الجمعة. أغسطس 21st, 2026
0 0
Read Time:9 Minute, 48 Second

صفوح صادق – كاتب فلسطيني

الفصل الأول

—————  

العتبة:

في أعلى التلّة، حيث ينحني المرج على نفسه كأنّه يقبّل التراب، كانت فاطمة تعيش.

ليست مجرد امرأة تجلس أمام باب دارها، بل كانت ظلًّا دافئًا يمشي بين الكنيستين والجامع، يحمل رائحة القهوة المرة والزعتر البري. كانت تفرش ساقيها على العتبة الحجرية كل مساء، وتحكي للأطفال حكاياتٍ تأتي من الريح نفسها. الأطفال يتحلّقون حولها بعيون واسعة، ينتظرون أن تصل الأغنية إلى نهايتها، لكنها كانت دائمًا تترك الجملة الأخيرة معلّقة في الهواء، فينامون على وعدٍ بأن الغد سيكملها.

ثم جاء الغيم الأسود.

لم يكن غيمًا عابرًا. كان ثقيلاً، يزحف من الأفق ويبتلع الضوء، ويقتلع الجذور كما تُقتلع الأشجار العتيقة. أخذ فاطمة من عتبتها، رماها أسفل التلّة، وترك الدار خاوية والكنيسة ترطن بلغاتٍ غريبة، ولا يسكنها سوى أعشاش الغربان.

المرج صار كئيبًا. الحكايات تبخّرت في الريح. والأغاني انقطعت فجأة كأن حبلاً سُحب من السماء.

في المخيم، تحت سقفٍ منخفض يتساقط منه مطر الحنين كل ليلة، جلست فاطمة من جديد.

جلسة أمام بابٍ من صفيح هذه المرة، لكنها جلست بالطريقة نفسها: الساقان ممدودتان، واليدان مفتوحتان على الهواء. كانت تنتظر قطارًا لا يعرف أحد إن كان حقيقيًا أم من دخان الذاكرة. تلوح بيدها للقادمين من وراء الشمس، تفتش في الوجوه عن ابنها الذي ذهب يلعب في بستانٍ لم يعد موجودًا، عن زوجها الذي حمل التراب بعد أن حمل البندقية، عن إخوتها الذين ساروا مع فلسطين إلى الله.

يسخر بعضهم منها:

«كيف تنتظرين عمرًا كاملًا؟»

فتبتسم فاطمة ابتسامةً صغيرة متعبة وتقول:

«لأنني لم أغادر أصلًا. جسدي فقط هو الذي رحل».

وكانت في كل مساء تفتح دفترًا قديمًا وتكتب جملةً واحدة قبل أن تنام:

«ما زلت على العتبة».

الفصل الثاني

الحجر والدفتر

مرت السنوات بطيئةً رمادية.

صارت فاطمة في المخيم المرأة التي يعرفها الجميع ولا يعرفها أحد تمامًا. الأطفال الجدد الذين لم يروا التلّة قط كانوا يأتون إليها كل عصر ويسألونها:

«يا عمة فاطمة… كيف كانت الدار؟»

فتغلق عينيها لحظة، ثم تفتحهما على عالمٍ غاب عن الجميع إلا عنها:

«كانت تطل على المرج الأخضر كقلبٍ لم يُجرح بعد. وكانت الريح تأتي من جهة الكنيسة برائحة الياسمين، ومن جهة الجامع بصوت الأذان يمتزج بأجراس الأحد. وكانت العتبة دافئة في الصيف، باردة في الشتاء، لكنها كانت تعرف شكل قدميّ».

في إحدى ليالي الشتاء، حين هبّت ريحٌ بدت قادمة من التلّة نفسها، حلمت فاطمة.

رأت نفسها تمشي في الطريق الترابي القديم حتى أعلى التلّة. الدار ما زالت قائمة، وأبوابها مفتوحة على الفراغ. دخلت فوجدت ظلّها القديم جالسًا على العتبة يبتسم لها:

«تأخرتِ».

فأجابته وهي تبكي:

«لم أتأخر. أنا لم أغادر».

استيقظت والدمع على خديها. أشعلت السراج وفتحت دفترها وكتبت بخطٍّ مرتجف:

«إلى من سيأتي بعدي…

إذا وصلتَ إلى التلّة فابحث عن المرج أولًا.

إذا وجدته كئيبًا فابكِ.

ثم ابحث عن الدار.

اجلس على العتبة.

وأكمل الحكاية التي ما زلت أحكيها».

في الصباح التالي جاءها ولدٌ صغير لا تعرفه، يحمل حجرًا مستديرًا صغيرًا.

مدّه إليها وقال:

«هذا من التلّة. جدي أحضره قبل أن يموت، وقال لي: أعطِه لفاطمة».

أخذت فاطمة الحجر ووضعته على راحة يدها. أحسّت فجأة أن جزءًا من العتبة قد عاد إليها.

ابتسمت لأول مرة منذ زمنٍ طويل، ووضعت الحجر بجانب الدفتر، وهمست للريح:

«ما زلت أنتظر… والحكاية ما زالت مفتوحة».

ومنذ ذلك اليوم صار الحجر والدفتر رفيقيها الدائمين.

تحكي للأطفال، وفي نهاية كل حكاية تضع الحجر على الدفتر وتقول:

«هذه قطعة من البيت. والبيت ينتظر أن نكمل له الحكاية».

الفصل الثالث

—————–

التي لم تغادر

كبرت الأجيال حول فاطمة، وهي لم تزل جالسة.

جاء أحفادٌ لم تعرف أسماء آبائهم أول الأمر، ثم صاروا يعرفونها أكثر مما يعرفون أسماء الشوارع في المخيم. صارت هي الذاكرة الحيّة، والصوت الذي لا ينقطع، والعين التي ما زالت ترى التلّة بوضوحٍ أكبر كلما تقدّم بها العمر.

في أحد الأيام جاءها شابٌّ طويل نحيل، يحمل في عينيه شيئًا من ملامح ابنها الغائب. جلس أمامها وقال:

«أنا حفيد أخيكِ الذي سار مع فلسطين. جئت من بعيد. سمعت عنكِ. سمعت عن العتبة والحجر والدفتر».

أخرجت فاطمة الحجر وأعطته إياه.

قال الشاب وهو يقلّبه:

«يريدون أن ننسى. يقولون إن الانتظار ضعف».

فأجابته فاطمة بصوتٍ هادئٍ حاسم:

«الانتظار الذي أحمله ليس ضعفًا.

هو الطريقة التي أبقي بها الباب مفتوحًا.

هو الطريقة التي أمنع بها التلّة من أن تموت».

ومرت الأيام بعد ذلك اللقاء كأنها نهرٌ بطيء.

صارت فاطمة أكثر من امرأة تجلس على عتبة من صفيح. صارت السؤال الذي يطرحه المنفى على نفسه كل ليلة: هل يمكن لإنسان أن يبقى في مكانٍ واحد طوال عمره بينما الأرض التي يحبها بعيدة عنه؟ وهل يمكن لتلك الأرض أن تبقى حيّة إذا لم يجلس أحدٌ على عتبتها ولو بالخيال؟

كانت فاطمة تجيب على السؤال بجسدها كله.

كل صباح تمسح العتبة أمام بابها كأنها تمسح عتبة الدار القديمة. كل مساء تضع الحجر على الدفتر كأنها تغلق باب البيت بعد أن تتأكد أن أحدًا لم ينسَ المفتاح. وكلما سألها طفلٌ عن التلّة، كانت تصفها لا كما كانت فقط، بل كما هي الآن في داخلها: المرج ما زال أخضر لأنها ترفض أن تراه ذابلًا، والكنيسة ما زالت تسمع أجراسها لأنها ترفض أن تترك الغربان تنفرد بها، والجامع ما زال يردد الأذان لأنها تؤمن أن الصوت لا يموت إذا بقي من يذكّر به.

وفي ليالي الشتاء الطويلة كانت تحدّث الوطن كما يحدّث المرء صديقًا قديمًا:

«أنا أعرف أنك متعب.

أعرف أنهم رسموا على جسدك خطوطًا جديدة، ووضعوا سياجًا حيث كان الطريق، وغيّروا أسماء التلال.

لكنني ما زلت أعرفك من رائحة التراب بعد المطر، ومن طريقة انحناء المرج في آخر النهار، ومن الصوت الذي كانت تحدثه قدمي على العتبة.

أنت لم تذهب إلى أي مكان.

فقط أنا الذي أُجبرت على الجلوس بعيدًا قليلًا.

لكن الجلوس ليس نهاية.

الجلوس أحيانًا يكون أصدق أشكال الوقوف».

الفصل الرابع

—————-

العتبة التي اتسعت:

كبرت الأجيال أكثر، وتغيّرت وجوه المخيم، وارتفعت بناياتٌ جديدة فوق البيوت القديمة. لكن فاطمة بقيت المقياس الذي يقيسون به الغياب.

الشاب الذي جاءها حاملاً ملامح ابنها الغائب صار رجلاً في الأربعين، ثم صار له أولاد، ثم جاء أولاده إليها بدورهم. كانوا يجلسون أمامها ويسألون الأسئلة نفسها، فتعطيهم الإجابات، وفي كل مرة تضيف جملةً جديدة صغيرة، كأن الذاكرة شجرة لا تكفّ عن إنبات أغصان.

في أحد فصول الشتاء الطويل مرضت فاطمة للمرة الأولى مرضًا حقيقيًا.

صار جسدها خفيفًا، وصار صوتها أضعف، لكنها رفضت أن تُنقل إلى المستشفى. قالت لنساء المخيم:

«إذا تركت العتبة، من سيبقي الباب مفتوحًا؟»

فأبقينها حيث أرادت. كنّ يسقينها الحساء، ويغطين ركبتيها، ويضعن الحجر في راحة يدها كلما انزلقت منه.

وفي تلك الأيام المريضة صارت تتكلم مع الوطن بصوتٍ مسموع:

«أنت لست بعيدًا كما يظنون.

أنت فقط مغطى بالغبار والأسماء الجديدة والسياج.

لكنني أعرف مكان كل حجر فيك، وأعرف أين كان يجلس أبي في المساء، وأعرف الرائحة التي تخرج من التراب بعد أول مطر.

هم يستطيعون أن يغيّروا الخرائط، لكنهم لا يستطيعون أن يغيّروا الذاكرة التي صارت عظمًا داخل العظم».

وذات ليلة جلست في فراشها وأسندت ظهرها إلى الحائط، وأمسكت الدفتر والحجر، وكتبت صفحاتٍ طويلة:

«أيها الذي ستأتي بعدي بسنوات أو بعقود…

لا تبحث عني في القبر، فأنا لن أكون هناك بالكامل.

ابحث عني في العتبة.

أي عتبة.

اجلس.

ضع يدك على الحجر إن وجدته، أو على التراب إن لم تجده.

ثم اسأل نفسك: هل أنا هنا الآن، أم أنني ما زلت هناك؟

الوطن ليس جغرافيا فقط.

الوطن هو القرار اليومي بأنك لم تنسحب من المكان الذي أُخرجت منه.

هو أن ترفض أن تصير خفيفًا بما يكفي ليحملك المنفى إلى النسيان.

هو أن تظل ثقيلاً، مرتبطًا، جالسًا، حتى لو كان الجلوس على كرسيٍّ في غرفة ضيقة في مخيمٍ بعيد.

أنا فاطمة.

لم أكن بطلة، ولم أحمل سلاحًا، ولم أخطب في الساحات.

كل ما فعلته أنني رفضت أن أقوم من العتبة.

ورفضت أن أدعو الانتظار بأسماء أخرى تجمّله أو تخفف من ثقله.

الانتظار اسمه انتظار.

وهو أقسى أنواع المقاومة لأنه لا يمنحك لحظة انتصار واضحة.

هو عملٌ فردي، صامت، طويل، يشبه التنفس تحت الماء.

لكنه يحفظ الباب مفتوحًا.

وكل باب مفتوح يعني أن العودة ما زالت ممكنة.

حتى لو تأخرت.

حتى لو جاء الجيل الخامس أو السادس أو السابع أو أي جيل.

ما دام هناك من يجلس على العتبة، فالوطن لم يُغلق بعد».

حين انتهى الشتاء نهضت فاطمة من فراشها.

عادت إلى باب الصفيح، وفرشت ساقيها على العتبة، ووضعت الحجر والدفتر في مكانهما.

جاء الأطفال فوجدوها كما عرفوها، فجلسوا حولها.

هذه المرة لم تحكِ عن المرج والكنيسة والجامع فقط. قالت لهم:

«التلّة ليست مكانًا نذهب إليه فقط.

التلّة هي الطريقة التي ننظر بها إلى العالم.

إذا جلستَ هنا بما يكفي من الوقت، وصرتَ تعرف شكل الغيم الذي يأتي من جهتها، وصرتَ تميّز صوت الريح الآتي منها… فأنت لم تعد بعيدًا عنها.

أنت صرت امتدادًا لها.

وصارت هي امتدادًا لك».

ثم أخرجت الحجر ومدّته إلى أصغر طفلة في الحلقة:

«أمسكي هذا.

لا لأنه ثمين، بل لأنه دليل.

الدليل على أن شيئًا من هناك وصل إلى هنا.

وإذا استطعتِ يومًا أن تحملي أنتِ شيئًا من هنا إلى هناك… فكوني متأكدة أن التلّة ستعرفكِ».

الفصل الخامس

——————–

موتٌ على العتبة:

في آخر شتاءٍ من عمرها صار جسد فاطمة أخفّ من ظلّه.

كانت تفيق كل صباح بصعوبة، وتمسح العتبة بيدها المرتجفة، ثم تجلس: الساقان ممدودتان، والحجر في راحة يدها، والدفتر على ركبتيها.

الأطفال ما زالوا يأتون، لكنهم صاروا يجلسون أقرب. الشبّان الذين سجّلوا صوتها عادوا يحملون نسخًا من التسجيلات.

في تلك الأيام الأخيرة لم تعد تحكي كثيرًا عن الماضي.

كانت تنظر إلى الجهة التي تعرف أن التلّة فيها، وتهمس:

«أنا تعبت يا تلة…

لكنني لم أقم.

هل رأيت؟

لم أقم يومًا».

في ليلةٍ باردةٍ صافية اجتمع حولها من استطاع من أهل المخيم.

جاءوا كأن شيئًا في الهواء أخبرهم.

كانت فاطمة مستندة إلى الحائط، عيناها مفتوحتان، والحجر ما زال في يدها.

رفعت رأسها بصعوبة ونظرت إلى الوجوه، ثم قالت بصوتٍ واضحٍ غريبٍ في ضعفه:

«لا تبكوا الآن.

البكاء يأتي بعد أن تُغلق العتبة.

وأنا… لم أغلقها.

أنا فاطمة.

جسدي سيُحمل من هنا بعد قليل، لكن ظلي لن يقوم.

ظلي سيبقى ممدودًا على العتبة الحجرية في أعلى التلّة، كما كان منذ اليوم الذي أُخرجت فيه.

ومن أراد أن يجدني بعد اليوم، فليجلس.

أي عتبة.

في أي مكان.

وسيجدني هناك، جالسة، أنتظر معه».

ثم أمسكت يد أصغر طفلة في الحلقة، ووضعت الحجر في راحة يدها الصغيرة، وأغلقت أصابعها عليه برفق.

قالت:

«هذا ليس حجرًا.

هذا جزء من العتبة.

احمليها عنّي.

وإن ثقُلت عليكِ يومًا، فأعطيها لغيرك.

فقط… لا تتركوها على الأرض.

العتبة إذا تُركت ينساها الناس، وإذا نسيها الناس صار الوطن صورةً في كتاب».

سكتت قليلاً.

كان تنفّسها خفيفًا كحفيف أوراق يابسة.

ثم فتحت عينيها للمرة الأخيرة، ونظرت إلى الجهة نفسها التي نظرت إليها ستين سنة، وابتسمت ابتسامتها الصغيرة القديمة، وقالت الجملة الأخيرة:

«ما زلت على العتبة…

حتى وأنا أقوم».

ثم أغلقت عينيها.

ولم تفتحهما بعد ذلك.

في الصباح حملوها.

سار الموكب الصغير في أزقة المخيم. الطفلة التي أُعطيت الحجر مشت خلف النعش مباشرة، تقبض عليه بكلتا يديها.

دفنوها في طرف المخيم تحت شجرة زيتون.

لكن أحدًا لم يشعر أنها وُضعت في القبر بالكامل.

كان الجميع يعرف أن فاطمة لم تُدفَن.

هي فقط تركت الجسد يرتاح، وظلت جالسة حيث يجب أن تجلس امرأة مثلها.

بعد أسابيع جاءت الطفلة التي تحمل الحجر، ومعها أمها وأولادٌ آخرون، وجلسوا على العتبة نفسها.

وضعت الطفلة الحجر أمامها، وفتحت الدفتر الأصفر، وبدأت تقرأ بصوتٍ عالٍ ما كانت فاطمة قد كتبته:

«الوطن ليس مكانًا نعود إليه فقط.

الوطن هو المكان الذي نبقى فيه حتى ونحن بعيدون…»

وفي الجهة البعيدة، حيث التلّة ما زالت راقدة تحت سمائها،

بدا للريح التي تمرّ على المرج أن ظلًّا قديمًا مألوفًا قد عاد إلى العتبة الحجرية، وجلس، ومدّ ساقيه، وابتسم.

كأن فاطمة لم تمت.

كأن الموت كان فقط الطريقة الأخيرة التي اختارتها لتؤكد للجميع أنها…

ما زالت هناك.

وهكذا انتهت حكاية فاطمة.

وماتت المرأة.

وبقيت العتبة.

وبقي الوطن…

جالسًا.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code