صفوح صادق _شاعر فلسطيني
وطني…
يا آخرَ الأشياءِ
التي لا تُنسى،
يا أولَ الأسماءِ
حين تضيقُ بيَ الجهاتْ
أمشي إليكَ
كأنني أمشي
إلى نفسي،
وفي خطايَ
بقايا بيتٍ
وبعضُ طفولةٍ
وبابْ
وطني…
كم مرّةٍ
خبّأتُ وجهَك في دمي
كي لا تراهُ يدُ الغيابْ
وكم حملتُ ترابَكَ
في حقائبي،
وحين أضعتُ الطريقَ
كانَ الترابُ
دليليَ الوحيدَ إلى الصوابْ
في كلِّ مدينةٍ
أسكنُها
تظلُّ نافذتي
تطلُّ عليكَ،
ويظلُّ قلبي
معلّقًا
بجهةٍ
لا يعرفُ سواها
يا موطني…
إن باعدتْ بيننا المسافاتُ،
فأنتَ أقربُ
من نبضي،
وأبعدُ منالًا
من الحلمِ حين يصيرُ
الحلمُ اضطرابْ
سأعودُ…
لا لأنَّ الطريقَ
وعدٌ بالوصولِ،
بل لأنني
حين أبتعدُ عنك
أشعرُ أنني
أبتعدُ عن اسمي.
وحين أعودُ…
لن أقولَ:
ها أنا عدتُ،
سأقولُ:
ها أنا
وجدتُني
بعدَ طولِ اغترابْ.
وفيكِ يا أرضي
تعلمتُ أنَّ
الحنينَ ليس دمعةً،
بل خبزُ أمٍّ
تتركُهُ دافئًا
على حافةِ الغيابْ
وأنَّ بيتَ أبي
ليس الجدرانَ،
بل صوتهُ
حين كان يناديني
من آخرِ الدارْ
وأنَّ أمّي
حين تفتحُ نافذةَ الصباحِ
كانت تفتحُ في قلبي
بابًا إلى النهارْ
يا موطني…
أنا لا أريدُ منك
قصورًا ولا ذهبًا،
أريدُ شجرةً
تظلّلُ عابرًا،
وماءً
لا يخافُ عليهِ طفلٌ
من العطشْ
أريدُ ليلَك
حين ينامُ الناسُ
ولا ينامُ الحارسُ،
أريدُ خبزَك
حين يتقاسمهُ الفقراءُ
دون أن يسألَ أحدٌ:
لمن هذا الرغيفْ؟
وأريدُ أن يكبرَ الصغيرُ
وفي يدهِ كتابٌ،
لا مفتاحُ بابٍ
أغلقهُ الخوفْ
فيا وطني…
إن كان لا بدَّ للإنسانِ
أن يتركَ شيئًا وراءهُ،
فسأتركُ في ترابكَ
قلبي…
وأمضي،
لكنني أعرفُ
أن القلبَ الذي
دُفنَ في أرضِهِ
لا يعرفُ الهجرةَ
ولو مشى بعيدًا
فإن سألوا:
ما الوطن؟
سأقولُ:
هو اليدُ التي
تمسحُ عن وجهِكَ الغبارَ
حين تسقطُ،
ولا تسألُك
إلى أينَ كنتَ ذاهبًا.
هو أمٌّ
تخبّئُ خوفَها
كي لا نخافْ،
وبيتٌ
إذا ضاقتْ بنا الدنيا
اتّسعْ.
هو قبرُ الذين مضوا،
وصوتُ الذين لم يصلوا،
وحلمُ طفلٍ
ما زال يرسمُ
فوقَ جدارِ الفقرِ
شمسًا وحقولْ.
وطني…
لن أعدَكَ
أنني لن أرحلَ،
فقد يأخذُنا الطريقُ
حيث لا نريدْ،
لكنني أعدُكَ:
كلما ضللتُ
سأبحثُ عنك،
وكلما تعبتُ
سأذكرُ ترابَك،
وكلما انطفأتْ
في داخلي الجهاتُ…
سأقولُ:
هنا وطني.
وهنا…
يبدأُ قلبي
من جديدْ.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_
