السفير محمد بدر الدين زايد
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_رفضت حكومة نتنياهو خطة مجلس السلام فى غزة المكونة من خمسة عشر بندا، مصممة على ضرورة نزع سلاح حماس بالكامل فى خطوة تحد كبير للرئيس ترامب.
ومن ناحية أخرى تواصل إسرائيل خططها الاستيطانية وتجاوزاتها غير العادية لكل الحدود، ولقد أشرت من قبل أنه من الضرورى فى مواجهة طرف لا يعبأ بكل القوانين والأخلاقيات مواصلة تسجيل كل هذه الانتهاكات لعلنا نرى يوما نحن أو الأجيال القادمة من يحاسبهم على هذه الجرائم التى لا تسقط بالتقادم.
وفى الواقع أن ما سأطرحه هنا هو فقط بعض ما تنشره الصحافة الإسرائيلية التى تشهد انتقادات من وقت لآخر بل وتنشر تفاصيل ربما لا نراها فى الإعلام العربى عن بعض هذه الجرائم.
أحد هذه التعليقات كان عن مساحة الأراضى التى تحتلها إسرائيل الآن والتى سجلها هذا المقال بأنها نحو ٦٠٠ كيلومتر مربع فى لبنان و٢٣٥ كيلومترا فى سوريا و٧٠٪ من غزة وكل الضفة الغربية، وأضاف هذا المقال أنها زادت مساحة الدولة وتعمق مناطق الاحتكاك بسكان معادين وبتنظيمات وجيوش أجنبية، وأن وزير الدفاع الإسرائيلى يعمق من هذه الخطط بالتوجيه ببناء قواعد فى لبنان، وأضيف بهذا الصدد تصريحاته مؤخرا بأن قواته لن تغادر لبنان. وأسهبت مقالة أخرى فى يديعوت أحرونوت فى تسجيل الاقتحامات التى تقوم بها عصابات المستوطنين الذين وصفتهم بالمتطرفين لمناطق الضفة الغربية، وكيف أخذت القانون فى يدها بحماية الجيش الذى تحول إلى دور توفير الحماية لهؤلاء المتطرفين فى اقتحاماتهم وذلك بدلا من أن يلتزم الجيش الإسرائيلى بالقانون ويمنع هؤلاء المستوطنين من غزواتهم، وقد تسببت هذه التجاوزات فى انتقادات من السفير الأمريكى لدى إسرائيل والمعروف بصهيونيته ثم انتقاد رسمى أمريكى للاعتداء على منزل فلسطينى أمريكى.
وتواصل إسرائيل أيضا إجراءات الدفع بالوحدات الاستيطانية وعمليات الضم فى محيط القدس الشمالى، كما لا يغيب تقريبا يوما خبر بشأن عمليات لهذا الجيش بإزالة وهدم منازل ومنشآت فلسطينية، ومؤخرا أعلنت قيادة الجيش أيضا أن قرية الطيبة المسيحية قرب رام الله منطقة عسكرية مغلقة.
يتساءل بعض العرب بعد تحدى نتنياهو لأوامر ترامب- برفض خطة السلام التى أعلنها ميلادينوف -عن ردود الفعل الأمريكية المحتملة، وهؤلاء عليهم العودة لسجل الخلافات بين البلدين وأن نتنياهو سبق له تحدى الرئيس أوباما وتجاهله ولم يترتب على هذا شىء يذكر، وأن ترامب سبق له انتقاد إسرائيل والإشارة إلى انتقادات العالم له ثم يستقبل بالأحضان فى واشنطن وتخرج التصريحات بأنه ليس هناك علاقة مشابهة ولا حليف أفضل من ترامب الذى يقدم كل الدعم ويحقق مصالح إسرائيل بأكثر من أى رئيس سابق وهذا صحيح.
على أنه من ناحية أخرى ثمة أمر لا يمكن تجاهله والمرور عليه ببساطة، وهو حجم الاستياء الأمريكى الشعبى المتزايد ضد إسرائيل فى أوساط أمريكية عديدة ليست فقط ديمقراطية ليبرالية كما رأينا فى الجدل الأخير بشأن المرشح الديمقراطى من أصول مصرية عبدالرحمن السيد، وانما فى أوساط جمهورية تنادى بأمريكا أولا ولا تتقبل حجم الالتزامات والدعم الأمريكى لإسرائيل.
وصحيح أيضا أنه كانت دوما هناك أصوات معتدلة تنتقد إسرائيل فى كل عصور السياسة الأمريكية ويكفى تذكر سيناتور شارلز بيرسى وبول فيندلى وغيرهما كثيرون ولكننا نتحدث الآن عن ظاهرة ذات حجم أكبر بكثير وبما لا يقارن مع أصوات منفردة تغرد حتى يقود الإيباك واللوبى الصهيونى حملاته لإسكاتهم أو حتى الإطاحة بهم، نحن الآن نواجه ظاهرة أوسع كثيرا وقاعدة شعبية أضخم بشكل لا يقارن ولا يكشفها فقط الإعلام الأمريكى بل ووسائل التواصل الاجتماعى أيضا.
ولكن القضية كما أشير مجددا إلى أننا أمام آلة إعلامية وقوة ضغط سياسية هائلة قادرة على قلب التوجهات والموازين وتغيير المعادلات وهذا يعنى أن هناك حاجة لعمل دؤوب وجاد ومؤسسى وليس فقط اعتمادا على جهود التيارات المنتقدة لإسرائيل.
ونقطة البدء هى الاعتراف بواقعية بأن من سيقود هذه الجهود هو الجانب الفلسطينى أساسا وقلة من العرب ومعهم كثيرون من المخلصين فى العالم شرقا وغربا وأمريكيون أيضا، وأن أغلبية عربية الآن غير معنية بشكل كاف بقيادة أو متابعة هذه الجهود مع وجود مساحة لجهود مؤسسية من جامعة الدول العربية.
وهنا أخاطب تحديدا المتخوفين من بعض توجهات اليسار الليبرالى الأمريكى -كما عبر عنه المرشح المصرى الأصل عبدالرحمن السيد- وأتفهم التخوف من بعض نزعات المراهقة السياسية التى يعبرون عنها وأشير تحديدا هنا إلى عدة ملاحظات، أولها أن الحكمة السياسية ألا نغلق حوارا مع أى طرف أمريكى مثلما نتحاور مع غلاة الداعمين لإسرائيل والذين يتبنون سياسات تمس الأمن القومى المصرى، وخاصة أن الحوار والتفاعل يلعب دورا مهما لتحييد وتقليل الخلافات، وثانيها أننا يجب فى تحديدنا لمصالح الأمن القومى المصرى أن نميز بين من يهدد هذا الأمن بشكل استراتيجى ومن يسىء ولا يمثل تهديدا حقيقيا لأمننا إلا أذا حاول التدخل فى الشؤون الداخلية المصرية ولا تبدو هذه السياسات مطروحة الآن دوليا أو أمريكيا بشكل عام.
ومن ثم من المهم تنشيط قنوات الاتصال ودعم التحولات المهمة التى نراها فى مواجهة حالة إسرائيلية لن تهدأ إلا بهزيمة اليمين الإسرائيلى المتطرف وخسارة الجمهوريين لانتخابات التجديد النصفى المقبلة.
المصري اليوم

