قصصًا لم تكتبها الكتب.”
ساد الصمت للحظات…
ثم تنهد طويلًا، وقال بصوتٍ امتزج فيه الكبرياء بالألم:
“لا أطلب منكم أن تعيدوا إليَّ شبابي… فلكل شيء عمره.
لكن لا تدعوا حكايتي تموت، ولا تسمحوا للزمن أن يمحو اسمي.
احكوا عني… فالأماكن تموت مرتين؛ مرة حين تنهار جدرانها، ومرة حين ينساها الناس… والثانية هي الأقسى.”
رفعت رأسي أنظر إليه مرة أخرى…
لم أعد أرى مبنىً آيلًا للسقوط، بل رأيت شيخًا وقورًا يحمل على كتفيه أكثر من قرن من الذكريات، ينتظر فقط من يمنحه دقائق من الإنصات.
ابتسم ابتسامةً خافتة، وكأن الذكريات أعادته إلى أيام مجده، ثم قال:
“تعال… سأروي لك قصتي.”
“أتدري من وقف هنا يومًا؟”
هنا… عند هذا الباب، كانت الكاميرات تُنصب، وتزدحم الشوارع بالمارة الذين وقفوا يتابعون نجوم السينما وهم يصنعون تاريخًا سيبقى خالدًا على الشاشة.
هنا وقف وحش الشاشة فريد شوقي، لتولد بين جدراني مشاهد من الفيلم الخالد «رصيف نمرة 5».
وهنا دوّت ضحكات إسماعيل ياسين، وهو يصور مشاهد فيلم «إسماعيل ياسين في الأسطول»، فامتلأت أركاني بالحياة، وتعالت الضحكات في المكان.
ولم تنتهِ حكايتي عند هذا الحد…
فبعد عقود، عادت الكاميرات إليَّ مرة أخرى، لأستقبل أبطال فيلم «الهجامة»، وكأن السينما كانت ترفض أن تغلق صفحتي، أو تسمح لي أن أغيب عن ذاكرة الناس.
“لم أكن يومًا مجرد خلفية لمشهد…
كنت شاهدًا على صناعة الفن.”
شهدت عدسات الكاميرات، وأضواء التصوير، وهمسات المخرجين، وخطوات الفنانين وهم يعبرون من أمام أبوابي، ثم تصفيق فريق العمل بعد انتهاء كل مشهد.
كان الجميع يرحل مع غروب الشمس…
أما أنا، فكنت أبقى وحدي، في انتظار حكاية جديدة.
الخاتمة
أنهيت حديثي معه، ونهضت من مكاني، لكنني شعرت أنني لم أغادره… بل حملت جزءًا منه معي.
التفت إليه للمرة الأخيرة، فكان واقفًا كما عرفته منذ البداية؛ متعبًا في مظهره، شامخًا في تاريخه، صامتًا… لكنه يقول أكثر مما تقوله الكلمات.
أيقنت يومها أن المدن لا يحفظها الحجر وحده، بل يحفظها من يؤمن بحكاياتها، ويكتبها قبل أن يبتلعها النسيان.
وربما يأتي يوم تختفي فيه جدران اللوكاندة الحمراء…
لكنني أتمنى ألا تختفي حكايتها.
فبعض الأماكن لا تُقاس بقيمتها المعمارية، بل بما حملته من ذكريات، وما شهدته من تاريخ، وما تركته في قلوب من مروا بها.
وهكذا غادرت المكان…
بينما بقي صوته يتردد في داخلي:
“إذا مررت يومًا من هنا… فلا تنظر إليَّ كأطلال، بل انظر إليَّ كحكاية… ما زالت تنتظر من يرويها.” 🥹💔
📜 من ذاكرة المكان…
اللوكاندة الحمراء من أقدم المباني التاريخية في منطقة المكس غرب الإسكندرية، ويُرجح أنها شُيدت في أواخر القرن التاسع عشر لتعمل لوكاندة (فندقًا) يستقبل البحارة والمسافرين والتجار القادمين عبر البحر.
ويُرجح أن سبب تسميتها “اللوكاندة الحمراء” يعود إلى لون واجهتها الأحمر المميز، الذي جعلها معلمًا بارزًا يعرفه القادمون إلى المنطقة.
ومع خ شهرة واسعة بعد ظهورها في عدد من الأفلام المصرية، حتى عُرفت بين الناس باسم “بيت العصابة”.
التاريخ قد يشيخ… لكنه لا يموت ما دام هناك من يرويه.
سلسلة: مدينتي حكاية… لا تنتهي
انتهى الجزء الثالث
لكن… لم تنتهي الحكايات؟
ففي الإسكندرية، كل شارع يخفي سرًا، وكل حجر يحتفظ باسمٍ نسيه الناس، وكل مبنى ينتظر من يوقظه من صمته.
إلى لقاءٍ جديد…
مع حكايةٍ أخرى…
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
