حسن محمد عبداللطيف.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_..من أنبل وأطيب ما جادت به الأيام، تلك العائلة العمرانية الأصيلة التى جاورتنا فى الصوان كواحدة من الركائز الإجتماعية التى صاغت تاريخ الوفاء فى ودان الغالية.
لم تكن هذة العائلة مجرد عابرة فى تاريخ المنطقة، بل كانت امتداداً حياً لجيل البركة والنزاهة، وجزءاً لا يتجزأ من حيشان الطوب القديم التى تفوح بالبركة والمحبة، تضرب جذور هذة العائلة عميقاً فى تراب الوطن، حاملة قيم الأنفة والكبرياء، ومقدمة للمجتمع نموذجاً يحتذى به فى البذل وعلو الهمة لتظل سيرتهم الطيبة فاح ريحها بين الناس، وشاهداً حياً على منبت الخير والأصل الثابت فى الواحة النابضة بالجمال الطيبة التى سكنت بجوارنا فى حى السباخ بمنطقة الصوان والتى أنجبت ذلك الطفل الشفاف السماوي الذى تحبه ملائكة الأرض …. نشأ فى كنف أمٍّ فاضلة كانت تداوينا فى طفولتنا، من بيت طيني عريق لا يزال يفوح منه عبق الماضي الأصيل وهى المرحومة أمباركة ارحومة الربيعي، المشهورة ببراعتها فى علاج اللوزتين (قلع الكرومة) حتى غدت فى عيون أهالي الصوان أخصائية حنجرة بالفطرة والخبرة والقبول.
فى هذا الفضاء المشبع بالخير، ولد وبزغ نجم الأستاذ الفاضل جماعة بشير عمران عام 1953م، لتبدأ من أزقة ودان حكاية ممتدة من العطاء والوفاء..خلال جلستنا الممتعة معه فى منزله العامر الكائن بحي سوزاي بمدينة هون، تجلت أصالة المربي الفاضل منذ اللحظة الأولى حيث أستقبلنى بحفاوة بالغة وبشاشة وجه تعيد إلى النفس طمأنينة ذلك الزمن الجميل. وفى مجلسه الذى تفوح منه رائحة القهوة الفواحة وتمر “التغيات” الذى يمثل بداية الموسم هذا العام وكرم الضيافة العريقة، فتح لنا قلبه وصندوق ذكرياته ليستدعي ذاكرة المكان، تلمع عيناه ببريق زمن نقي ويحكي عن ودان ومنطقة السباخ قائلًا: كانت الأبواب مشرعة على الطمأنينة، لم تبن فى ذلك الزمان لموجبات الخوف أو العزلة، بل كانت معابر مفتوحة للمودة بلا أستئذان، يسترسل المربى الفاضل فى وصف تلك اللحمة الإنسانية الفريدة التى صهرت الحي فى جسد واحد، فيتذكر كيف كانوا كأطفال يركضون ويمرحون: كنا نلعب فندخل من باب بيت ونخرج من آخر، وكأن الحى بأكمله حوش واحد كبير، يضم عائلة كبرى لا تفرق بين أبنائها فى العطف أو الرعاية…. لقد احتضن هذا الحى جيراناً أوفياء، يفيضون حنية وطيبة، لم يكونوا مجرد جيرة عابرة، بل كانوا السند الحقيقي والأخوة الصادقة فى السراء والضراء. ورغم أن ظروف الحياة وحتمية التوسع العمراني قد دفعت بالكثير من العائلات للمغادرة لاحقاً صوب مشروع الحمام، حيث انتقلت أسرته كذلك للإقامة فى مشروع الحمام الزراعي عام 1977م، إلا أن أرواح هؤلاء الأخيار بقيت تحرس المكان، وظلت أسماؤهم محفورة بماء الذهب فى وجدان الأزقة الطاهرة ويلخص الأستاذ جماعة عمران هذا الارتباط الروحي الأبدي بعبارة تخرج من سويداء قلبه متسائلاً بالحرف: كيف لقلب أن ينسى أولئك الأخيار؟ مراقي العلم والرسالة التربوية: درج الفتى فى معارج العلم خطوة بخطوة، فنهل تعليمه الابتدائي والإعدادي فى مدارس ودان، قبل أن تقوده خطاه إلى مدينة هون ليقضي فيها سنته الأولى من المرحلة الثانوية عام 1970م. ولأن رسالة التعليم كانت تنداء فى عروقه، شد الرحال صوب معهد ابن غلبون للمعلمين بمصراتة لعامين كاملين، ثم شد مآزره مستكملاً مسيرته بمعهد عبدالرحمن البركولي بمدينة سبها، ليتوج رحلته عام 1975م بحمل إجازة التدريس الخاصة بشعبة الاجتماعية واللغة الإنجليزية، دخل محراب التعليم عاقداً العزم على البناء، فاستهل مشواره بمدرسة أبي الحسن الوداني الإعدادية، مستظلاً بإدارة المربى الراحل الأستاذ حسن الحلو، رحمه الله. ثم دارت به عجلة التنقلات ليحط رحاله فى مدرسة الصوان الإعدادية مديراً لدفة مادة اللغة الإنجليزية فى عهد الأستاذ الراحل محمد عابور، قبل أن يتفرغ عام 1978م ولم يقف طموحه عند حد، فواصل معاركه العلمية بالتحاقِ بكلية التربية فى جامعة سبها، منتزعاً ليسانس اللغة الإنجليزية بكفاح مشهود، نقل بعدها ليفيض بعلمه فى مدرسة سوكنة الثانوية لعشر سنوات كاملة من البذل، حتى جاء عام 1993م ليتوج مساره المهني بتعيينه فى وحدة التفتيش التربوي لجميع مدارس منطقة الجفرة، وظل حارساً على جودة التعليم، أميناً على الأجيال، حتى ترجل عن صهوة الوظيفة ببلوغه سن التقاعد عام 2018م.
كان الأستاذ جماعة، قامة علمية مهيبة تفرض احترامها؛ مدرساً جاداً، يشرح درسه بصرامة حانية لا غاية لها إلا مصلحة الطالب. عرف بين زملائه وتلاميذه بأنه نظيف اليد والهندام والأخلاق، ومتواضعٌ لأبعد الحدود، كان تفانيه فى التدريس يضرب به المثل، فما كان يمل من إعادة الشرح وإعداد الدرس مرة وثانية وثالثة، بروح صبورة لا تهدأ حتى تطمئن أن المعلومة قد أضاءت عقول تلاميذه ولأجل هذا الصدق، تخرجت على يديه أجيال متعاقبة تقود اليوم مؤسسات البلاد بعلم غرس بذوره الأستاذ جماعة.
حينما دنت ساعة التقاعد عام 2018م لم تكن المكافأة على حجم ذلك التاريخ الحافل؛ إذ اصطدم الأستاذ جماعة بواقع تقاعدي مجحف يحمل معاشاً ضئيلاً لا يتجاوز 900 دينار، وهو مبلغ فى ظل تدهور العملة والأرتفاع الجنوني للأسعار بات لا يساوي فى قيمته الشرائية الفعلية حتى 90 ديناراً. لكن هامات المربين لا تنحني؛ فلم يركن للشكوى، بل عاد ليتولى مصير أسرته بشرف وكبرياء، متجهاً نحو الأرض والزراعة ليعول بيته من كد يده وعرق جبينه، مستمداً من التراب قيم الصبر والثبات، ومبرهناً أن عطاءه دائم كشجر النخيل لا ينقطع.
… هذا الكفاح تكلل بـغرس طيب وتربية حسنة أثمرت في بيته سبعة من الأبناء خمس بنات وولدان، ساروا على دربه ونالوا شهادات علمية متقدمة فى مجالات النفط، والتقنية الطبية، واللغة الإنجليزية التى ورثوا أسرارها من أبيهم. لقد رفعوا رأس والدهم عالياً بأخلاقهم وسيرتهم الحسنة التى تفوح طيباً بين الناس. رغم تعاقب السنين، يظل الحنين لمسقط الرأس نابضاً فى قلب الأستاذ جماعة؛ فكلما زار ودان، اهتزت روحه طرباً لذكراها واستحضر جيرانها الطيبين وسنوات الطفولة الشقية. لا يزال يرى بعين قلبه ملعب كرة القدم الترابي القديم الكائن بجوار بيوت آل وهاب، ويعيش تفاصيل ذكرياته العذبة مع رفاق صباه: محمد عبدالرحمن عبدالدائم، سعد الله عبدالله عقيل، حسن ميروان، الريفى محمد عبداللطيف، وبن عيسى بن صالح والراحلين الذين تركوا غصة فى القلب: صديق فرانى، عثمان رفه، أحمد رفه، جمعة عبدالله أمبارك والحكم أحمد بشير جبريل.تلك الأيام كانت تزهو أيضاً بالثقافة؛ فقد كان من رواد المركز الثقافي بالصوان، وما زال يذكر الكتب المرصوصة بعناية متسائلاً بشجن: أين ذهبت الآن؟ وبطاقات الإعارة، وقفشات الراحلين زيدان بن محمد وعبدالله سلعوم. كما لا يغيب عن ناظره مشهد سيارة السينما المتجولة اللاندروفر وهى تسكب الضوء والأفلام على حائط منزل عمه الفقي حمد، تحت ليل ودان الساحر.
إن مسيرة الأستاذ جماعة، ليست مجرد سيرة وظيفية عابرة، بل هى سفر حافل من التضحية والصمود، يختزل تاريخ جيل البركة الطاهر الذى أعطى لوطنه ومدينته ودان زهرة العمر والجهد دون أن ينتظر مقابلاً. وإذا كانت القوانين قد أحالته إلى التقاعد، فإن قلوب الآلاف من طلابه وأهل منطقته لا تزال تحيله كل يوم إلى مقام الإجلال والتقدير، فسلام على السنين التى قضاها بين الطباشير والكتب، وسلام على عرق جبينه وهو يسقي أرضه، وحفظ الله الأستاذ جماعة وعائلته الكريمة.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
